دينا سليم (وتراتيل عزائها) على الأحلام الهاربه.
سعد حمزة
بينما يحدّ العشق قيودا وأسوارا منيعة, يقرّر عرّاب الحقيقة أن يحمل معه هذا الجيش البريء الأعزل, أفراده يفرون من الظلم, ينشدون العدالة, يحاولون الصمود أمام المستحيل, ينزلون البحر بمزاجيته وجبروته, لا يحملون سوى حلم الوصول الى برّ الأمان ويتحول قلب (حازم) بطل الرواية إلى شراع, يشقّ العباب, يشاركونه البقية حلما كبيرا في الوصول إلى أرض, فيظهر الحلم في الطين وتتحوّل الوجوه جميعها إلى بياض.
رواية (تراتيل عزاء البحر) )(دار العودة 2007) للروائية دينا سليم, تروي أحداثا تتخطى حدود المعقول, نصّ حقيقيّ لأحداث رومانسية يخضع لها المحبون ويصمد أمامها الأبرياء, ولا يتبقَ سوف استبداد الحب وخلود العاشقين.
لا أحد يستطيع أن ينسف ذاكرة البحر, فالبحر كلّه وجود, عملاق في القاع وعملاق على سطح الوجود.
لماذا الهلهلة الكبيرة في بحر عطش إلى ضحاياه, هم الذين تمردوا على لغة الجواب, وهم الذين قرأوا سيرة السندباد, وتوكّلوا على الله الأوحد وخرجوا بقصيدة في الحياة, منهم من مسك النجم البعيد ومنهم تعبّد إلى أفروديت.
صور لا تكفي في مشهد كاميرا الظلمات, توكّلوا على اسمهم ورحلوا يحملون الرايات. الحادثة ولدت عام هجرة الإنسان في عالم الكوارث, إلى عوالم الأمان, مجموعة من المغامرين قرروا ركوب البحر, منهم من لم يصل, ومنهم من وصل وكان شاهدا على عمق المأساة! وحيد يمشى بلا أقدام, لا أكف تتحرك ولا عيون, يمضون بقلب اسمه الحلاج...
البحر يشبه البرّ, والبرّ لا يشبه الأمان, فواصلوا بداية الضمير وتزوجوا الرمال. أقواهم أمسك سيمفونية الغدر وصدّق أن الحياة غناء, وأكمل المشوار قرب صليب لا يعلّق عليه, لأن الكلام له مشوار...
نزحوا بأجساد الفكرة الخاطئة, وحملوا مشاكل الظلام, أكبرهم صرخ في البرية, ها هو (تراتيل عزاء البحر), هي أغنيتنا الأخيره في عالم لا أحد يسمعه ولا يراه, وصلنا على دفّة القول وكانت أشرعتنا سيمونية القدر.
هذا هو قولنا, نحن اكتشفنا الآن ما لم يتذكره الأنبياء.
(تراتيل عزاء البحر) للروائية دينا سليم, هي التي افتقرت عالم الوجود في عالم بلا وجود, أوصلت ضحاياها إلى الأمان المسكون بالخوف, وبشّرت باحتجاجها الأول خبر كوارث الإنسانية.
(تراتيل عزاء البحر) وقفة كبيره في عالم الممنوع, ومن أجل بناء كون يستحق التوقف أمام لحظة تاريخية لا بدّ لها أن تُنظر في عين الجدّ.
سلاما كل سلام على الذين وصلوا وهم يحملون رايات النزف على زمن تحتضنه البحار. سلاما على الكيانات التي تأسست في صيرورة بقاء الإنسان, هي المجد العالي على فضائح الزمن!
البحر, مهما كان عمقه وغياهبه, سيظل مسكونا بالحكايات. دينا سليم قصّرت المسافة بين الإحتجاج وصوت الحرية, رفعت راياتها المعلنة أبدا يافطة تكتب أمام وجوه الكون.
هي التي خلّدت نعاسها المؤجل أمام صحوة القدر, واكتفت بشراء القلم, لأنه المركب الوحيد الذي سوف يصل إلى عالم اللاحياة.
ليس في وسعنا إلا أن نقول كلمة مؤجلة, لأن القادم هو المسكون بخراب الأشياء.
هناك ديالوج عالٍ في حوار المأساة, وظّف بعقلانية الكاتبة المبررة, لأنها تشتغل في مواقع خارج منطق الكلام.
وأنت تقرأ الرواية لا بدّ لك أن تضع يدك على قلبك, وتتمنى لكل الآخرين الوصول بالنجاة, هي على ما أعتقد رواية رحلة الإنسان السندباد في عالم غير مسكون بحقيقة الأمان, سنحمّل (تراتيل عزاء البحر) فوق أكفنا المسكونة بالملح والرمل, ونستقبل آخر زجاجة ستصل الشاطىء وفي قلبها صرخة لا تقال.
وأنا جالس على منضدة العقل أقول لدينا سليم:
مضيتِ تحملين على كتفيك
باحات العالم المفتوحة
على أسارير الكون المنغلق
تتجولين بقلم
لا يشبه سخرية الأرض
لكنكِ أشرّت به
فوق نصف مساحة القمر
هبطتِ
بنصف إغفاءة
تتحدّثين عن سيرة القدر
خطيت الطريق
لقد سرت بطريق العملقة
هذه الرواية سيرة مؤجلة لعزاء واضح, البحث عن الحرية, الحرية المدججة بسلاح التوقف, مشينا في العزاء حتى آخره, لكننا لم نلبس السواد, لأن أحلامنا لا تنتهي, وربما ما تزال أحلامنا قابعة داخل زجاجة في عمق الحرية!
****