أمل الجبوري: الكتابة خارج شفرة الجسد
علي حسن الفواز
لا تملك الشاعرة امل الجبوري الاّ ان تنحاز الى نوع من (التغني التراجيدي) بالجسد واللغة والفكرة، اذ تحمل عبر شفراتها هاجس الانشداد الى غواية هذا التغني عبر احالات المعنى واستنطاق رموزه ومغالبة ذلك في التماهي مع الالم والغياب/غياب الجسد وغياب الكينونة والاستغراق بكل ماتضمره رمزيتهما الهاربة ..
تسعى الشاعرة الى نبش المسكوت عبر استطاق شفرة الغياب واخضاعه الى لعبة الفرجة ،وهذا لايومىء الى استفار عوالم بعيدة موغلة في مثيولوجيتها وتاريخيتها بقدر ماهو محاولة في استحضار ألوجع اليومي بكل حميميته وتوهجه ورعبه واسئلته ..
في مجموعتها الشعرية ( تسعة وتسعون حجابا) الصادرة عن دار الساقي /بيروت 2003 تبدو محاولة الكتابة الشعرية التي اعتمدتها الشاعرة وكأنها محاولة للامساك الرمزي بغواية الجسد والتفرس به كشفا عن اطمار عتيقة ظلت مشدودة به ودفاعا عن عوالقة المبذولة والمشتبكة بما هو يومي واسطوري وسحري ،تفسر من خلالها تاريخ عزلته ومتاهته،تستقرأ متنه الانطولوجي وهوامشه الموغلة في طين الامكنة علامات ورموز وحركات واشياء مهملة، تكشف من خلالها وجع الكائن الذي ينوس بها والمستلب ازاءها ،حتى يبدو الرمز/الحجاب في تعدده هو موشور العزلة والمعنى والعتمة ،وان الشاعرة لاتملك ازاءه الاّ مجسها الانثوي الذي يوغل في جوانية الظاهرة او الانكشاف على هوس الرؤيا ، تلك التي تتوغل في غابة الرموز التي تستدعي التاريخ والتابو والغياب بحثا عن انغمارات مضادة تفور بالاحتمال والضجيج الذي تتلبسه الشاعرة عبر استحضار العديد من الوجوه والاقنعة التي تواجه مهيمنة الحجاب/شفرة الغياب، او علامة الحجاب كنص سري في مقاومة الموت !!وكأنها تتابع عبر هذا التعدد انطولوجيا محنتها في الجسد والفكرة والمعنى .
الديوان مقبرة
والقصائد قبور في اجساد مختلفة
بلدان وحكايات
واقداح ممتلئة بوهم يبدو حقيقة
ووعد يبدو وكأنه السراب.
لكنّ في تلك الحجب قبرا ما
حينما أهمّ بفتحه لااعرف اية جثة للسر واريتها فيه
ولا أجد غير المجهول في وجوه تلك الحجب.
ان ثيمة التعدد هي اشارة طلسمية تحيل الى فضاء هذه المحنة !! اذ تبدو ان القصائد/القبور/الاقداح/البلدان هي اقنعة لجوهر هذه الاشارة عبر استحضار فكرة الموت/الغياب ،تلك التي تجعلها الشاعرة نشيد انوثتها الصاخب الذي لا يعلو مجازيا فحسب ،وانما يكرر بنوع من المكاشفة الصارخة سخريتها المرة من تاريخ الحجب ذاته،هذا المتراكم،العازل ،الطارد الذي يوهم بما هو مناهض للكينونة مثلما يعبّر عن عن تشابه وجوه صنايعيته الموتى// الغائبين/الجثث/ هؤلاء الذين يجترحون دائما الحجب /علامة الغياب وعتمة الوضوح،،، وان لعبة الكتابة والافصاح عن اصواتها الخبيئة هي محاولة لمواجهة تداعيات واتساع مرارة التاريخ ومحنته وركامه !! مثلما هي محاولة لصناعة نشيد وجداني وحسي يتمثل جوهر وجودها و يليق بالتوهج الذي تختزنه في اعماقها ،فهي تخفي خلف تسعة وتسعين حجابا شراهة للحياة ، وربما تخفي مثيولوجيا الجسد ذاته، يتعانق فيها مسار التاريخ والاسطورة،و تحمل عبره الشاعرة شفرات متراكبة لالاف المعاني والاف الاسماء،وكأنها تجعل الجسد هو جوهر الخطيئة والتطهير في آن ،تستعير من ايهامية المقدس/الاسماء الحسنى رغبتها الحميمة في انقاذه من خداع المهيمنة الضالة ،وكذلك البحث عن الجوهر/الذات/الكينونة ،الذي يواجه نقائض الجسد ....
ان التماس فعل الكتابة كاشهار علني للكشف عن رغبة الذات في الانخراط بنشوة النبش في جسدانية الفكرة والمعنى/الحجاب هو جزء من لعبة تورية الجسد/يمثل مواجهة ساخنة ازاء تاريخ طويل من اقصاء هذا الجسد عبر غياب اللذة/ التواصل/ التعالي/الاشباع/العري/ الحلول/المراودة/الانتهاك ..ولعل الكتابة هنا تبدو ايضا هي نص آخر للتعريف والافصاح عن مكنون الجسد ذاته في تجلياته وشهواته وجوانياته المسكونة بالنداء ،انها (نفخ الروح) فيه /اعلانه /مقاربة انكساراته/ التجوهر حول شيئيته المتخيلة، عبر افصاح مكنون مثيولوجيا الجسد بكل ما تفصحه من خطايا ونقائض ورعشات ونداءات عالقة بالصهيل ..
ان كنت نارا تلهب
فلأني ملأت تهجده بفاكهة الانثى ورياحين العقيق
وسرقت من عمره سنواته الفائضة
ومنحته رعشة الغار وحرائق الجنوب
فروض غيرتي بصبر ذراعيه
وفيض انائه
لقد ادركت الشاعرة ما يمكن ان تكونه الكتابة ،فارتهنت اليها بنوع من التشبث العرفاني الذي يجد في اللغة/الرمز تعويضا عن الغياب،واستحضارا للفكرة، واستغوارا للمعنى الذي تجلو فيه الدلالة وتحرير المكبوت واشباع ما توهم به الصفة التي يلوذ بها المريد ،وهو يجعل من اللغة كنزا او جسدا تدور حوله المعاني ،ينكشف عن سحر اللذة وحدوثها ويتمنع عند المراودة ، ذلك الذي تجعله الشاعرة مكمن شفراتها الذي يتلو اللذة والمعرفة ويفترض الشك ..
أنت ايها العالم
احررك كي اخونك
اخونك كي احررك
وانت ايها المجهول
احررك من كل كتبك
اتلو عليك الان
تعاليمي الجديدة..
تعمد الشاعرة امل الجبوري ان تكون رائية في كتابتها ،فهي تقدّم وعيا قصديا تفيض منه الافكار التي تضع الجسد بمواجهة كل تاريخ الاستلاب/ الغياب ، ولاشك ان هذا التقابل بين الوعي بكل توهجه وحدوسه وبين الجسد بكل طبقاته في التاريخ والحاضر يجعل الشاعرة تدرك انها امام لعبة احتمال مفتوح او توليفة يمتزج فيها الحسي مع اللغوي الصوري والذهني ،وهذا مايجعل حضور الرؤيا هو الاكثر استئثارا في اغلب قصائد المجموعة،لان الشاعرة تكتب رؤيتها لمابعد الحجب ولمابعد الاسماء ،وتصطنع لها استشرافا يتجاوز التاريخ والمثيولوجيا والمقدس والبلاغة الموازية باتجاه الكشف عن نوع من الرؤيا الذهنية الذي تضع القصيدة امام تساؤل مفتوح تنحلّ عنده اللغة من دلالته في الوضوح الى الانفتاح على دلالات مضللة ..
ليس الجمال ما يجرني اليك ايتها الكتابة
انه الفناء
ايها الجمال
لقد اصبحت جسدا هجينا
في الكلمات ..
ان الشاعرة وهي تضع رؤيتها بمثابة مقدمة لاعادة قراءة متن الجسد من خلال قراءة هوامشه القامعة ،فانها تنحاز الى شكل الكتابة البصرية التي ترسم نصوصا موازية تتكأ فيها على سيولة الكتابة/النص المولّد ،وكأنها امام لانهائية من الايهامات ،اذ تحمل علاماتها استغراقا في تاريخ الجسد المكتوب والجسد المغيب،والمنتهك ،تجوس عبر كثافة رمزية الى تجاوز عقدة الاسماء وقرائنها عبر اصطناع شفرة الحجب،كمقاربة نفسية في استعادة الجسد بما يحوزه من اشراقات وفضاءات غامرة بالتأويل ..
فعند مشهد تجسيد هذا التغني تستحضر الشاعرة كل الوظائف التي يمكن ان تجعل الجسد في نوبة من السيولة الدائمة ،فهو حركة المدّ ،وهو المعنى المستعاد وهو شفرة الاحتجاج والنفور،وهو جوهر الذات الانثوية المسكونة باصداء الخارج وفوضى اللغة التي تحتفي بالجسد باعتباره نشيدها المخادع ،وفضاءها المتسع للغواية والقناع والمجاز والتورية والانقطاع..
ولاشك ان الشاعرة عمدت الى مقاربة ذلك ايهاما بان الكتابة /صناعة الشفرات تمثل الخرق الاكثر ايثارا في الخروج من ثنائية الصوت/ الصدى الى لعبة مواجهة المعنى المطرود المعزول خلف الحجب والاندفاع الى الرغبة التي تستبد بالجسد والتوغل في تأويله كنص ورؤيا وغابة من العلامات .
لقد وجدت في ثيمة الحجب تورية عامة لاستبطان ثيمات اخرى تقع في سياق التاريخ وفي سياق الوقائع ،تمارس ذات القمع وتثير تلك الاسئلة المستبدة, ولعل الشاعرة في كتابة تسعة وتسعين حجابا ارادت كتابة نصوصا تواجه ازمة الجسد في التاريخ والوقائع مشفوعة باستحضار ما يشبه الرقى والتعاويذ كنوع من كتابة مضادة تواجه بها كتابة تاريخ الجسد ذاته المخبوء والغائب خلف لانهائية من الحجب التي تفترسه كاشكال بديلة لتاريخ القمع والسلطة والوعي النكوصي الذي مارس لعنته ولعبته في سحق الوجود وتركه عاريا امام عبث الموت المجازي الذي يستبطن اللغة والعلامة والتفاصيل..
تمثل هذه المجموعة الشعرية تطورا واضحا في تجربة الشاعرة امل الجبوري في سعيها الى استكناه رمزية الجسد عبر تعدد مستوياها الدلالية والصورية والقناعية ،ولعل حرصها على تفجير كل مكنونات البنية النثرية والانزياح عبر لغة بسيطة لكنها مكثفة ،يمثل الاستغراق في توالية كتابية تقابل لعبة الشعر ذاته في صناعة ماهو متوهج ودافق بحيوية الكتابة ..
*****