زجـاج الوقـت» روايـة هديـة حسيـن
الكتابــة فــي مــوازاة الزمــن
رفيف رضا صيداوي
الرواية: زجاج الوقت
الكاتبة: هدية حسين
الناشر: دار نارة للنشر والتوزيع، ط1 ، الأردن.
«زجاج الوقت» للروائيّة العراقية هدية حسين رواية
بثلاثة رواة، وذات خطّين سرديّين
متوازيين ومتقابلين. الخطّ الأول تضطلع به راوية شابة تدعى حنان، حرمتها
الحياة من أمها وهي لما تزل رضيعة، فكانت عمّتها الحضن الدافئ
والصديق المخلص ورفيق الدرب الأزلي. والخطّ الثاني تضطّلع
به عمّة حنان المدعوة حسيبة فيصل. كهلة تقــترب من عقدها
الخامس. وإذا كان الخطّ السردي الأول هو مدمــاك الرواية، فإن الخطّ
الثاني هو بمثابة مدماك لرواية ثانية تتأسس في موازاة الأخرى
تتولّى فيها العمّة السرد بوصفها كاتبة/ راوية ضمنية
يشاركها بطلها المتخيَّل يونس السرد، بوصفه الراوي الثالث.
تعدّد الرواة والأصوات لدى هدية حسين وتوالد رواية من
رحم الأخرى وظف فنّياً للاحتفال بالحب.
إذ بدا الحب في «زجاج الوقت» وكأنه هو الحقيقة الثابتة إلى
جانب حقيقتي الولادة والموت. بدا الحبّ أيضاً وكأنه فسحة الأمل في عراق غارق
بمخابراته وبرجالات أمنه الخاص وأجهزته وتوتراته الأمنية والسياسية.
روايتان
الرواية إذن، عبارة عن روايتين. رواية تكتبها العمّة،
وأبطالها الأساسيّون هم هداية ويونس
وحذام؛ وأخرى تسرد وقائعها حنان أرادتها هدية حسين مرجعاً واقعياً
لرواية العمّة. في رواية حنان إشارة إلى أن عمّتها التي اقتربت من
عقدها الخامس وصارت تعاني من تداعي الذاكرة شرعت في كتابة
رواية تجهل هي مضمونها، وإن كانت على دراية بعنوانها، وهو
«مكعّبات الثلج». وبذلك وازت «مكعّبات الثلج» رواية حنان
وتقاطعت معها، عند مستويات عدّة: منها تحوّل العمّة إلى بؤرة السرد في كلا الخطابين
الروائيّين، وكذلك دخول شخصيات الرواية الأولى (رواية حنان) عالم
الرواية الثانية (رواية العمّة)، لكن
مع تغيّر بعض ملامح هذه الشخصيات وأسمائها وطباعها. حنان في
رواية العمّة أصبحت حذام. والعمّة أصبحت هداية. وكذلك الأحداث. ففي
رواية حنان عن نفسها وعن عمّتها وقائع وأحداث متفرقة راحت
تتشابه مع وقائع وأحداث الرواية المفترضة للعمّة، أي رواية
«مكعبات الثلج». بحيث إن حكاية يُتم حنان وتسلّط أبيها على
أخته وتزويجها من رجل يكبرها بأكثر من عشرين سنة عقاباً لها لأنها هوت شاباً في
مجتمع يحرّم الهوى، ثم قيام أهل الشاب بنفيه من عشيرتهم إثر شكوى
تقدّم بها أخو العمّة وأبناء عمومته، وكذلك طلاق العمّة
وتفرغها لتربية ابنة أخيها اليتيمة... كلّ هذه الأحداث التي
استخدمتها العمّة في بناء روايتها كان لها صدى في رواية حنان عن
عمّتها.
السؤال الذي لا بدّ أن يطرح هو حول مدلول هذه اللعبة
الفنّية، التي أمسى بموجبها كلّ من
«الحقيقي» (وهو عالم حنان) و«المتخيّل» (العالم الروائي للعمّة
أو عالم «مكعّبات الثلج») متداخلان في عالم متخيّل («زجاج الوقت»).
لقد مجّدت
الكاتبة هدية حسين من خلال لعبتها الفنيّة الحبّ بألقه وخيباته، محتفلةً بأزلية
الروح وخلودها ضمن آلية الزمن المطلق. فيونس البطل الذي أشارت إليه
حنان بوصفه الشاب الذي أقصيت عمتها عنه، عاد مع العمّة
ليواجهها قائلاً: «إنه أمر غريب أن لا تتعرفي عليّ» (ص 10).
ولكنك، أجابت العمّة «لا تبدو من أهل هذا الزمان» (ص11) لكن
الرجل أردف قائلاً: هذا صحيح... فقد ولدت في بداية القرن الماضي، ولم أشبع من
الحياة حين غادرتها... وها أنا أعود... وبين الولادتين زمن مبهم،
لا تسعفني الذاكرة بالاستدلال عليه» (ص11). يونس هذا أعاد
العمّة إلى الزمن الماضي. الزمن الذي جسّدته السلطة
البطركية الذكورية للأخ الذي استطاع بما منحه إياه مجتمعه من سلطة وقوة من
تقويض حياة أخته ومصادرتها. لكن يونس لم يكن ليولد من جديد لولا
استحضار العمّة له روائياً.
بهذا الإطار بدت الرواية كفنّ تخييلي إحدى الوسائل
الفنّية التي تقهر الزمن. إذ إن العمّة
باستحضارها ـ وهي على مشارف الخمسين ـ حبيبها الأول وحبها
المحرّم من زمن يفاعها ترجمت معنى أن تكون الكتابة فعل استمرار في الزمن وفعل تحدّ
له وللذاكرة. الكهلة المتّهمة بعدم سلامة قواها العقلية والتي تعيش
خارج الزمن أقحمت نفسها عنوة داخل الزمن الذي لفظها، وذلك
من خلال الكتابة.
العمّة التي
عاشت لابنة أخيها فقط، سرعان ما طرأت عليها تغييرات مع شروعها في
الكتابة. تغييرات لاحظتها حنان وأشارت إليها: صارت ـ أي
العمّة ـ تتأنق قبل الخروج على غير عادتها، وتقف أمام
المرآة أكثر مما كانت تفعل... بل أدهشني أنه تضع الروج ثم تأخذ رشة من
زجاجة العطر التي لا أدري منذ كم من السنين وهي قابعة في أحد
الأدراج دون استخدام... (ص98).
بالكتابة بنت العمّة لنفسها حياة جديدة غير الحياة
التي عاشتها واقتصّت من الذين أساؤوا
إليها وتلاعبوا بمصيرها. بالكتابة جدّدت العمّة الزمن محققة
مقولة أمين معلوف بأن حياة الإنسان لا تبدأ يوم ولادته. رسمت حياتها
كما تريد هي لا كما يريد الغير. منحت نفسها لحبيبها وعاشت حلم
الحبّ.
بهذا جسّد
تداخل الروايتين لدى هدية حسين ترجمة لمقولة الزمن المطلق الذي نحققه بالكتابة. كأن
الكتابة هي فعل التمدّد في الزمن. لذا نرى حنان بعد موت عمّتها
وكأنها تتابع مسيرتها. صارت تشبهها وصارت تسهو عن أشياء
كثيرة مثلها، وتهرب إلى مكتبها الصغير: «أجلس
وراءه... أتناول الدفتر الذي اشتريته قبل يومين، والذي حرصت أن يكون شبيهاً
بدفتر عمّتي... أزرق باهت... أفتحه... أمسك القلم لأكتب... (ص176).
اللعبة
صارت حنان تكتب. وعلى غرار عمّتها، أقحمت حنان نفسها
في زمن جديد لا تدري أوله من آخره:
«أفتح الدفتر مستدرجة كلّ الأوهام والأحلام التي عشتها، وأبدأ الكتابة
مخاطبة عمتي من أول يوم تلقّفتني فيه بين يديها وأنا أنقذف من رحم
أظلم مجهول إلى عالم أكثر جهلاً... ولا أدري... إلى أين
سأنتهي (ص176). تابعت حنان زمن العمّة إذن، بعد أن كانت
العمّة نفسها قد عادت إلى الكتابة وهي على مشارف الخمسين، عندما بدأت
ذاكرتها بالتداعي. وكأننا بالرواية بما تسمح به من تداخل بين
الحقيقي والمتخيّل حسب خطاب هدية حسين نسعف أنفسنا. يصبح
بمقدورنا أن نولد ساعة نشاء وأن نحلم كيفما نشاء وأن نستمرّ
في التقاط خيوط زمنية متعدّدة سواء أكانت حقيقيّة أم متخيّلة، قديمة أم
حديثة. فللرواية تقنياتها التي تسمح بكلّ هذا التلاعب. هذا ما
أكدته هدية حسين من خلال بنيان روايتها ومن خلال سؤال حنان
الموجّه إلى عمتها: هل هناك أشخاص حقيقيون في روايتك؟. فما
كان من العمّة إلا أن أجابت: «ليس تماماً» ثم اضافت قائلة: «بالنسبة
لكِ لم تدخلي الرواية... أخذت بعض طباعك وخلعت على هذه الطباع اسماً لشابة
موظفة... الكاتب كما تعرفين أو لا تعرفين لا ينقل الواقع كما
الصورة الفوتوغرافية المحنّطة. لا بدّ من خيال وإضافات
وربما مبالغات إن اقتضت الضرورة... (ص 93 ).
وبالتقاط خيوط الزمن نغدو قادرين على التمدّد داخل
هذا الأخير، ولا سيما أن الرواية تسمح
لنا بالعيش خارج الزمن وداخله في آن. أوَ لم تسأل العمّة/الكاتبة
بطلها يونس قائلة: «بالله عليك هل تريدني أن أتعامل معك كحقيقة أو
كوهم؟» (ص103).
****
الرأي الأردنية