القصيدة الغائبة
قاسم محمد عبّاس
لستُ
متأكداً من أن معنى ما يخلفه هذا
العنوان سيعين على تجاوز التناقض المباشر بين
القصيدة ككتابة، والغياب بمعناه
اليومي والنفسي؛ لأن التفكير بموضوع خذلان الشعراء
لمأساتهم لا يشير إلاّ إلى انتكاسة
يمرّ بها الشعر العراقي منذ أربع سنوات، فمنذ أن
خرج الكثير من الشعراء عن صمتهم
بعد التاسع من نيسان2003، وصمت قسمهم الآخر،
وافتتحت مئات المطابع، وزال المناخ
الاحتفالي للشعر، وانتقل العنف من قوة إلى أخرى،
وحصول هزّة كبيرة لا مثيل لها في
تاريخ الشعوب، لم يزل المناخ الأدبي في العراق،
ولم يزل عالم الشعر هنا ينتظر
قصيدة غائبة، ويحيا الشعراء تحت هيمنة صمت إبداعي
مفجع، فطالما خلَّفت فينا تواريخ
قريبة وبعيدة صورا لجنود ودبابات تعبر جسور
بغداد،
فمنذ عبورها الأول في التاسع من
نيسان 2003 وهذه الصور تدفع النقاد
والمهووسين بتأثير الشعر والقراء
إلى الإيمان بتشكل إطار لحقيقة شعرية قادمة ستمر
بارتباكات وتحولات لن تنفصل عن
حياتهم سواء كانوا شعراء ام نقاداً ام قراء.
فكرت
يوم عبرت تلك الدبابات احد الجسور
بالصور التي نقلها التلفاز، حيث بدا الجنود كصورة
مطلقة للغزاة وهم يعبرون الكرخ إلى
الرصافة، ومن دون إرادة مني أول ما فكرت به هو
مصير الشعر، واعترف انني شخصيا كنت
أحيا ظرفاً دفعني لتجاهل بقية المصائر إلا مصير
الشعر، كأنني كنت أفكر في مواجهة
قدر لا يقل أهمية عن إنقاذ بلاد بحجم العراق ذاكرة
ووجودا.
ولأنني تجاوزت خطر الكلام عن
مصيرنا الجماعي، ألزمت نفسي بأسئلة عن
الشعر وغيابه، مآلاته، وجوده
أهميته وتأثيره،بوصفه مصيرا لأحلامنا ومخاوفنا
ومستقبلاً لأولادنا وهويتنا. وفي
رأسي عشرات الصور لشعراء ألمان وفرنسيين وانكليز
وروس وغيرهم هؤلاء الذين تعرفت
إليهم عبر قصائد كانت تصور جنودا ودبابات تعبر جسور
مدنهم وقراهم؛ ولأن الإيمان بفكرة
ان فضاء الشعر وحريته يسمح لكل الشعراء، الضالين
منهم والكذبة، المهتدين منهم
والكسبة وسواهم حتى بكتابة قصيدة ما عن هذا العبور،
سواء صفق له أو ندد به، أو بكى على
خطوات اختنقت فوق أسفلته، أقول إن هذا الإيمان
لن يقود إلا إلى انتظار حلم ما،
فانتظرت زمنا آخر هذه القصيدة، أو انني احلم بولادة
جيل من هذه القصيدة، أو يقوم شعراء
على آثار شعريتها، أو قصائد بحجم ما حدث من عبور
فوق جسور ستهدم فيما بعد، فكاتبت
قسما منهم، وتلقيت منهم كلمات، لكن القصيدة لم
تصل، هل يمكن ان نسميها قصيدة
النهر او الجسر المأساويتين، ألا تغوي تلك الجسور
الشعراء لكتابة رثاء عابر؟ إلا
يغريهم جسر مثل الصرافية للنظر في روح النهر
وذاكرته، في الحديد والتاريخ؟ تصل
القصائد، قصائد أخرى اعني إلا تلك المنتظرة،
انتظر بنفس حالم ان يخرج من أفواه
الشعراء هنا، أو شعراء هناك شذرات ثمينة عن جسر
قتيل عبره الجنود، عبرته دبابات في
ظهيرة ما، انتظر بيأس أحيانا حتى لو تفاصيل من
حجر جامد عن جسر مخنوق ببغداد.
أفكر وأنا انتظر بقصيدة عن جسر
بغدادي له قيمة
رمزية في زمنين مختلفين كل زمان كان الجسر
قبرا لعابريه.
انتظر قصيدة تبعد كل
الاستمالات التي حدثت منذ سقوط
تمثال من حجر في ساحة لا ادري لم سميت بالفردوس، منذ
انطفاء عالم وولادة آخر، منذ وقائع
جرت في نيسان المشهور، فظهرت صور للشعر منبرية
وماتت، وبرزت أصوات تنظم كلاما
غريبا وصمتت، وظهر شبان جدد يدعون الشعر وهم بلا
قصائد، برزت ظواهر طارئة وامحت،
بانتظار صوت ما قصيدة ما تحملنا كل هذا التشويه في
اللغة والتفكير، قصيدة ما اسميها
بداية لتاريخ من الذبح والموت والقهر والتهجير
والحرق والإبادة،لن يبدو هذا النظر
حنينا إلى غليان السبعينيات والثمانينيات
الشعريين، تلك الغليانات التي خلفت
لنا مشاهد من شعر، وأصواتاً وأجيالاً ومدارس
قالت ان الشعر ظل الحياة، فلنحلم
بالظل الذي سيقودنا إلى الحياة،وتنبأت بقصيدة ما
ستبقى غائبة لها القدرة على إقامة
حضارة الحياة ومصائرها من بين الحرائق،الحياة
التي تأتي من بغداد حتى لو غرقت في
الظلام.
الم يكن لكل ذبح قصيدته؟ الم يكن
لكل
انهيار قصيدته؟ أليس الشعراء جماعة من
الملائكة؟ أليس الشعراء بمنأى عن العقم واقرب
للغواية؟، قد يشبه هذا الكلام حلما
ما بانتظار قصيدة غائبة لا علاقة لها بالمِلل
والطوائف والأديان والأعراق، لا
علاقة لها بالمنفى أو بالداخل، ما أفكر به قصيدة ما
لم تزل غائبة ستكون حجرا لزاوية
آلامنا القادمة، وإذا كنت قد فهمت شيئا عن تاريخ
وولادة وتحولات الشعر في العراق،
وتلمست بنية الشروط الشعرية والتاريخية التي تقود
إلى قدرة الشعر على إعادة الحياة
إلى جسر عبره الغزاة، أو لامست أسفلته سرفات
الدبابات، سيبدو لي أن انتظار
قصيدة أملُ، وخلاص، ونهاية، سيبدو لكم ان قصيدة كهذه
ستقدم معنى عن الإيمان بالبلاد
وبالشعر؛ لأنها ليست قصيدة وحسب وإنما كتاب تضحياتنا
ولعنتنا وأرواحنا وظلام حدائقنا،
وأجسادنا المدمرة، سيبدو للشعراء إنها بديل عن
خوفهم يجيء على شكل قصيدة غابت،
ستبدو للقراء انها بديل عن موتنا البائس، ولن يكون
مهما من سيكتبها، وليس مهما ان
تكون مقاطعها مضرجة بالدم، او بعض صورها ممزقة
بالجروح،لن يكون مهما هوية كاتبها،
لن تكون صورته او صورتها مهمة؛ لأنها القصيدة
الحقيقة الفياضة الصاعقة، الساخرة
من الذباحين والقتلة، هي وحدها التي تعلن عن
حياتنا وشوارعنا ومتاحفنا، هي
وحدها ستصرخ اننا حتى لو ذبحنا وجودا، لن نموت أبداً
معرفيا، هل تبدو تكشفات هائمة ظلال
انتظار مثل هذا، هل تبدو مبالغة ان نحلم بها،
حتى لو تناثر الشعراء أينما كانوا
فهم في بيوتهم صامتون، في منافيهم، شعراء عمود
كانوا، ام شعراء تفعيلة، ام شعراء
قصيدة نثر، مداحين او هجائين، مؤيدين او معارضين،
من أي حزب كانوا، من أي عقيدة،
فجميعهم مسؤول عن دم هذه القصيدة ودمنا، فهم الشهود
على ان الأرض تلد وجودا بعد موتنا
هم فحسب المعزون بموت الجسور والأنهار مجازا
وحقيقة، انها القصيدة وهم الشعراء
هي وهم سابقون في وعينا، كامنون في وجودنا، احلم
مع انتظار كهذا ان اصرخ بوجه
الشعراء الذين يقترحون استبدال القصيدة بالدموع، او
اصرخ في وجه شعراء آخرين يتشفون
بأقرانهم، او في وجه اقرانهم الذين يندبون ماضيهم،
هل يجدي الصراخ في وجه من يترك
البلاد بلا قصيدة، فالحالمون يؤمنون ان الشعراء
أبناء كل الأزمنة،أبناء عصيون
زرعتهم السماء في ذروة الجمال، فمن منهم لن يعد روحه
وحروفه لقصيدة تغيب عن جسر ببغداد
عبره الجنود؟
هل يؤمن الشاعر في هذه الأيام
الحافلة بالموت الغامض والأقدار
العجيبة ان قصيدة واحدة من اجل بغداد، ستكون نشيدا
عن نبتة على ضفة النهر، او وروحا
مدونة عن طفل ذبيح، او أب قتيل، ذكرى لبيت مهدم،
هل يؤمن انه يكتب تاريخا عن جنود
ودبابات عبروا الجسر من الكرخ إلى
الرصافة.
******