كاظم جهاد وعالم رامبو
عباس بيضون
عمل كاظم جهاد على
الآثار الشعرية لرامبو ولا أقول ترجمته فحسب حدث بكل معنى الكلمة
في ثقافتنا.
قبل هذا العمل كان كاظم جهاد نشر في عام واحد
بالفرنسية والعربية أربعة كتب لم يكن أي
منها قليل الأهمية، ترجمته لأشعار ريلكه الفرنسية ديوانه معمار البراءة،
مجلده عن الرواية العربية المعاصرة، أطروحته عن الترجمة المعنونة
«حصة الغريب» ويروق لي أن أترجم
العنوان «حظ الغريب» أو «نصيب الغريب». لم تكن هذه الكتب ابنة
هذا العام فديوانه «معمار البراءة» هو الثاني في عمل شعري متواتر
من بواكير شبابه، وكتابه عن الرواية العربية جهد سنوات، أما
أطروحته عن الترجمة، وهي في الأصل أضخم، فتنتظر منذ سنين أن
تعد للنشر، وليست ترجمة ريلكه ـ كما أعتقد ـ من حواضر العام،
إنه جهد سنين تمخض في عام واحد. إلا أنه من الناحية الأخرى جبار،
إذ أن كاتب «الرواية العربية المعاصرة»
قام من مقره الباريسي بمسح شامل للرواية المعاصرة إذ
قلما نجد رواية عربية لم تحظ بقراءة لماحة. يوازن كاظم بين التاريخ
والنقد في كتابه، وهو في الأول أكاديمي مدقق وفي الثاني
شاعر بارق الحدس يخطف الملاحظة ويمتشقها. أما «حظ الغريب»
فهو كتاب باهر بكل معنى الكلمة.
إنه مكتبة في كتاب،
وهو يطرح الترجمة كسؤال على علم النفس وعلم اللغة والأنتروبولوجيا
والفلسفة والإيديولوجيا كما يبني «شعرية» خاصة بالترجمة،
قبل أن يتقصى تاريخها في الثقافة العربية منذ العصر العباسي
إلى أيامنا ويقوم بتحليل بالغ التكثيف والحساسية والتبحر
اللغوي لترجمات للوركا، وفاليري ورامبو والإلياذة ولشكسبير وهولدرلين وريلكه وبيرس
وبونغوا الى العربية، وهذه ترجمات حقق بعضها جبرا إبراهيم جبرا،
وسعدي يوسف وفؤاد رفقه وأدونيس. الأطروحة بناء نظري ونقدي
من طراز عال، ومن الأكيد أنه كما كتاب كاظم عن الرواية
المعاصرة يروي ويشفي الغليل إذ إننا أمام مؤلف يؤثر التبحر والإحاطة
وقلما يترك لقارئه فسحة من فراغ أو سؤالاً معلقاً. في شعره يوازن
كاظم بلغة ناصعة ذات متانة كامنة واقتصاد وإيحاء مضغوط بين
التجربة والخيال وبين النثر والشعر وبين الغناء والسرد.
وبعد ترجمة إسبريو ودانتي وجان جينيه وريلكه الفرنسي، وهوذا رامبو.
عمل يتوزع بين البحث والإبداع والترجمة وإذا أخذنا
بما كان يعتبره نوفاليس من أن الشاعر
أجنبي لغته وأنه مترجم، وإذا فهمنا الترجمة تثاقفاً أمكن لنا أن نعتبر
الترجمة كل ذلك مجتمعاً. إذا علمنا أن ما بين أيدينا هو ثمرة لقاء
الشاعر العراقي الشاب الواعد للغاية، الذي جاء من قلب
العربية إلى باريس، باللغة الفرنسية والتوغل فيها طوال عقود
والنفاذ منها الى لغات أوروبية أخرى. إذا علمنا ذلك فهمنا أن ما بين
أيدينا من بحث وإبداع ونقل يمكن أن يتخذ من الترجمة عنواناً. بل
فهمنا أن ما بين أيدينا عمل شاعر كما هو عمل مترجم، وأن هذه
الرحلة في أعماق ثقافات ولغات هي أيضاً عمل الشاعر وعمل
المترجم، وأن الباحث والبحث هما من كنوز الرحلة وثمراتها، بل هما
أحياناً جغرافيتها وروايتها.
طال الأمد على «حظ الغريب» أو حصة الغريب حتى جهز
للنشر، أما ترجمة رامبو فليست هذه طبعتها الأولى، نقول كتاب رامبو
لأن ما فيه يتعدى الترجمة بكثير. ونقول إن هذه ليست طبعته
الأولى فهل هي ببساطة طبعته الثانية وهل تستحق طبعة ثانية
أن تعتبر حدثاً. ليست مجرد طبعة ثانية فهي وإن أتت ثانية إلا أنها
الأصل الذي سنعتمده في كتاب لا لزوم لأن نقول إنه من لحظة ظهوره
بات مرجعاً. إنها الأصل لأن الطبعة الأولى بروفا بالنسبة
لها ولأنها ما اعتدنا أن نسميه في المسرح «ما
قبل الأولى»، لقد أطلقت الطبعة الأولى رامبو أما الثانية فجمعت كل تجربة
القراءة والفهم والردود خلال سنوات، وأعادت إدماجها في الكتاب
الثاني، أي أن الطبعة الأولى كانت في حقيقة الأمر اختباراً
وسبراً والنتيجة هي الكتاب الثاني. أقول ذلك عن علم فأنا من
الذين راقبوا هذه التجربة ورافقوها، وعن علم أقول إن هذه الطبعة
جديدة بهذا المعنى وأن عبارة «منقحة مزيدة» لا تفي بالغرض، وكلمة
«جديدة» أصح وأوفى. الكتاب حدث لهذا السبب أيضاً. إذ قلما
يتاح لمؤلَّف أن يكتنز من تجربة قراءته وأن يعود وقد استوى
ونضج بهذا الاكتناز. قلما يتاح لكتاب أن يعرض لقراءة لاحقة
وأن يتوسع ويغتني بهذه القراءة وأن يعود بهذا التوسع والاغتناء.
مَن يقرأ
القسم الثاني من «حظ الغريب» وهو القسم التطبيقي لا يستطيع أن يلحق كاظم جهاد وهو
يتناول ترجمات طالما اعتبرت وافية كترجمات جبرا إبراهيم جبرا وفؤاد
رفقة وأدونيس وسعدي يوسف. إنه عمل نخل وتنقيب لكنه أيضاً
عمل تفكيك مدهش، تفكيك العبارة الى نحوها وصرفها ومجازها
وظرفها وتاريخها وفضائها الدلالي. عمل صناع تقني وحرفي لكنه
أيضاً ذا نفاذ حدسي مبتكر، بل نحن أمام نموذج يحتذى في التناول النقدي، وقلما حظيت
بالعربية بعين بمثل هذه الحساسية والنفاذ. لكن من يقرأ هذا القسم
الصارم يشفق على المترجمين من أن يترجموا، بل يكاد يشفق على
كاظم جهاد نفسه من أن يترجم. إذ إن ناقداً بمثل هذه الآلة
الترمومترية وبمثل هذا الورع وبمثل هذا العلم باللغة بل
باللغتين، قد يصل به ورعه ودقته الى حد الصمت. لكن كاظم جهاد ليس الناقد والباحث
فحسب إنه أيضاً الشاعر. وإذا كان البحث يمسك فالشعر اقتحام، والشعر
لا يبدأ من منطقة أقل يأساً لكنه مع ذلك يعمل ورغم كل حرصه
يجازف، لأن صنيعه مراودة المستحيل أو لأن الابتكار دمه
وعذابه في آن معاً. وإذا نقل كاظم جهاد عن دريدا «معجزة
الترجمة» فإننا نضيف الى هذه المعجزة «معجزة الشعر» والأرجح أنهما من نفس المعدن،
مع ذلك يمكننا أن نفهم عذاب كاظم جهاد في الترجمة، إنه يهاجم لكن
بكل هذا الحرص والورع والتحري التي تدعوه الى التراجع. إنه
بكل هذا التمحيص والتأني يستسلم الى حدسه ويبتكر، يخترع
إيقاعات وأشكالاً موازية، يجترح صيغاً، يعمل على نظائر بين
لغتين شديدتي الاختلاف. يقيم بينهما تراسلاً وتبادلات، يتناول نصاً ذا طبقات في
لغته وازدواجات وإيعازات متفارقة، ويحاول أن يجد معادلاً لكل ذلك
في لغة أخرى وأن يجد عبارة ذات طبقات وازدواجات. إنه عذاب
بالتأكيد لكن كاظم جهاد في القسم النظري من «حظ الغريب» لا
يزال يشير إلى أن الترجمة قد تكون عملاً مأسوياً. وأنها لا تجري
على مثال وليس لها غرار معلوم يمكن
قياسها عليه. وأنها جائزة بالفعل لا بالحق
أحياناً. وأن المترجمين يخرجون من الترجمة الى النكسة العصبية
والخيبة، ويكفينا أن المترجم يستنفذ ذاته في النص المترجم
بدون أن تكون له ذات فيها، ومن دون أن يدل عليه شيء، يكفينا
أن الترجمة كما يقرر دريدا ليست حياة ولا موتاً للنص وليست أكثر
من مساعدة له على أن يداوم على الحياة. كل هذا وجميعه مقتبس من
القسم النظري من «حظ الغريب»، نراه ماثلاً في مجازفة كترجمة
رامبو كاملاً، ومن شخص له هذا الوعي الذي لا نشكك، في
استعاره من لوكاش، في أنه وعي شقي.
لكن كاظم جهاد يعمل، بكل هذه
الموازين الدقيقة يعمل ولا يوقفه الشقاء عن العمل، ونحن نحثه على
أن يعمل لأننا نريد رامبو في مكتبنا العربية ومن شخص له هذه
الموازين، نريد رامبو كاملاً ونريده تحفة ولا نرضى بأقل من
ذلك لنا وله. والحق أن كاظم جهاد مجنون كمال، لقد قرأ لا
نتاج رامبو ولكن الأدب الرامبوي كله، أي كل هذه الأعمال والشروحات والنقد الذي دار
حول رامبو، وما الآثار الشعرية الذي بين أيدينا سوى حصيلة ذلك كله
وخلاصته، فأنت في كتاب كاظم جهاد لا تقرأ رامبو ولكن تقرأ
كل القراءات الممكنة عن رامبو، كل التفاسير والشروحات لشاعر
لم يبق سطر منه لم يشرح، تقرأ رامبو في الثقافة الفرنسية، أي أنك
تقرأ رامبو أمس واليوم، وتقرأ مع ذلك خلاصة للمكتبة الرامبوية.
ما فعله كاظم
جهاد في مقدمته الضافية خدمة من هذا النوع. إنه يمسك القارئ العربي
من يده ويدخله بالتدريج الى العالم الرامبوي، أما الحواشي
فهي معرض للشروحات والتعليقات والتأويلات المتعددة للعبارة
الرامبوية، بل هي معرض لفرز طبقات وازدواجات النص الرامبوي،
لتاريخيته وتمثله للظرف واستدخاله لسيرة الشاعر وتحويراته لأشعار الآخرين
وانتحالاته النقدية، هذه الحواشي هي ذيل نقدي بكل معنى الكلمة،
معها نفهم تركيبية النص الرامبوي وقدرة العبارة الرامبوية
على إدماج عناصر شتى من ظرف وسيرة وقراءة، فهذا الموران
بمعان وأغراض عدة هو ما يعطي النص الرامبوي ديناميته وتوتره، وهذا
بالضبط ما خفي غالباً على قرائه العرب الذين شاؤوا قراءة أحادية
له، ثم أن الحواشي تفصح قليلاً أو كثيراً عن عذاب الترجمة،
إنها تقدم نماذج عدة عن سعي الترجمة لتقبض على توتر النص
وعلى تذبذبه الدلالي وعلى ازدواجه وحضوره المعلق، لقد كان رامبو
مترجماً كبيراً في نصوصه التي تروس مستدعيات شتى وتبؤرها في
العبارة نفسها، لتبدو هذه بوتقة تثاقف وتفاعل. هذا يلقي على
الترجمة امتحاناً صعباً عاناه كاظم خطوة خطوة. وهذه هي
ترجمته عامرة بكل هذه المعاناة وكل ذلك الوعي، لقد وضع كاظم شيئاً
كثيراً من ذاته ليكون النص عربياً ناصعاً لكنه يبقى مع ذلك ، كما
هو،أجنبياً وغريباً عن وعينا ولغتنا، فيما هذه الأجنبية هي
أيضاً فرادته وغربته وكيانه الخاص.
إنه حدث بالتأكيد، رامبو الآن بدون شك في مكتبتنا،
سيكون علينا هذه المرة أن نقرأه بعد أن
خلنا أننا فرغنا منه، قراءته ستدلنا الى أننا تعرفنا على قزم رومنطيقي
أو شبح انتحاري ولم نتعرف على الذي تكلم عن شعر موضوعي وسخر من
ذاتوية الشعراء.
******
السفير الثقاقي