(غزالة الصبا) بين نصوص القراءة ونصوص الكتابة

                         حسن السلمان

 

يصنف الناقد والمنظّر الفرنسي المعروف (رولان بارت) الاعمال الادبية الى فئتين، وهما:           (نصوص الكتابة ونصوص القراءة) فيصف الاولى بأنها:(نصوص متعددة الدلالة..مفتوحة بلاقيود) بينما نصوص القراءة( نصوص يمكن قراءتها، او حل شفراتها وفقاً لضوابط ومواصفات..بالاضافة الى انها نصوص متكيفة، وتتسم بالحد الادنى من التعدد الدلالي). وبناء على ماتقدم يمكننا القول بأن المنطق الشعري لنصوص الكتابة هو (منطق تحويلي) يمتاز بالمرونة العالية والكفاءة التأويلية الفاعلة لقراءة النصوص، فبحسب هذا المنطق، وعلى حد تعبير المفكر (علي حرب): (يجري التعامل مع الحقيقة لا كمماهاة مع الواقع او انعكاساً له- او تمثيلاً محدوداً- بل عبر الخلق والتشكل او القدرة على التغيير) وهو مايجعل من هكذا نصوص، نصوصاً ذات قدرة انتاجية على التعدد الدلالي، والخيارات في التعامل مع النصوص قرائياً بوصفها- أي نصوص الكتابة- نشاطاً فكرياً وجمالياً ذا آفاق مفتوحة تسمح بالمساهمة الفعالة لادامة زخم المعنى وتعدديته.

بينما نجد ان المنطق الشعري لنصوص القراءة منطقاً صورياً وفي افضل الاحوال  ذي طبيعة محدودة الدلالة يقوم على مبدأ المحاكاة في مستواها الادنى واحياناً على مبدأ التطابق والمماهاة مع الواقعة، او الحقيقة ممايجعل من هكذا نصوص نصوصاً للاستهلاك تتماهى مع (الاصول) وتتناغم مع تفاصيلها كتحصيل حاصل لمثال او نسق اعلى  او لغرض ايديولوجي بعينه مما يجعل النص بوصفه علامة تتمثل في دال مقيد بمدلول محدد لتفقد العلامة خاصيتي الاختلاف والارجاء وتصبح مجرد ايقونة، او تنخرط ضمن سياق وضعي لايمنحها القدرة على المناورة والتشكيل الحر لمعنى قيد الانجاز. وهكذا تغدو اللغة في نصوص القراءة، لغة منطوقة: ( لغة على غرار الواقع، او لغة بوصفها مؤسسة تطمس نفسها، من اجل ان تخلي مكانها للمعنى الذي تنقله) بينما نجد ان لغة نصوص الكتابة هي (لغة ناطقة)(لغة تخلق نفسها في افعالها التعبيرية، فهي تجرف المرء من العلامات اولاً، وافساح المجال ثانياً لمشاركة المتلقي في عملية انتاج النص). كما يتعامل نص الكتابة مع الواقع من زوايا مختلفة خلافاً لنص القراءة الذي يركز على جانب محدد ليقع في حالة من التجريد اذا ما استعرنا مقولة (هيغل) الذي يقول في هذا الشأن:( ان التركيز على جانب واحد من جوانب الواقع الحي المتعدد الزوايا يقود الى التجريد) وبالتالي الوقوع في فخ الانا المتعالية وفق منظور ظاهراتي ذاتوي النزعة. كما ان خطاب نص الكتابة، خطاب غير مباشر بأمتياز بينما يتجه خطاب نص القراءة الى المباشرة لسهولة ادراك شفرات المعنى وقراءتها بأقل جهد ممكن. في مجموعة( غزالة الصبا) للشاعر كاظم الحجاج تتراوح نصوص هذا العمل مابين نصوص الكتابة ونصوص القراءة مع ارجحية واضحة لهيمنة نصوص القراءة بفعل هيمنة الخطاب كمتن ايديولوجي يساري النزعة على الجانب الجمالي. فهناك الكثير من النصوص التي تتسم بأستباقية كشف الدلالة عبر النتائج التي تتضمن مقدماتها سلفاً او الاسئلة المتضمنة اجوبتها، حيث يقوم الشاعر بتقديم النتيجة او الجواب على المقدمة او السؤال الشعري كما في نص (تعكير) اذ يقول:

ما اسهل ان يلقى حجر في الماء

ليشوه وجه البدر. (ص/5)

ان هذا النص يكشف على اكمل وجه ما ذهبنا اليه حول المنطق الشعري لنص القراءة، فعلاوة على العنونة (تعكير) التي تمنح مفتاح فك شفرات النص مقدماً، لانجد مسافة توتر وافيه تجعل من المتن منطقة حرة لتشغيل آليات التأويل لاضافة خطابات جديدة او فتح ابعاد المعنى على مديات ارحب. فمن البديهي ان تتشوه الاشياء في حالة مقابلتها بنقائضها على الرغم من وجود انزياح لغوي يتمثل في عبارة (وجه البدر). وكذلك في النص الذي يقول فيه:

الرسام

همَّ بتخطيط قفص

الطيور

هربت الى لوحة أخرى (ص/55)

في هذا النص لا وجود لأي كسر لتوقع القارئ في مجمل القراءة العام او احباط انساقه الثقافية، فالطيور بديهياً ترمز للحرية والاقفاص للعبودية ومن الطبيعي ان يكون الحل هو الهروب. وما دمنا في سياق التوقع وكسر التوقع نستعرض نص (الفجر) حيث يقول:

مالم تعتاد الطيور اعشاشها

مالم يخرج الفلاحون والرعاة الى الحقول

..............................

مالم يحدث كل ذلك في كل يوم

فأن صياح الديك وحدهُ

لن يصنع فجراً جديداً.

ونحن نذهب مع الشاعر (مستهلكين) مايقوله لانه بغير الفعل والحركة الملموسة لن يحدث شيء، كما نذهب بذات السلبية مع نصه الذي يقول فيه:

اجمل بيت فوق الارض

التفاح

لولا ان الساكن دود  (ص/8).

هنا لاتعليق لدينا فالنص محكم، والمعنى منجز، وصوت الشاعر هو الطاغي وهو من يقرر بشكل متواتر كيف تصير الاشياء وعلى المتلقي استقبال مايقوله كما لو انه طبخة جاهزة. ان هذه النصوص تذكرنا بـ (لوحة الخيول الصينية) التي ذكرها (جيل دولوز) في كتابه (ما الفلسفة) حيث لاتوجد في خلفية هذه اللوحة أي ثغرة او فجوة تسمح بنفاذ هواء التغيير والانزياح الفعال واجتراح امكانات لاثراء فضاء نص اللوحة وتفعيل دلالاتها. ان الاحكام والتطابق والمماهاة وهيمنة الصوت الاحادي هو ماحدا بالناقد الروسي (ميخائيل باختين) الى اقصاء (الشاعر) من جمهوريته الحوارية تحت ذريعة احادية الصوت وطبيعة اللغة التي تفتقر للبنية الحوارية، مستثنياً الاشكال الشعرية ذات الطابع البارودي/ الكرنفالي، التي تكفل للشاعر الافلات من قبضة الاحكام والتمركز ومهيمنات المؤسسة عبر اسقاطاتها الخطابية القارّة سواء كانت ذاتية ام موضوعية. ان النصوص ذات الطابع الحواري تناظر بالضرورة نصوص الكتابة لتمتع الاخيرة ببنية تعددية ومجال دلالي مفتوح على اكثر من قراءة وتـأويل دون الخضوع لسياق زمني محدد او خطاب بعينه.

في (غزالة الصبا) حاول (الحجاج) الخروج من هذه الدائرة الضيقة من خلال اشتغاله على قصيدة السيناريو والحكاية والحوار الممسرح كما في نص (حكاية العبد) ونص (لقاء) وغيرها من النصوص التي تخلص فيها من هيمنة الجنس الواحد عبر توليفة اجناسية نجح من خلالها الى حد ما في تقديم نصوص مؤثرة ذات نزعة نقدية ساخرة لجملة من الظواهر المضادة للوجود الانساني كما ينبغي ان يوجد. ان اسلوب (الحجاج) الشعري هو اسلوب درامي بأمتياز نظراً لهيمنة النبرة الغنائية على الاداء وتلون فضاء النصوص بمسحة من الشبوب العاطفي المدعوم بالايقاعات والانفعالات الوجدانية العنيفة الناجمة عن صراعات وتجاذبات مريرة بين قوى الشر وتطلعات الانسان لتبوأ مركز يليق بمكانته ككائن يتميز عن سائر الموجودات بوصفه قيمة عليا لها من القدرة مايمكنها من تأثيث الوجود بمستلزمات الحياة الكريمة الحرة اعتماداً على ملكة العقل والتدبر والسيطرة على الغرائز والارادات التي من الممكن ان تتحول بدورها الى قوى شريرة عندما تصبح بلا ضوابط  واولويات.

ومما اعلى من شأن النبرة الغنائية والمستوى العاطفي توافر المجموعة على بعض نصوص التفعيلة واستخدام المفردات ذات الجرس العالي وتوظيف الموروث الشعبي الى جانب اليومي المتداول واعتماد المفارقة الدالة الساخرة بشكل ملحوظ وبافراط ،الا ان ذلك جاء على حساب المستوى التأملي/ الفكري الذي يستدعي بالضرورة ايقاعاً هادئاً ونبرة معتدلة وصوراً ذات بعد دلالي عميق واشتغال على آليات تنعطف بالمتلقي نحو استبصار ماهو متوارٍ من جبل الجليد بوصفه مسكوتاً عنه او مضمراً بحاجة لمن يجعله مطروحاً على طاولة القراءة لغرض اعادة انتاجه، ومنحه تأشيرة مرور تأويلية غير محددة بسقف زمني او دلالة اخيرة وذلك عبر لغة اجرائية قابلة للتجدد والحوار والمناورة (تعمل على كشف التجربة الانسانية المطمورة تحت ركام الحياة العادية) بعيداً عن تلك (اللغة الاداتية) التي لاتعمل سوى على تعيين الاشياء وتنميطها ومناقلتها دون ان يطرأ أي تغيير على طبيعة تلك الاشياء. كما ينبغي ايجاد نوع من التوازن مابين (الوضعية التعبيرية) و (الوضعية التجريبية) تلافياً للسقوط في (العادي) عند هيمنة الوضعية التجريبية وتلافي النزعة المتعالية في حالة هيمنة الوضعية التعبيرية.

 ****

دفاتر