الشخصية العراقية
د.عقيل مهدي يوسف
من
حق أي انسان ان يشرح شخصيته
"الوطنية" فيما يراه من جوانب مضيئة او معتمة فيها ولا
يمكن –مثلاً- في تطلبنا الى النظرة
المركبة، التي تتفاعل فيها عوامل متداخلة، ان
تغض التطرف عن النظرة التخصصية،
سواء كانت اجتماعية، او سايكوجية (نفسانية) او
ثقافية، او تاريخية وسوى ذلك.
صحيح،هناك من يسير في طريق مغايرة
"للمنهجية"
التاريخية التي يزعمها، وتراه يثبت
الوقائع، دون مسوغ علمي، لكي يلتقط شرور البشرية
جمعاء، ويودعها في صندوقه الخاص،
فيدمغ مواطنية بأشنع الصفات، واحقرها.
فتستحيل
لديه واقعة من فجر السلالات، فيها
قساوة لكي يثبت من خلالها "وبوساطتها، بان
"العراقي" جبل من طين، تتشكل منه
"الديكتاتورية" منذ ان دب على هذه الارض! ولا يعدم
أي مطلع على حيثيات التاريخ، من
مسوغات مماثلة لدى الشعوب جمعاء، من صراع الخير
والشر، وتناصر الناس من اجل البقاء.
الم تقم حضارات قديمة، وحديثة، بما
يخجل
الضمير الانساني، من ممارسات التقتيل،
والتعذيب، والتصفية، تجاه الحضارات الاخرى،
او تجاه ابناء شعوبها نفسها؟!
لو كانت الحقائق (خارج التاريخ)
كما يمكن ان يثبت
بعض الدعاة، وهم يوهمونا بتاريخيتهم
المهنجية المزعومة، والزائفة لبات بمقدور أي
كان، ان ينتقي، بتلفيقية مقصودة،
الكثير من الشواهد لاثبات هذا الجانب، او دحض ذلك
الجانب للظاهرة الواحدة، دون ربطها
بالضرورات التاريخية والمرحلية ممكن ان تكون
ثورة عبد الكريم قاسم -على سبيل
المثال-تحريراً للشعب العراقي، او يمكن ان تكون
انقلاباً أضرّ بالنسيج الاخلاقي
القيمي، والحضاري للشعب نفسه، ولكل باحث الحق في
الدفاع عن اطروحته الخاصة.
ونحن بالتأكيد نعجب، ونفخر بما
يأتي به الدارسون من
وجهات نظر تخدم واقعنا الراهن، او
نعجب من كيفية اصطفاف وقائع نسقية في تاريخنا
الوطني، تدلنا على شفرات سرية في
طبيعة الكائن العراقي، تتحكم فيه، وتجعله هكذا،
عرضة للتآمر الوحشي، من قبل حكامه،
او الحكام المجاورين لحدوده ولولا طبيعته
الذاتية الخاصة، القابلة لتفريخ
الطغاة، والمستبدين، لما حدث الذي حدث له عبر
التاريخ كما يزعمون!!
هذا المنطق يشوبه الوهن، والتفكك..
لان تاريخ البشرية،
يخضع "لثنائيات" من هذا الاختزال،
مرة يكون "طبقياً "بين مستغِل ومستغَل، واخرى
يكون بين العقل واللاشعور، وثالثة
بين تنمطيات كبرى كالتي عند "يونج" عند الفردي
والجمعي، او حتى "ثقافيا" مثلما
تحدث عنها بثقة راسخة "فورثرب فراي" عن الذهبي
والنحاسي، او المأساوي والكوميدي،
وانتهاءً بكاتبنا المعروف "علي الوردي" الذي توقف
فيها عند "ازدواجية" الشخصية
العراقية" ولو التفتنا الى الشعوب، لبطل العجب عن هذا
الذي يخضنا نحن العراقيين، لاننا
لسنا بدعة بين ابناء الامة العربية، او الاسلامية،
او بين ابناء الانسانية التي تبعد
او تقترب من حدودنا التاريخية، او الجغرافية، او
السياسية، او النفسية حتى ان
"فولتير" المتنور الشهير –مثلاً- وصف شعبه الفرنسي
الذي ذبح نبلاءه "هو ابغض الشعوب
الى النفوس" كما يقول، والذي يشبه "حرباء تتلون
بجميع الالوان، ويستطيع ان يقوم
بكل ما يمكن ان يفرضه عليه، أي "زعيم" من خير او
شر".
هل ان ثناية الطغيان والتسلط
-مثلا-واحتقار حرية الانسان او تلطيف الجرائم
القذرة، بحجج ثورية، وتقدمية ، هل
هذه الثنائيات دفعت (شاتوبريان) الفرنسي ايضاً،
الى توصيف نفسه، بقوله: "كنت اغالي
لدى (الملكيين) في حب الحرية، ولدى (الثوريين)
كنت اغالي في احتقار الجرائم كان
شاتوبريان، يقاتل على جبهتين، غطرسة النبلاء،
والعدوانية الشعبية.
وقد خبر العراقيون، اصنافاً من
غطرسة "الحكام" وعدوانية
الشعب، مثلهم، مثل الفرنسيين
والالمان، والايطاليين، والاسبان، والروس، والصينين،
واليابانيين، والاتراك وسواهم.
وقد تختفي الوجوه، وراء اقنعة
الحضارة،
والانسانية، والعدالة، والديمقراطية، لان
"الحقيقة لا تقال كاملة طبعاً، فلا بد من
مراعاة الآذان العفيفة".
لن يوصلنا جلد الذات الى تحقيق
اهدفنا في صنع السلام
للشعب وتأمين مستقبلنا، واسترداد
ثرواتنا، والتاكيد من هويتنا الوطنية، الشاملة،
المؤطرة للوحدات الفرعية، والمكرسة
لانسانية المواطن، الحر، التقدمي،
المتحضر.
والازمة القائمة لابد ان يفككها،
ويصرّف اختناقاتها، فكر سياسي- ثقافي،
جديد، ومركب في بؤرة الماضي
العتيق، فالشخصية العراقية، هي شخصية انسانية تقلق،
وتعاني، لكنها تناضل، وتخرج من
قيودها التي لصقت بجلدها في فترة من فترات التاريخ
المنسلخة، وستحاول ان تعالج
الندوب، ببلسم المستقبل، وستنظر الى تاريخية متحركة،
تصنع تضاريس دوربها، بلا وصفية
عتيقة تتماهى مع تاريخ قد توارى وراء ظهرانيها، بل
تبتكر تاريخاً جديداً ايضاً.
***
المدى