سراة البلاغة الثلاث من الإعجاز القرآني إلي ثورة مستغانمي
سرد ينعش القارئ لكن ماركيز فتح كوة في جدار الرئاسة
محمود سعيد
في مقابلة تلفزيونية في تلفزيون الشارقة، آواخر التسعينات، جمعتني مع أستاذ تونسي فوجئت
بطرح موضوع اختلافِ أدب المشارقة العربي المعاصر عن أدب المغاربة، ودار النقاش حول نقاط
بائسة، احتقرت نفسي بعدئذ لأني شاركت فيها، ثم أُقحِم اسم الأديبة أحلام مستغانمي من
دون تمهيد، ثم فوجئت بها تشاركنا بالهاتف في المقابلة، وكنت أريد أن أقول رأيي بصراحة
في نتاج أحلام، فقد كان هناك تناقضٌ كبير بين شقين رئيسين عندها: سموٌ رفيعٌ معجزٌ لا
يباري في سرد، ذلِق خلاب، يسِمُ رواياتها كلها، يتوازي مع تواضع لا تحمدُ عليه في فن
الرواية. أردت أن أبدي هذا الرأي وأشرح مقاصده، فبعد القرآن الكريم الذي بثّق شلالاً هائلا من معجزات بلاغية حيرّت
السامع، وأذهلته، وسحرته، جاء دور مجموعة من عباقرة الشعراء، والخطباء، والكتاب،
تتالوا في حلقات مترابطة، ليصل السمو البلاغي الرفيع قمته علي يد المتنبي الذي ملأ
الدنيا وشغل الناس، وليقف وحيداً يشار إليه حصراً كمنبع بلاغي متدفق لا يباري في غزارته.
بعد أفول نجم المتنبي خلت الساحة من المحيط إلي الخليج من بليغ يسدّ تلك الثغرة
الواسعة، طيلة أكثر من تسعة قرون طويلة بائسة عجفاء. حتي سطع نجمُ أحلام مستغانمي. ففي
رواياتها الثلاث التي قرأتُ سرد رفيع متدفق يتجاوز معاصريها كلهم، ويجعلها نداً للمتنبي
وحده، لا يدانيها أحدٌ، في غزارة وقوة تعبيرات بلاغية فائقة سامقة.
في المقابلة التلفزيونية تلك، أردت أن أقول هذا مع الشق الثاني حول تواضع الفن الروائي
عندها. لكن مقدم البرنامج الملتوي، ولأسباب ما زلت أجهلها، حرف النقاش وأثار أشياء
سطحية، وكان قد اتفق مع مجموعة من الأميين، والسطحيين، ، فتدخلوا ورفعوا وكبسوا وأسقطوا
كلمات وآراء "كما يفعل لاعبو كرة الطائرة"، وخلقوا فوضي عارمة، جعلت المقابلة أشبه
بصراع دام لديكة وحشية، لا علاقة لها بالأدب والبلاغة واللغة قط، فوجدت نفسي كمن ابتلع
عظم سمكة حاد، وقف في بلعومه، فلا يستطيع إخراجه فيرتاح، ولا يستطيع بلعه ليتجاوز ألمه،
صمتتُ، وقول من قال: ولا تقربوا الصلاة، وأُجبر علي بتر الآية الكريمة، ينطبق علي.
طيلة تلك المدة وأنا أفكر بكتابة مقالة أوضح اللبس، لكن لم يتأت لي كتابتها إلا الآن،
وبعد نحو عشر سنوات من حدوث ذلك اللقاء المخزي، أعتذر من كل قلبي لأحلام، فقد شوه معدُّ
البرنامج والمتدخلون الطفيليون الجهلة، ما أردت قوله، فعسي أن استطيع توضيح قصدي الآن،
وعساها أن تسامحني.
البلاغة العربية المهدورة
لم يرَ علْمٌ من علوم اللغة العربية، صعوداً وهبوطا ًوانحلالاً، كما شهده علم البلاغة،
فهذا العلم الذي نشأ وارتفع وتألق، وسطع نجمه وفق مطلبات حلِّ ألغاز سحر الكلمات التي
تدفقت بها الرسالة، وبلغ شأوه في القرن الخامس الهجري، أخذ بالتلاشي، وربما مات كلية
الآن.
فعلي كثرة دارسي الأدب العربي "حالياً" بشتي فروعه وأصوله لم تصدر أي دراسة حديثة
تتناول البلاغة العربية التي كانت يوما ألقاً باهراً يتوج أي نتاج لغوي وأدبي.
لقد فرضت البلاغة نفسها كواقع يتطلب الدراسة والتحليل لاكتشاف ألغاز سحر التعبير الرفيع
واقعاً ومعاصرة، أمام انهيال النصوص الرائعة المتوارثة من العصر الجاهلي، وبلوغها القمة
في موجة التدفق الرسالي وأقوال محمد الإعجازية، ثم تكللها المتنوع في العصر العباسي، في
الرقعة الواسعة من الأندلس حتي بلاد السند. وإن كان تعريف البلاغة يختلف من مختص إلي
آخر، لكن الكل يجمع علي أنها: إيصال المعاني بأفضل وأجمل وأسلس الألفاظ وأكثرها أناقة
وسحراً. بينما اعتبرها الكثير علماً شاملا يتوجب علي من يدرسها الغور في علوم اللسان،
والإحاطة بالفكر الإنساني وتأثيرها علي الأسماع والأذهان.
شهد العصر الحديث حياة وازدهار أجناس أدبية كانت موجودة في السابق، تتعلق بالسرد
والحكي، وأعيد لها الحياة، وسميت بأسماء أخري كالرواية والقصة القصيرة، وظهور أجناس
جديدة كالمسرحية، وسيناريوهات الأفلام، وافتتاحيات الصحف، والمقالات، والتحقيقات
الصحفية، وتعليقات التلفزيون والمذياع، وازدهار فروع شعرية لم تكن موجودة من قبل كالشعر
المسرحية والشعر الحر، وما اصطلح عليه خطأً بقصيدة النثر، الخ. لكن هذا العصر شهد فيما
شهد أيضاً، تغييب البلاغة مع الأسف الشديد، فقد تم إهمالها علي حساب المقالات المترجمة
التي يرطن أصحابها بأسماء أجنبية، لا يعرف عنها أو يسمع بها سوي من قصد الجامعات الغربية، أو فضل أن يختص بآداب اللغات
الأخري. أو من وجد ضالته في النتاج الفكري الغربي المترجم. وظل يردد ويزعق بصوت عالٍ،
جلي بما لا يُفْهم ولا يفهمه الآخرون، ومما يشرح الصدر أن هذا النفر عموماً قلة، لا
يتجاوز أصابع اليد، ولا يمثل غير نفسه.
كانت خسارتنا بفقد التواصل مع أبحاث البلاغة فادحاً، فهي الدراسة الوحيدة والفريدة التي
ولدت مع النقد الأدبي العتيد في ماضينا، وكانت تقوِّم أدبنا وتراثنا. ومع أننا احتفظنا
بمفردات ومصطلحات النقد احتفاظاً شكلياً، لكننا لم نقم بتطبيقه منهجياً كأسلافنا. في
الأقل كان أدبنا فيما مضي يسير في قضية التقويم و(التقييم) والتوجيه والوزن علي رجلين
هما البلاغة والنقد، وبإهمال البلاغة واختزال النقد إلي المصطلحات فقط، فقدنا طرفينا
وأخذنا نزحف علي مؤخراتنا، ونستجدي الغرب، الذي لم نفهمه، ولم يفهمنا، والذي يسيء إلينا
ويرغمنا علي استجدائه، والذي يرفض التنازل لنا، وإن تنازلنا له يحتقرنا، ويرفض أدبنا، فمتي نعطي أنفسنا وقتا
للتفكير والتنظير، لكي نكون نحن كما خلقنا، ولكي نتعايش مع الآخر بمؤهلاتنا ومكوناتنا
وميزاتنا، لا بالصفات المقتبسة منه والمقلدة له؟ كي نفرض عليه احترامنا؟
ترك لنا الأقدمون تراثاً واسعاً كبيراً من الدراسات البلاغية حللوا وفككوا فيه التراث
العربي وبشكل مركز القرآن الكريم وما تألق من الأحاديث النبوية، وشعراء ما بعد الإسلام،
وبخاصة شعر المتنبي الذي وصل القمة آنئذ وحتي الآن، ولو كان مثل هذا التراث موجوداً لدي
الغرب لانتشوا وفاخروا، لكنهم وجدوا ضالتهم في الأدب والتراث اليوناني فتمسكوا به
واعتبروه تراثهم وثروتهم الفريدة.
البلاغة:
ذكرنا فيما سبق أن البلاغة إيصال المعاني بأفضل وأجمل وأسلس الألفاظ وأكثرها أناقة
وسحراً. وهذا يعني أنها الوسيلة الأفضل والأجمل لإيصال المعاني من القائل إلي السامع،
وكان للآمدي وعبد القاهر الجرجاني، وابن سنان الخفاجي والسكاكي والقرطاجني والعسكري
وغيرهم الدور الكبير في تعبيد طريق النقد واكتشاف أقسام البلاغة، وطرقها وتشعباتها
ودهاليزها التي لا تنتهي استطاعت البلاغة أن تكتشف أسرار الكلام الفصيح والبليغ
والسامي، وفك رموز ارتباطاته بالخيال والوجدان والعاطفة، وأن تبهجنا بالتمتع بالألفاظ
وموازينها من حيث اختيار الكلمة المناسبة للمعني المناسب، وأن تدفعنا إلي التذوق السليم، وتفهم الجمال والنفاذ إلي التصوير
خيالاً وواقعا، وباختصار ساعد علم البلاغة دارس الأدب العربي بالإحاطة بمعانيه وإماطة
اللثام عن مغالقه المخفية، وإيصال الراغب في المباهج، إلي نقطة معينة يستطيع منها
الولوج إلي عالم السحر اللغوي، وآيات البيان السامقة السامية الممتعة، ومكّنه من عزل
الغريب، وتشخيص السوقي من الألفاظ والمقاصد، وقربه إلي تفهم النص. وعرض له أمثلة لا
تحصي من كلمات منظومة وميسرة، وفق أساليب معينة للوصول إلي الطريقة المثلي في التعبير
الدقيق أو التبليغ الأرفع.
وإن كان الأقدمون قد أنجزوا هذا العلم وأوصلوه إلي مستويً رفيع فهل استفدنا من هذا
العلم في الوقت الحاضر؟
لا. لم نستفد، ولم ننتج شيئاً يستحق الدراسة والتوقف قط.
توصل الأقدمون إلي علم البلاغة ليدرسوا النصوص الأدبية القديمة والمعاصرة لهم، لكننا
وبما يتيسر لنا من وسائل الاطلاع علي الثقافة الحديثة العالمية، لم نستطع تعريب العلوم
القريبة من بلاغتنا، ولم نستطع تطبيقها علي نتاجنا، مما ولد قطيعة كبري بين تراثنا
وواقعنا، وبين الثقافة المعاصرة الخارجية والداخلية، فبتنا في تيه واسع شاسع، في وضع لا
نحسد عليه، حتي أتي الغيثُ.
نتاج أحلام.
الغيثُ هو نتاج أحلام مستغانمي.
كنت أتمني أن يتصدي غير واحد لدراسة أسلوب أحلام البلاغي السامي والمتميز، وكما ذكرت
سابقاً أن أحداً ما منذ المتنبي وحتي الآن لم يدلق مثل هذا الكم في النوعية والكمية من
التعبيرات البلاغية الفائقة غير أحلام، لكن مع الأسف لم يتوقف أحد عنده بالرغم من
حصولها علي جائزة رفيعة في الرواية. وربما يكون خروجها علي المألوف مضموناً وشكلاً سبب
تهجم ومعاداة أنصاف المثقفين لها، فماذا عن النقاد؟ لماذا يغفلون مثل هذا الأدب
المتميز؟ قد يعترض أحد عليّ: أ لدينا نقاد متميزون يستطيعون أن يميزوا أدباً حراً
سامياً؟
لا أدري. لكنني أستطيع تصنيف من أخذوا علي عاتقهم مهمة النقد إلي:
أولاً: قلة جادة جليلة، لا تتجاوز أصابع اليد، يعيشون في ظروف صعبة كالقابضين علي
الجمر، يكافحون للتوازن بين الضمير المهني وبين متطلبات عيش باتت أصعب من العيش في
صحراء تنعدم فيها المياه.
ثانياً: عدد كبير من الكتاب يتميزون بقلة الثقافة والاطلاع والمنهجية، وهم بشكل عام
وبالرغم من قصورهم الثقافي والمنهجي انطباعيون، ومتذوقون، وذوو حواس حادة، لكن نقطة
ضعفهم تتركز في أنهم لا مبادئ لهم، فهم يمتلكون حساً رفيعاً تنحصر خبرتهم في معرفتهم من
أين يؤكل الكتف، وينحازون للثللية، ويتعصبون لقراهم ومدنهم وأوطانهم ومذاهبهم وقومياتهم
ووو الخ، وللحق والتاريخ يركن الكثير من هؤلاء تحت جناح جريدة، مجلة، شخصية معينة،
مستطيبين العيش بذل من أجل العيش وحده، لا من أجل الحياة ولذة الاكتشاف.
ثالثاً: كم هائل من كتاب "اللنكة[1]" السرطاني، نصف قارئ، ربع كاتب، عِشْر إنسان، لا
يجيد من الكتابة سوي دمج الكلمات في حد أدني، يكون هذا الكمّ جيشاً عرمرماً لا يحصي من
"العرضحالجية". أصبح لكثرته كالطوفان، اكتسح الساحات، والبلدان والأقطار وسيطر علي
وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية، وبلغ أوجهه في صفحات الصحف اليومية، والمواقع
الإلكترونية. لا يمكن تشبيهه إلا بسيارات الأجرة "التاكسي" في بلد مزدحم، وكما لا تعرف
سيارات الأجرة غير تلبية رغبات الزبائن، والسير وفق رغباتهم، وتلقي الإجرة مع حلوانية
مقسومة، لا يعرف أشباه الكتاب هؤلاء سوي
زبائن عفنين ومستبدين وأمراء فساد وأشباه رجال لكنهم يتوافرون علي جيوب مملوءة بالنقود.
أستطيع عذر النقاد الجادين لإغفالهم أحلام مستغانمي، لظروفهم القاهرة، أما النوعان
الآخران فاحترمهم غاية الاحترام لعدم تناولهم لها، لأنهم لو تناولوها فسيسيئون لها،
وللأدب، وللبلاغة، ولكل مبدأ إنساني.
إن أهم ميزة لهؤلاء السقطة بالرغم من سيطرتهم تحت هذه الظروف الشاذة علي ساحة الأدب في
البلدان العربية النائمة، هي أنهم لا يمتلكون القدرة علي فهم الأدب الرفيع. وهم معذورون
لهذا، ففاقد الشيء لا يعطيه. فمهما ينمو الفأر فلن يصل إلي حجم أسد.
لكن هل ساهمت أحلام في خلق المشكلة؟
الجواب في نظر هؤلاء نعم، بخروجها عن المألوف عندنا.
الخروج عن المألوف في الأدب والفن والإبداع والموسيقي ووو ليس عيباً ولا نشازاً، ولا
انحطاطاً قط. بل يمكن أن يكون في الأقطار المتطورة، تجديداً يستحق الدراسة، وبالنسبة
لأحلام فعلينا أن ننظر إلي قضية خروجها علي المألوف في الكتابة لنري هل ارتكبت ما يستحق
الملاحقة والتشهير؟
فبالنسبة للرواية هناك معايير درج معظم الروائيين علي إتباعها، أهمها استعمال السرد
الواقعي، المتمثل في مطابقة اللفظة لمعناها، من دون خيال، أو محسنات بديعية، من مجاز،
استعارة، أو كناية الخ.
حتي في الواقعية السحرية "مئة عام من العزلة، لماركيز". أو في الواقعية الخيالية:
"العمي. لساماراغو" كان هذا الأسلوب هو السائد، أما استعمال الأسلوب الشعري المليء
بالخيال والمجاز والاستعارة والكناية فلم يكرسه أحد للرواية قط، بل للشعر وما شابهه.
لقد تم الفصل بين الأسلوبين لسبب بنيوي متين، ذلك أن الرواية فن الإقناع، وفن الممكن،
ولا يتم إقناع القارئ العادي بمحسنات بديعية لا يفقهها، أو يصعب عليه فهمها. ولا يمكن
تصوير حادثة معقدة بأسلوب مليء بالمجازات! فتصوير لقطة فنية يتطلب تفصيلات واقعية،
ودقائق، تفرض تطابقاً للكلمة مع المعني، وإلا انعدم التصوير وأصبح أضغاث أحلام. ولذا
نستطيع أن نقرر أن الرواية تبني علي جمل تتصل مع بعضها برباط قوي، يصل ما قبلها بما
بعدها من دون فاصل، فعندما تقرأ جملة لا تتوقف قط، بل تنطلق إلي جملة أخري، وهكذا، ولذا
أيضاً اعتبر عنصر التشويق أحد الأسس
المهمة في كتابة الرواية والقصة.
لننظر إلي هذا المقطع الصغير عند ماركيز في بداية روايته خريف البطريق: أثناء عطلة
نهاية الأسبوع، اقتحمت النسور قصر الرئاسة، متسللة عبر كويً فتحتها بمناقيرها في
القضبان الحديدية المشبكة فوق الشرفة، فحركت برفيف أجنحتها زمان القصر الراكد، ومع طلوع
فجر يوم الاثنين نفضت المدينة عن عينيها سبات عدة قرون، واستيقظت علي نفحة رقيقة دافئة
تنثال من بقايا ذكر ذلك الكبير الذي قضي وتلك الأبهة التي بادت.
أربعة وخمسون كلمة حددت بداية الرواية، وأثارت أسئلة لابد لها من إجابات، فقد كان هناك
غموض يقتضي التوضيح في عملية اقتحام نسور لا لمكان عادي، بل لقصر الرئاسة! وهناك أيضاً
عملية تسلل من كوي، ونشاط مناقير غير مألوف، ورفيف أجنجة الخ. أي أربعة أعمال مثيرة،
يريد القارئ أن يدرك أسبابها، ويتفهم ظروفها، نتج عنها عملين مهمين، يتعلقان بحدثين
لشخص مهم، كرد فعل لهما، هذا إضافة إلي وقتين مختلفين. ففي الجملة الأولي بدأنا نتساءل
ما الذي حدث نهاية الأسبوع، ثم كيف اقتحمت النسور قصر الرئاسة، ولماذا حركت النسور
الأزمنة، وهكذا تتلازم الأسئلة في
حلقة متواصلة من بداية الرواية حتي النهاية. في هذه الكلمات المحددة بدأت الرواية
بداية مهمة موفقة، وأثارت أسئلة تضع اللبنات الأساس لعنصر تشويق لذيذ، يتسلسل، يبدأ
ولا ينتهي إلا بنهاية الرواية، مثل هذا التسلسل موجود في نتاج نجيب محفوظ، ويوسف
إدريس، وسامراغو، وكراهام كرين واليزابيث أليندي وغيرهم الخ. تسلسل أسئلة تتوالي من
دون توقف قط إلي آخر كلمة في الرواية، عندئذ لا يهم إن كان لهذه الأسئلة إجابات أم لا.
لننظر إلي أسلوب السرد عند أحلام، ولنر هل اختلف عن أسلوب السرد الروائي المتعارف عليه
عند ماركيز وغيره أم لا؟، تبدأ روايتها ذاكرة الجسد:
(مازلت أذكر قولك ذات يوم:
الحب هو ما حدث بيننا، والأدب هو كل ما لم يحدث.
يمكنني اليوم، بعد ما انتهي كل شيء أن أقول: هنيئاً للأدب علي فجيعتنا، إذن. فما أكبر
مساحة ما لم يحدث؟ إنها تصلح اليوم لأكثر من كتاب.
وهنيئاً للحب أيضاً.
فما أجمل الذي حدث بنينا، ما أجمل الذي لم يحدث. ما أجمل الذي لن يحدث.)
عدد الكلمات مقارب لفقرة رواية خريف البطريق، إحدي وستون كلمة، لكن ما الأسئلة التي
أثارتها أحلام؟ وما الأحداث التي سلسلتها؟ لا توجد أحداث مطلقاً، ولذا لا توجد أسئلة،
ولا يوجد عنصر تشويق.
إن استثنينا الجملة الأولي وهي غير مهمة إطلاقاً، ويكاد حذفها يتساوي مع وجودها، نري أن
البداية الحقيقة للرواية أسلوب تقريري، يتخطاه معظم الروائيين:
الحب هو ما حدث بيننا، والأدب هو كل ما لم يحدث.
لكن بالرغم من هذا قدّمت أحلام ما يعادل ذلك كله، قدّمت في هذه الجملة بالذات بلاغة
رائعة عوضت عما تجاهلته من قوانين الرواية المتداولة. عوضت أحلام بـ: كلمة الحب عن
الأسئلة كلها، فنحن جميعاً نحب، وهذا يكفي للإثارة، فكأنها احتالت علينا بخديعة جميلة
وذكية، وكلنا نحب مثل تلك الخدع. لكن الفرق بين تشويق نجيب محفوظ وماركيز وغيرهم أنهم
يدفعوننا للقراءة بشكل مستمر، لمزيد من الكشف من دون أن يضعوا أي نقطة تستدعي التوقف،
بينما تلجمنا أحلام وتوقفنا رغماً عنا بين الحين والحين. نعم. وحدها تلجم اندفاعنا،
وتكبح عجلاتنا، فنت