مفارقــات الثَّقافــة والسُّلطــة
هاني فحص
لَم أحصل على
التَّفاصيل الّتي تمكنني من معرفة ما انتهت إليه تجربة المثقف
والكاتب المسرحي التَّشيكي الّذي أصبح رئيساً للاتِّحاد
التشيكوسلوفاكي قبل تفكيكه سلمياً وبعد نهاية الأممية
الثالثة... (فاسلاف هافل).. وكثيرون يعرفون ما انتهت إليه تجربة
الشَّاعر والطَّبيب النَّفسي الصَّربـي البوسني الّذي تولى
السُّلطة في البوسنة بعد انحلال الاتِّحاد اليوغسلافي (رادو
فان كراز افتش) والّذي ارتكب جريمة الإبادة الجماعية ببرودة
أعصاب.. في حين خرج المثقف الآخر، الرَّئيس البوسنـي (علي عزَّت
بوغوفيتش) من السُّلطة نظيفاً من الدَّم، من دون أن يحقِّق ما كان
يحلم به كمثقف عضوي (بحسب غرامشي) في السُّلطة.
وفي القرن الرَّابع الهجري كان الشَّريف
الرَّضي (العلوي) نسباً، لا يرى فرقاً بينه وبين الخليفة العباسي،
سوى الخلافة. وكان في دخيلة نفسه يرى
أنَّه أحقُّ بها منه، وربَّما كان ذلك وراء حميمية علاقته
بالخليفة الفاطمي في مصر.. وقد استبدَّ بالمتنبـي إغراء النَّسب
والموهبة والقدرة على الإدراك والمعرفة والتَّعبير العميق،
فاعتبر السُّلطة استحقاقه، فبحث عنها لدى أهلها، وبصرف
النَّظر عن أهليتهم، فأحبط، وكان لنا من طموحه وإحباطه، تلك الخلاصات
الإبداعية الّتي جعلته مستشار العرب دائماً.
وقد وقف أدونيس، أمام تجربة
المتنبـي الّذي اجتذبه إلى حدٍّ أنَّه تقمصه أو تمثَّله في
(الكتاب) مفارقاً له في رغبته أو عزوفه، كمثقف حصري، عن
السُّلطة، بما تستدعي من تنازلات يرى المثقف عادة أو فرضاً
أنَّها ليست من شأنه. فانتخى أدونيس بالشِّعر على السُّلطان.
«أقول
للفرات أن يمتدَّ كالسَّقيفة أمنع غير الشِّعر أن يبايع الخليفة»
أمَّا السيِّد
محمَّد خاتمي فقد أصرَّ على الحفاظ على البُعد الثَّقافـي من
شخصيته، وبقدر ما كان يصرُّ على ذلك، كان يقلِّل من دوره
وتأثيره في الدَّولة.. وقد نجا من التَّجربة بعدد النُّقاط،
أمَّا علي شريعتي فإنِّي أقدر لو أنَّه قدَّر له أن يعيش إلى أن يرى
دولة الثَّورة الّتي كان من المعدِّين لها ثقافياً، فإنَّه سوف
يصاب بالصَّدمة عندما يكتشف الفارق الطَّبيعي بين الحلم
والواقع، وهذا ليس هجاء للواقع، بقدر ما هو التماس للمسافة
بين الثَّقافة والوقائع، بين السُّؤال والاحتجاج والرَّفض، وبين
تعقيدات الأطروحة البديلة.
أليس من هنا نقرأ انشقاقات الشيوعيين الّذين أجبرتهم
هذه الإشكالية على الخلاص من ترسيمات الواقعية الاشتراكية وقادتهم
إلى الانشقاق والنَّفي والهروب.. من (باستراناك إلى
سولجنستين)؟
وفي ماضينا تورط الجاحظ في
قبول منصب كاتب في السُّلطة العباسية، وفي القرن المشرق من
تاريخها، القرن الرَّابع الهجري، فضجت بغداد من حجم الخسارة
الناجمة عن ذهاب الرَّجل إلى غير مكانه، إذ كيف يمكن للنازع
بشدَّة إلى الحرية في التَّفكير والتَّعبير، أن يتحوَّل إلى الإذعان
والتَّعطيل؟
ولَم يلبث الجاحظ أن عاد بعد أيام إلى كتبه وقراطيسه
وفضائه الرَّحب، مفيداً للدولة إن شاءت،
من خلال الحبر الّذي يحضره بيده، وغزَّارته الّتي يبريها
بسكينه.. والمعنيون يعرفون القلق الّذي استبدَّ بالمعجب والمتابع للجاحظ على
طريقته في الاعتزال، أبـي حيان التَّوحيدي، بين الوزراء المهلبـي
وابن العميد والصَّاحب بن عباد، كمثقفين في السُّلطة حتَّى
انتهى لاجئاً إلى صمصام الدَّولة، الوزير البويهي، محاولاً
إنارته بفكره، فأبدع كتابه (الإمتاع والمؤانسة) في حين
تمترس السُّلطان في سلطانه محاولاً التَّأثير المعاكس في أبـي حيان الّذي أخذ قراره
النِّهائي فأحرق مكتبته ومات موتاً غامضاً، حتَّى ضاع على الجميع
مكان قبره..
لقد روى الجاحظ ـ وكأنَّه وجد مثاله ـ قال: «دخلت على
محمَّد بن إسحاق أمير مكَّة أيام ولايته
وهو جالسٌ في الدِّيوان والنَّاس مُثُل بين يديه، كأنَّ على
رؤوسهم الطَّير، ثُمَّ دخلت إليه بعد مدَّة وهو معزول وهو جالس في خزانة كتبه
وحواليه الكتب والدَّفاتر والمحابر والمساطر فما رأيت أهيب منه على
تلك الحال».
وماذا لو سألنا محمود درويش عن استقالته من وزارة
الثَّقافة؟ لا يمكن أن يردَّ بأنَّه
البديل الإجباري للاستقالة من الثَّقافة؟ وماذا أنجز الروائي يحيى يخلف
الّذي خلفه في وزارة الثَّقافة الفلسطينية؟ لقد التقيت به فوجدته
تائهاً في السُّلطة فحادثته في روايته الجميلة (نجران تحت
الصِّفر) فحلَّ رباط عنقه وخلع سترته الغامقة وأخذ يتكلَّم
وكأنَّه قد عاد إلى حضن أمِّه أو رحمها.
وفي البال
ذلك المثقف الّذي رآه أحد رجال السُّلطان يأكل الحشيش، فقال له: «لو خدمت السُّلطان
ما أكلت حشيشاً، فأجابه: وأنت لو أكلت الحشيش لِما خدمت السُّلطان».
ويعرف
العراقيون مدى العناء الّذي لحق بالجواهري في النِّيابة، والشَّيخ محمَّد رضا
الشبيبـي والشَّيخ علي الشَّرقي والدكتور عبد الرزاق محيي الدِّين
في الوزارة، في حين كان ساطع الحصري في العراق مديراً
عامَّاً لوزارة التَّربية الّتي تولاها الشَّيخان
الشَّاعران، فاستخدم كلٌّ علمه في السُّلطة حتَّى أصابهما بالإحباط،
واكتشف العراقيون الفارق الهائل بين المنظر القومي، وبين الحاكم
أسير العصبية النَّابذة في سلوكه.. ويذكر في هذا المجال
توفيق الحكيم أنَّه كان وكيلاً لوزارة التَّربية في مصر،
حيث المفترض أن يكون الوكيل أكثر نشاطاً إدارياً من الوزير،
بينما كان الحكيم مفجوعاً لأنَّ وزيره أكثر نشاطاً منه.. مسجلاً بهذه المفارقة
الفرق الجوهري بين المثقف والحاكم.
ولعلَّ السِّرَّ في ذلك هو أنَّ المثقف لا
تشدُّه الزَّعامة أو القيادة، ومن هنا، فهو يهتم بمعرفته.. ويبدِّل
رأيه ولا يراكم أنصاره، لا يهتم بالجمهرة..
فإن
اهتم فهناك شكٌّ في ثقافته أو علمه.
وماذا... ماذا
مثلاً لو أسندنا وزارة الثَّقافة أو الدَّاخليّة إلى طلال حيدر أو عبَّاس
بيضون؟ يجب أن نسأل غسان سلامة وطارق متري.
****
السفير