نوبل من ادونيس الى دوريس
 

علي حسين


في السنوات الاخيرة ظل اسم الشاعر ادونيس يتردد في اخبار جائزة نوبل..فقبل اسابيع بدأ عدد من الصحف العربية ومواقع الانتر نت تنشر اخبارا عن ترشيحه للجائزة ضمن قائمة شملت اربعة اخرين..وجاء في الاخبار ان الاكاديمية السويدية عازمة هذا العام على ترشيح ادونيس ضمن قائمة ابرز المرشحين لنيل الجائزة مما رفع امالنا نحن العرب بالحصول على الجائزة ثانية ومبعث هذا الامل ان مؤسسة ثقافية بحجم الاكاديمية السويدية حين تضع عينها على احد فان قطار الجائزة حتما سيصل الى محطته الا ان يوم الحادي عشر من هذا الشهر حمل لنا مفاجاة من العيار الثقيل فالاسماء التي ظلت صحفنا ترددها كل صباح لم يحظ أي منها باية جائزة بل ذهبت الجائزة الى بلاد الضباب لتفوز بها الكاتبة البريطانية دوريس لينسج البالغة من العمر 88 عاما فتكون بذلك الاكبر سنا بين الفائزين بالجائزة منذ تاسيسها عام 1901

متوجة بذلك رحلة ادبية كانت حصيلتها خمسين كتابا وستة عقود من النضال السياسي الاجتماعي كانت فيها دوريس بحق الراوية الملحمية للتجربة النسائية التي سبرت غور حضارة منقسمة على نفسها معتمدة الشك والحماس والقدرة على الرؤية على حد وصف البيان الاكاديمية السويدية. الخبر الذي تناقلته وكالات الانباء عن فوز دوريس لينسج بالجائزة علق عليه احد الساخرين قائلا لاتحزنوا فالفائز الحقيقي كان ادونيس لكن يبدو ان خطا مطبعيا وقع في كتابة الاسم عند اعلان النتيجة فحول ادونيس الى دوريس ويبدو ان اصحاب القرار في الاكاديمية السويدية فوجئوا مثلنا نحن العرب بهذا التغيير لكن قضاء الله قد نفذ ولامرد لقضائه ولتاخذ دوريس العجوز الجائزة لتفرح في اواخر عمرها الم تصرح عقب ابلاغها بهذا الفوز قائلة (انا سعيدة جدا لكوني لازلت مع اتصال مع الناس.. حيث ان هذا الاتصال الحميم مع الناس في هذه السن المتاخرة. يبدو وكانه نوع من السحر المبهم).
ولينتظر ادونيس فرصة قادمة فحتما نحن العرب لدينا سحرا اكثر ابهارامن سحر دوريس يجعلنا نتغلب على المشاكل والاخطاء المطبعية.
***
هكذا اذن يخذلنا السويديون إذ منحوا نوبل لعجوز بريطانية كانت ولاتزال شاهدة على قرن من الزمن بكل تناقضاته وتقلباته.. حياة ابتدات من الحرب العالمية الاولى وامتدت لترى افول نجم الشيوعية التي امنت بها في بداية حياتها لتشاهد على شاشات التلفاز كيف انهار جدار برلين.. سنوات طويلة من زمن الامبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس الى زمن غوردن براون الذي قرران ان يغيب عن العراق.. امراة كتبت ضد العنصرية والاستعمار وناضلت في سبيل فضح جرائم التعرض العنصري واضطهاد المراة وعجوز لاتعرف سوى الادب طريقا للحياة كتبت بقسوة ضد الاستعمار والراسمالية والجرائم التي ترتكب باسم الديمقراطية وخاضت معارك لاتنتهي في سبيل الحركة النسوية تاتيها نوبل بعد ان سأمت من كل شيء وقررت ان تعتزل الكتابة رافضة عرض الملكة البريطانية بمنحها لقب سيدة الامبراطورية البريطانية حين ردت على صاحبة العرض بان الامبراطورية لم تعد موجودة.. امراة عاشت حياة اشبه برواية من رواياتها فما بين مولدها بأيران سنة 1919 من ابوين بريطانيين لاب كان يعمل نقيبا في الجيش وام تمارس مهنة التمريض فتحت عينها لتجد الاب وقد اصيب في الحرب العالمية الاولى فخرج منها مبتور الساق.. لايحظى بحب امها وانما بعطفها.. يعشق المغامرة وينتظر ان يرحل باسرته ليبحث عن الثروة والحياة الجديدة..في جنوب افريقيا عاشت دوريس حياة شاقة جعلتها تقول عنها في مذكراتها بانها كانت سنوات الخيبة لكنها تحملتها بشجاعة وكبرياء كانت طفولتها كما تصفها جرحا مفتوحا يسير على قدمين مما دفعها ان تجعل معظم ابطال روايتها يعشيون حكايات صعبة وذكريات اليمة مع سنوات الطفولة.. تعترف ان وعيها تفتح حين قررت ان لاتكون مثل والديها الرجل المقعد والمراة المريضة بالوساوس.. الا تقع في شرك النمطية غذت في داخلها روح الثورة والتمرد على الاوضاع وتعترف:لقد صنعت لنفسي يوتيبيا خاصة كان الادب جزءاً منها اردت ان اقول للعالم ماذا لو جعلنا الظلم والفقر والحرب امورا مستحيلة بالتاكيد ان الحياة سوف تكون اجمل وتمتلىء بالناس الرائعين.. تقرر ان تعيش حياة التمرد على سلطة الام المهووسة بالنظام واحترام التقاليد فتهجر مدرسة الراهبات في الثانية عشرة من عمرها ثم بيت اهلها وهي في الخامسة عشرة من عمرها لتعمل مساعدة ممرضة. تقرأ الكتب التي تستعيرها من الاصدقاء.. انها سنوات الضياع والحرية والحب. في بداية الثامنة عشرة من عمرها تتزوج من احد زملاءها في العمل. وفي الحياة الجديدة سوف تجد مجتمعا متغايرا تواصل من خلاله السعي لتجد ذاتها تنضم الى الدوائر السياسية وتعتنق الافكار اليسارية ويدفعها حبها للحياة الى مغادرة مجتمع جنوب افريقيا لتبحر صوب لندن فتصلها في العام 1949 وهي تحمل معها طفلا رضيعا ومسودة اولى روايتها والعشب يغني التي تروي فيها حكايات عن التمييز العنصري في جنوب افريقيا.. وتنشر الرواية عام 1950 لكن كان على دوريس ان تنتظر دزينة من السنوات حتى يحتفي بها الوسط الثقافي في لندن بعد ان تقدم روايتها (المفكرة الذهبية) التي صنعت شهرتها الادبية وقدمتها كواحدة من المناضلات في سبيل حرية المراة من خلال تقديم شخصية امراة عصرية بعمق وتفصيل كبيرين.
مرحلة السبعينيات والثمانينيات مثلت تطورا جديدا بالنسبة لدوريس حيث تحولت كتاباتها الى مرحلة النضوج والتامل عبرت عنها رواياتها (بيان مجز وخماسية العنف ومذكرات من نجا والحب مرة اخرى وتقرير عن الجحيم) حكوائية للتجربة النسائية من الطراز الرفيع روتها بدقة وشفافية بدءا من الارهابية عن امراة برجوازية ضجرت من حياتها والتحقت بصفوف الجيش الايرلندي الى (الجدات) عن سيدتين كل منهما تعيش قصة حب مع ابن الاخرى وصولا الى اعذب الاحلام التي تقدم لنا فيها نفسها بانها المراة القادرة على تصوير اوضاع العالم بلغة شفافة انها المراة التي تركت كل شيء..الاهل والمدن والايديولوجيات لتكتشف الحياة بصورة اكثر نقاء ولتؤكد لنا وهي في الثامنة والثمانين من عمرها ان الابداع لايشيخ وان الموهبة الحقيقية تظل ساطعة طوال السنين.
***
يكاد القراء العرب يجهلون ادب لسينج فصاحبة الخمسين كتاباً لم يترجم من اعمالها سوى القليل وقد اصدرت دار المامون في منتصف الثمانينيات ترجمة لروايتها (مذكرات من نجا)وفي نهاية التسعينيات نشرت دار الهلال ترجمة لروايتها الاولى العشب يغني وبالفترة نفسها تقدم احدى دور النشر على نشر ترجمة لروايتها الشهيرة المفكرة الذهبية الا ان الغريب في الامر ان القارىء العربي تعرف على دوريس الكاتبة المسرحية قبل ان يتعرف على الروائية فقد نشرت سلسلة المسرح العالمي عام 1966 ترجمة لمسرحيتها الشهيرة (التيه) وهي المسرحية التي قدمتها للمسرح عام 1958 لتنظم من خلالها الى جيل مسرح الغضب الذي اطلق صرخته (جون اوزوبورن) صاحب المسرحية الشهيرة (انظر الى الماضي بغضب) والتي عبر فيها عن الضياع لجيل ما بعد الحرب في بريطانيا. هذا الجيل الذي شهد بشاعات الحرب وخلوها من أي نوازع إنسانية في هذا المناخ تتقدم دوريس للمسرح لتقدم مسرحيتها الاولى والتي عبرت فيها عن الصراع الذي يقوم في المجتمع بين جيل الغضب وجيل السياسيين المتزمتين وهي لاتفقد معاني طرف لكنها تقدم صورة حية ونابضة لهذا الصراع. فالام (ماريا) عضو في كثير من الهيئات التي تناضل لنصرة قضايا الدفاع عن السلام تجد نفسها في المواجهة مع ابنها (توني) الذي يقرر الذهاب الى الحرب من اللحظة الاولى نرى ملامح الصراع فالام تشكر الظروف التي لم تجعل ابنها يذهب الى الحرب وتقول:-ربما كنت قتلت من اجل قضية لاتؤمن بها فيرد الابن:- ان يقتل الانسان من اجل شيء يؤمن به هذا بالتاكيد نوع من الترف في هذه الايام. شيء كان يتمتع به جيلك ام الان فالانسان يقتل فحسب.هكذا يعبر جيل توني عن خيبة الامل في كل شيء
تنشدونها.. يا الهي نحن ننجب جيلا حقيرا يحسب معاشه قبل ان يتخرج من المدرسة.
جيل من صغار البرجوازيين الفقراء نعم انا ابكي لقد عشت خمسين عاما اليس هذا وحده سببا كافيا للبكاء.
توني:- افترضي اننا قلنا للسياسيين نحن نرفض ان نكون ابطالا لقد سئمنا كل القضايا النبيلة فماذا سيحدث يا امي
ماري:- لاشيء.. الحياة العادية والامان
توني:- اتركونا وشاننا هذا ماسنقوله.. اتركونا نعيش لانريد الا ان تتركوننا وشاننا
وكان العجوز البريطانية تتحدث بلسان العراقيين حين صرخت في وجه توني بلير: اتركوهم وشانهم يعيشون لانريد سوى ان تتركوهم وشانهم..

المدى

***

دفاتر