بغداد في المتنبي.. الدورات الزمنية الثلاث
كاتب ومدينة
د. مالك المطلبي
(بغداد عام 318 / 934 )
غريبة هي العلاقة بين المتنبي وبغداد. لقد دُونت هذه العلاقة في الروايات التاريخية
التي تناولت حياة المتنبي وشعره لكنها لم تولِ معناها ما يستحقه من تأمل ونظر.
كانت العلاقة بين المتنبي وبغداد علاقة سلب مطلق. ما إن تطأ قدما المتنبي بغداد حتى
يلوذ بالفرار. ذلك هو المَعْلم البنيوي لتلك العلاقة.
أول ورود للمتنبي على بغداد كان حين هرّبته جدته (آخر الموجودين في نظامه
البيولوجي) هرّبته، ليلا، من الكوفة؛ بعد أن أهدر دمه نبلاء قومه لقوله الشعر!! كان
هؤلاء النبلاء أو (علية القوم) ينظرون إلى الشاعر كما تنظر إليه بعضُ زوايا مجتمعنا
الآن بكونه (شعّارا)!
على أية حال! وصل المتنبي بغداد ودار في طرقاتها حتى انتهى به المطاف!لى أحد
أسواقها. فلندع المتنبي بصوته يسرد ما جرى له هناك: "أذكر أني أخذت بجانب منديلي
خمسة دراهم وخرجت أمشي في أسواق بغداد فمررت بصاحب دكان يبيع الفاكهة فاستحسنتها
ونويت أن أشتريها بالدراهم التي معي.. فقدمت إليه وقلت:
- بكم هذه الخمسة بطاطيخ؟
فقال بغير اكتراث:
- اذهبْ فليس هذا من أكلك!
فتماسكت معه وقلت:
- يا هذا دع ما يغيظ واقصد الثمن
فقال:
- ثمنها عشرة دراهم
فلشدة ما جبهني ما استطعت أن أخاطبه في المساومة فوقفت حائرا ودفعت له خمسة دراهم
فلم يقبل بها. وبينما أنا في هذا الموقف، إذ رأيت بائع البطيخ يندفع "فاتحًا يديه"
نحو رجل تبدو عليه إمارات الغنى؛ قد أقبل من خان وقال له:
- يا مولاي هذا بطيخ "باكور" بإجازتك أحمله إلى البيت
فردّ عليه الرجل ببرود وهو يشير إلى البطيخ:
- بكم هذا الباكور ؟
أجاب البائع متلعثماً:
- بخمسة.. بخمسة دراهم
أعرض الرجل عنه وهو يتمتم:
- بل بدرهمين!
تشبث البائع بذراعه وهو يقول:
- بدرهمين.. بدرهمين مثلما تريد!
يتابع المتنبي سرد ما حدث:
"باعه كومة البطيخ بدرهمين وحملها إلى بيته وأنا متسمر في وقفتي أكاد أتميز من
الغيظ وعزمت على ألا أبرح مكاني حتى أقع على أمره، وما لبث أن عاد مسروراً بما فعل!
فاندفعت نحوه آخذا بتلابيبه وقلت:
- يا هذا ما رأيت أعجب من جهلك! استمت عليّ في هذا البطيخ وفعلت فعلتك التي فعلت
وكنت قد أعطيتك بثمنه خمسة دراهم فبعته بدرهمين محمولا!
فدفعني وهو يقول:
- اسكت يا جاهل! هذا يملك مائة ألف دينار ذهبا!
وهكذا وليت هاربا:
فوا أسفا ألا أكب مقبلا
لرأسك والصدر الذي مُلئا حزما
وألا ألاقي روحك الطيب الذي
كأن ذكي المسك كان له جسما
بغداد في 970 من الميلاد
بعد ترحاله بين قبائل بادية الشام، وجد المتنبي نفسه نزيل سجن حمص، بعد أن حبسه
الأخشيديون بتهم يختلف المؤرخون في أسمائها و أسبابها، وهو أمر لا يهمنا الآن بقدر
ما يهمنا انبثاق بغداد من داخل محبسه الحمصي.
إذ ورده، وهو في السجن، كتاب من جدته تخبره فيه بإشرافها على الموت. لم تكن جدته كل
ما تبقى له من أسرته حسب، بل كانت، في سني طفولته الأولى، الإطار الذي ضم صورته
والروح التي حطمت ذلك الإطار في آن واحد!
خبر جدته أو دنو خبرها، حطم كبرياءه الذي عرف به! ولهذا انتهز فرصة استبدال أمير
حمص (إسحق بن كيغلغ) بأميرها الجديد (محمد بن طغج) ليرفع تظلماً؛ أبى أن يرفعه قبل
ذلك:
بيدي ايها الامير الاريب
لاشيء الا لأني غريب
او لأم لها إذا ذكرتني
دم قلب بدمع عين يذوب
ان اكن قبل ان رأيتك أخطأت
فإني على يديك أتوب
عائب عابني لديك ومنه
خلقت في ذوي العيوب العيوب
بهذا الاستعطاف حصل المتنبي على حريته المشروطة بطرح عزته مؤقتا، ليشق طريقه، من
فوره، إلى الكوفة عبر بغداد. هكذا يعيده القدر ثانية إلى بغداد!
انتظر في بغداد، متواريا، ليستطلع أخبار الكوفة المتربصة به، عن طريق رسوله وخادمه
(مفلح). وجاءه الرسول بنذر مأساته: أن جدته تُحتضر وأن خاصته، من قومه، قد علموا،
أو قدروا، أنه سيرِد الكوفة لتفقد حال جدته التي كان لايدعوها إلا بأمه، فزرعوا له
المكامن لأخذه غيلة، لكنه كان قد اتخذ قراره بأن يتسلل إلى الكوفة، فلم يعد قادراً
على أن يتنازل عن النظرة الأخيرة المتبادلة بين روحيهما. لكن ما إن وصل إلى مشارف
بغداد حتى جاءه خبر موتها:
فوا أسفا ألا أكب مقبلا
لرأسك والصدر الذي مُلئا حزما
وإلا ألاقي روحك الطيب الذي كأن ذكي المسك كان له جسما
هكذا لوى عنان فرسه نافذًا من أفق بغداد المُضبب، إلى حيث لا بغداد!
المتنبي يهرُب، أو على نحو أدق يُهرّب، من سجنه في مصر هو وولده (مُحسد) وخادمه
(مفلح) ليعبر سيناء، مخلفاً وراءه صرخات (كافور) أمير الأخشيديين في مصر والشام وهو
يأمر قواد جيشه ووزراءه "اطرقوا أبواب الأمصار كلها الشام وبغداد وحمص وشيراز،
ادفعوا بسخاء إلى القبائل... أريد لسانه ملفوفاً بقطعة قماش! كان لسان المتنبي هو
مشكلة (كافور) في ثنائية المدح والهجاء؛
زعزعة السلطة أو تثبيتها، إذ هو يعدل ما ندعوه الآن بالحزام الإعلامي
MASS
MEDIA)).
وكان المتنبي في حال؛ تجاوز فيها اليأس إلى القنوط! ولهذا اتخذ قراره بما سماه
اقتحام الكوفة: العودة الى الرحم. ومرة ثالثة كان لا بد لهذه العودة أن تقوده إلى
بغداد.
وإذ كان يشق طريقه في منعطفات بغداد، كان يحس كما لو أن قدميه كانتا تطآن أرض
المأساة!
نزل، موارباً، دار صديق له؛ يروي شعره، هو (عبد الله بن حمزة البصري). كان يبحث في
دار البصري عن مكان مؤقت للعزلة، ريثما يشق طريقه إلى الكوفة ،غير أن خبر وصوله إلى
بغداد ونزوله دار البصري، قد بلغ مسامع السلطة؛ أمير أمراء بغداد (معز الدولة
البويهي) الذي تلقى الخبر من وزيره (المهلبي) بدهشة:
- المتنبي في بغداد!
ثم تمتم:
- إنه ليسوؤنا أن يرد على حضرتنا رجل صدر عن حضرة عدونا.
غير أنه ترك الأمر لوزيره:
- إنه لك أيها الوزير! فبين له أن بغداد بني بويه ومعز الدولة، ليست إمارة الأخشيد
أو قبيلة بني حمدان!
وقد أقدم (المهلبي) على ضربة مستقيمة، حين أرسل من يطلب من المتنبي أن يمثل بين
يديه مادحاً! بعد أن غادر رسول (المهلبي) ، مال عليه (علي بن حمزة البصري) يحذره:
- اتقِ هؤلاء!
حينها ينهض المتنبي ويتجه إلى النافذة، ويتطلع إلى حيث تدور في بغداد رحى نفسه! ثم
يلتفت إلى مضيفه، ويقول:
- لن أمدح... لن أقول شعراً في المهلبي وأميره حتى لو قدما لي أكياساً ملؤها ذهباً
محمولةً على بغال بغداد كلها!
ثم بصوت قاطع، قال، وهو يلتفت إلى ولده (محسد) وخادمه (مفلح):
- تلقيت دعوة (ابن العميد) وسألبي هذه الدعوة... سأذهب إلى شيراز!
بادره ولده بصوت يشوبه الإنكار:
- تذهب إلى شيراز (ابن العميد) وتمتنع عن بغداد (ابن بويه) ؟!
نظر الأب في عيني ابنه وقال:
- أمراء الأعاجم في بلادهم يريدون شهرة ويعطون مالا، أما هؤلاء فيريدون شهرة ويعطون
ذلا!
عندها يسأل الصبي سؤالا فلسفياً:
- أتسعى إلى مال يا أبتي؟
مرة أخرى ينفذ المتنبي إلى عيني ولده ويقول:
- ليس لي... بل لك!
كان ذلك تعبيراً عن الإحساس بالنهاية. وكن ذلك في بغداد!
تلك هي الدورات الزمنية الثلاث للعلاقة بين المتنبي وبغداد؛ تلك العلاقة التي تمثل،
بنيوياً، علاقة إزاحة، وليس علاقة إقامة.
غير أن المفارقة في العلاقة بين المتنبي وبغداد حدثت بعد موته! إذ اختار الأرض التي
لفظته دائمًا، لتكون موطنه الأبدي! فمن بين العواصم والبلدان التي تقلب في جنباتها
كالكوفة والموصل وحمص وأنطاكية وحلب ولبنان ومصر وشيراز وواسط، اختار بغداد وطناً
للإقامة الرمزية المطلقة! بعد أن ترك جسده في واسط.
في بغداد تملّكَ أروع بقعة للثقافة العراقية الغليظة: شارع المتنبي
كل يوم، ويوم الجمعة الروحانية خاصةً، يلتقي أحفادُه مع خير الجلساء؛ بالشرط المحرر
بعقد الفطرة بينهما: حرية العقل، وذلك هو مدلول قوله:
وخير مكان في الدنى سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب
وسرج الحصان الطائر مكاناً، والكتاب؛ ظرف العلم، جليساً
رمزان للحرية والوعي.
مرة أخرى يستيقظ المتنبي على عادة بغداد القديمة: صناعة الحزن، يستيقظ على إحراق
وعيه! يُكفر وتحرق خزائنه النفيسة:
من مصاحف مُنزلة، وأوراق موضوعة بالعلوم والفنون والأفكار، وتراث من حوار الأفكار،
وخزين؛ لايُحصى، من المعرفة الالكترونية، وكنوز من الوثائق والمخطوطات. وقد شوهد
المتنبي وهو يمسح كتابه المحترق، ثم يتجه، مخترقًا رماد المعرفة، ليتفقد أطلال مقهى
الشاه بندر! ويستأنف الكتابة فيه!
*****
الشرق الاوسط