حقيقة النقطة والحرف في تجربة أديب كمال الدين الشعرية

 
 صالح محمود

تتفق الوضعية وتقرّ سواءً القديمة منها أو الجديدة بتعين الأشياء موضوعياً كما هي موجودة في الطبيعة حتى وإن مرّت من الأحاسيس التي لا تضللنا أو تخدعنا بل تصل بنا في النهاية إلى الحقائق الثابتة. وفي هذا الإطار يقول "هابرماس" في (المعرفة والمصلحة)" فمعنى العلم قد حكم عليه مسبقاً لنموذج تصوير الواقع أي بلا تدخل الذات". ويضيف هابرماس في هذا السياق (نفس الأثر السابق) "يجب على المفهوم للحقيقة كما يراه الفكر الوضعي أن يحفظ العناصر بشكل الوضوح الحسي ضمن سحب الذوات المدركة" وما الاستخلاص عبر التجربة والاستقراء والاستبعاد إلا إدراك بشري للحقائق الموجودة مسبقاً عبر التحكم التقني. حتى إذا ما "يتجاوز العلم ما هو صحيح ليصل الى الحقيقة بمعنى أن يصل إلى الكشف الجوهري عن الوجود بصفته هذه فهو عندئذ فلسفة " هيدغير" (أصل العمل الفني).

فإذا كان العلم يقف عند حدوده كتعين الواقعي، فإنّ الإنسان يتجاوز هذا الواقع لا لأن "الواقع الثابت لا يفي بالحاجة في نهاية المطاف رغم ما فيه من كثافة، ثم إننا لا نرضى بأي معطى حتى وإن كان واقعاً رفيعاً "بول كلي" (نظرية الفن الحديث)" فحسب بل وهذا لحسن حظ الإنسان الاستثنائي وحده أو ربما المقحم في موقف استثنائي يرى نفسه مع الافتقار الى قاعدة قابلة للتطبيق، مضطراً الى أن يستخلص مشاريعه من المبادئ الأولى. والإنسان لحسن الحظ ليس في وضع سعيد ومسلح ببطارية كاملة من الغرائز لكي يكون في وضعه الصحيح في كل موقف، وهو بذلك يجد نفسه مقسوراً على مسالة الاستخلاص التي تكتنفها المغامرة (المعرفة والمصلحة)، "برماس". وهنا فضلا على اعتبار الثقافة تعويضاً عن نواقص التجهيز العضوي، فإن الإنسان قد عثر على فجوة عريضة للخروج عن هذه الأطر كواقع راهن، يمكن تجاوزه، أي بتدخل الذات المدركة من خلال التعابير الثقافية، فالفن لاشيء سوى الخروج عن الواقع. يقول "فرويد" في (حياتي والتحليل النفسي) : "ينسحب الفنان العصابي من واقع لا يرضى الى دنيا الخيال هذه ولكنه على خلاف العصابي يعرف كيف يقفل منه راجعاً ليجد مقاماً راسخاً في الواقع" إن قدرة الفنان على اختراق الواقع دليل وعيه به، فالفنان "يخترق الأشياء وينفذ إلى ما وراء الواقع والى ما وراء الخيال كذلك". "بول كلي" (نظرية الفن الحديث).

 بل إن العلم وهذا بديهي يقف عاجزاً باعتباره يرتبط بالواقع المتعين كأشياء موضوعية كالتحليل النفسي أمام غموض العملية الفنية، إذ يقول فرويد "فالتحليل لا يملك أن يكشف عن طبيعة الموهبة الفنية ولا هو يستطيع أن يبين الوسائل التي يستخدمها الفنان". وكأننا بفرويد يتساءل في حيرة كيف يمكن للفنان أن ينحسب من الواقع وينجز عمله الفني خارج الإطار الواقعي، أي في عالم الخيال كما يسميه أو العالم الفني كما نسميه نحن بما انه ليس في متناول أي كان حسب "برقسون" (الضحك) "ما بيننا وبين وعينا يقوم حجاب، هو لدى عامة الناس حجاب سميك وهو لدى الفنان أو الشاعر حجاب رقيق يكاد يكون شفافاً".

 فإذا كان الفن هو الخروج عن الواقع للعودة إليه باعتراف فرويد، يتم اثناء ذلك إنشاء عمل فني من عالم لا يمت للواقع بأية صلة، فما هي مشروعيته كعمل فني، وقبل ذلك من أين يستقى؟
يقول "بول كلي" في (نظرية الفن الحديث): "قد يتصرف الفن في الحقائق النهائية دون علم بذلك، انه يؤثر فيها فعلاً، فكما يحاكينا الطفل أثناء لعبه، نحاكي كذلك نحن في لعبة الفن القوى التي كانت أنشأت العالم وتنشئه" فبعملية الفن يدخل الفنان مملكة المقدس، مملكة الآلهة، عالم الإنشاء، الخلق، إذ "وكأنه تخلص من حركته فانصهر في الرؤية الإلهية، إذ ما يتسرب إلى هذا الجسم بإملاء الصوت الإلهي صورة للنفس وهي تنزل من سماء الله وفن الخط التقط بطريقته صورة النفس هذه ،فعرض على البصر مسلك الوحي". "عبد الكريم الخطيبي ومحمد السجلماسي" (فن الخط العربي) .

حقاً الفنان موهوب في السمع وهذا سرّه كفنان. هاهو هيدغير يقول في (مبدأ العلة) : "ولكن ماهو جوهر موزار، ماهو قلبه؟ إن أنجيلوس سيليوس يجيبنا في أشعاره القديمة: قلب ساكن في أعماقه، أمام الله بما يرتضيه الله. إن الله يمس هذا القلب لأنه قيثارته. عنوان هذه الأبيات هو قيثارة الله ، انه موزار.. وبهذا المعنى يصبح الفن وحيا يتلقاه الفنان لموهبته السمعية التي يختص بها. يجسد هذا الوحي في أعماله الفنية وهو ما يعني تضمنه للحقيقة إذا كان يرتبط بعالم الخلق، بالقوى التي أنشأت العالم وتنشئه. ولكن أية حقيقة تحدث في العمل الفني؟ وهل يمكن على الإطلاق أن تحدث الحقيقة وتكون تاريخية إلى هذا الحد؟ ولكن الحقيقة مع ذلك وهكذا يقول المرء غير زمنية وفوق زمنية .. "هيدغير" (أصل العمل الفني) إذ أن .. هدف الفن وحاجته الأصلية في أن يظهر للعيان ما يتولد عن الروح من التمثلات والتصورات.."هيقل" (دروس في جمالية الفن المعماري) وهذا ما يؤكده هيدغير إذ يقول:"  الأمر إذا لا يتعلق في العمل الفني بإعادة التعبير عن الموجود المفرد الحاضر في كل مرة، إنما يتعلق الأمر على العكس من ذلك بالتعبير عن الجوهر العام للأشياء..(أصل العمل الفني) لأن ..الفن على صورة الخلق، وهو رمز تماما مثل العالم الأرضي الذي يرمز للكون.." بول كلي" (نظرية الفن الحديث). ويبقى السؤال ماثلا: ما هو أصل الفن؟ يجيبنا هيدغير في "أصل العمل الفني" :..جوهر الفن هو الشعر..لأنه وحسب رأيه..القول المصمم هو الشعر، قول العالم والأرض، قول مجال صراعهما وكذلك صراع الآلهة على القرب والبعد.. يتجسد الشعر ككيان قائم بذاته في اللغة، بالرغم من أن اللغة ليست سوى كلمات وليست الكلمات سوى رموز للعلاقات التي تقيمها الأشياء فيما بينها، وتلك التي تقيمها معنا، وهي لا تتوصل أبداً للحقيقة المطلقة.. "نيتشه"(الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي)


الفنان يقوم بإنشاء العالم..إقامة عالم.." هيدغير" (أصل العمل الفني) عبر الذات المدركة بمعزل عن الواقع لأنه مرفوض من أساسه كواقع راهن .والفنان يعي ثغراته وهو ما يمكنه من اختراقه، لا يهم الفنان الإجماع، بل الفن ضرب لعملية الإتفاق..فالخلاق يهدم باستمرار.. "نيتشه" (زرادشت). والحقيقة أن الفنان لا يهدم لمجرد الهدم، لغاية الهدم، بل لإقامة عالم متماسك صلب، طالما بدا الواقع هشاً، سهل الاختراق- عبر الوحي الإلهي، الفنان لا يهتم لأمر الواقع طالما يستمد رفضه وتمرده عليه من وعيه به، فإذا كان المتلقي، وبما أن المضمون لا يتعين واقعياً في شكله كعمل فني، وإذا كان يمثل الحقيقة في تمثلاتها وتجلياتها يتحسسه عبر تأثيره..بما يشبه الإيحاء في العضلات والحواس النشيطة في الأصل لدى الإنسان الذي يأتي الفن بالسذاجة.." نيتشه" (إرادة القوة).

 حين يرتبط بالواقع الموهوم، فإذا كان الفن إحداثاً للحقيقة تتم عبر الفنان بلا مؤثرات خارجية أي أن عملية الخلق تتم عبر الذات، فهل يمكن للغة أن تجسد الحقيقة في العمل الفني لدى الفنان وفي القصيدة لدى الشاعر، إذا كان الشعر حسب "هابرماس" في (المعرفة والمصلحة) ليس سوى خلق المعنى، أي حدث الإبداع الذي يتموضع فيه الروح ذاته أي بعبارة أدق تجلي الروح في المعنى عبر اللغة كشكل؟ يذهب هيقل في اعتبار العلاقة بين المحتوى والشكل النهائي الذي ينقل الفكرة من تمثل الفنان إلى تمثل المشاهد هي محض علاقة رمزية.. (دروس في جمالية الفن المعماري) فاللغة ها هنا شكل الأفكار ولباسها تتعين من خلالها فإذا كانت اللغة كرموز دلالية استحدثها الإنسان للتواصل بما أنها علامة اعتباطية تقع خارج حدود الفكرة. "هيقل" (دروس في جمالية الفن المعماري) هل يمكن أن تكون أمينة في نقل الفكرة الكامنة خارج حدود الواقع كتمثل وتجلي الروح؟ إلى أي مدى يمكن لها أن تعبر بصدق عن رسالة الفنان، قيثارة الله؟ حقا يبدو السؤال ملحاً، إذا كان الفنان متحرراً من الواقع برفضه واختراقه، أفلا تكون أفكاره حين ترتبط باللغة لتتعين كتمثلات وتمظهرات تخضع لأطر اللغة وحدودها كرموز دلالية؟ ترتدي الأفكار اللغة في الفن، والمتلقي غير مطالب بإتقان اللغة التقنية البحتة التي يستخدمها المختص أثناء البحث في التجربة الفنية على مستوى حرفي وتقني ذلك أن الفن إحساس يخاطب فينا العمق الداخلي عبر الإيحاء من خلال اللغة، فإذا كانت الحقيقة فوق زمنية وغير زمنية، المتلقي ليس مطالباً بأن يتقن الرموز الموسيقية ،لكن يحس الموسيقي فيرقص أو يبكي. إن كان الفن يؤثر في الإنسان عبر الإيحاء، فإنه كعمل فني خلق عالم مناقض للراهن. أو كما يقول "هيدغير" "في فعالية العمل الفني .. كشف الموجود وهذا يعني الوجود . أصل العمل الفني كشف الحقيقة من خلال المعنى كتجلي للروح. فهل هذا الكشف متاح عبر اللغة؟
جوهر الفن الشعر هذا ما قاله هيدغير، فالشعر.. ليس مجرد تفكير اعتباطي شارد، ولا هو مجرد حومان التصور والتخيل حول ما هو غير واقعي.." هيدغير" (أصل العمل الفني) إذ الشعر هو ..القول المصمم..قول العالم والأرض وقول مجال صراعهما وكذلك صراع الآلهة على القرب والبعد.." هيدغير" (أصل العمل الفني).

 واللغة بماهي أداة تواصل فإنها ترتبط بالواقع ككلمات وليست الكلمات سوى رموز للعلاقات التي تقيمها الأشياء فيما بينها، والتي تقيمها معنا وهي لا تتوصل أبداً إلى الحقيقة المطلقة.. كيف يرتبط بها الشعر جوهر الفن، وهذا ما يزعمه هيدغير (أصل العمل الفني) "..لقد استعمل الشعر هنا بمعنى واسع وتم النظر إليه في الوقت نفسه في وحدته الجوهرية مع اللغة والكلمة.. فعلا لا مجال للشك في الارتباط العضوي والجوهري بين الشعر واللغة ككلمة، فالقصيدة ككيان منحوت عبر اللغة، ونحن لا نعرف الشعر خارج إطار اللغة إذ لا يطفو من عالم الخلق ويتعين كشعر في الواقع إلا عبر تصميم اللغة له وتشكيلها . كيف للشعر أن يكون جوهر الفن وهو يتوسل باللغة بماهي كذلك؟ ولكن ما هي علاقة اللغة بالشعر؟ يجيبنا هيدغير.. اللغة في معناها الجوهري شعر.. (أصل العمل الفني)، لماذا ؟.. اللغة تعتبر في التصور السائد نوعاً من التبليغ تستعمل في المحادثات والمواعيد وفي التفاهم عموماً، اللغة ليست هذا فقط، وليست أولاً تعبيراً صوتياً ولغوياً عما ينبغي تبليغه.." هيدغير) "أصل العمل الفني) فاللغة التي نتحدث عنها هي لغة الراهن السائد كمفاهيم، إذ يضيف هيدغير: يحدث أن تسد علينا مفاهيم الشيء السائدة الطريق الى شيئية الشيء وأداتية الأداة وخصوصاً عملية العمل الفني على السواء، فحين نتحدث عن الشعر نتحدث عن جوهر الفن كحقيقة متعينة، كإقامة لعالم، فإذا كانت اللغة عاجزة عن إحداث الحقيقة كتمثلات الروح وتصوراته، إذا كيف يمكن للشاعر وهو الذي اخترق الواقع وتجاوزه ليلتحم بعالم الآلهة، عالم الخلق والإنشاء، أن يقيم عالم من خلال الشعر، يتعين في الواقع عبر القصيدة؟ لا ريب أن هيدغير اكتشف شعرية اللغة من خلال الشعر، غير أن الشعر يحيلنا على الشاعر قيثارة الله، نستمع لوحيه عبر الشاعر في الشعر في القصيدة، حقا، لقد تمكن الشاعر من كشف قوة اللغة وعظمتها بما بلغه من وحي الله عبرها. وهذه حقيقة حتى من خلال الأديان.

 ويتجلّى لدى الشعراء على غرار أديب كمال الدين الشاعر العراقي المهاجر "أستراليا" ولأن الشاعر موهوب وملهم، فإنه أكثر الناس سبراً وتفكيكاً، وتحليلاً للغة ..قال عنها دلتاي ذات يوم بأن فيها ..وحدها يجد الداخل الإنساني تعبيره الكامل، الخلاق والقابل للفهم موضوعياً.. "هابرماس" (المعرفة والمصلحة).

 انفرد أديب كمال الدين بتجربته الشعرية وهذا بإجماع كل من كتب حولها لأنه في الحقيقة آمن إيمانا عميقا باللغة وعشقها، وهذا يبدو واضحاً وكما يقول حسن النواب (غواية الحرف: مقال)  "..انشغل بالحرف العربي حد الهوس".. ليس الشعر جوهر الفن سوى خلق خارج الواقع وبمعزل عنه، يتطلب موهبة الشاعر كمقدرة لا في الخلق والإنشاء فحسب بل التحكم في الوسيلة التي يتجسد بها العمل الفني كخلق، ألا نقدر حجم الرسام في تحكمه في الفرشاة والألوان، والموسيقي في ريشته من خلال العزف، والنحاة في أداة النحت من خلال النحت، كذلك الشاعر تكمن مهارته في الخلاص من الواقع الراهن إلى الحقيقة عالم اللازمني وفوق زمني في تطويعه للغة، فتحكم أديب باللغة لا باعتبارها المادة الحية التي تحيل الشاعر الى العالم الخارجي وهو يبادل أدواره في المعنى والصورة.. كما قال علي الفواز.. بل لأنها تجسّد المعنى، الحقيقة بتمثلاتها وتصوراتها المارّة عبر الشاعر وتشكلها وتؤطرها، فتكون عملية متعينة عبر اللغة أمام المتلقي، نحن لا نشك في تواجد الفنان خارج الواقع في عالم الخلق قبل تشكيل المعنى، لأن الأفكار كوحي، كإلهام تغزوه بلا سابق إنذار وفي شكل فوضوي، وهو ما يؤكده "هيدغير" في (مبدأ العلة) :" ..لقد كتب موزار في إحدى رسائله: تأتيني الأفكار تتدفق بغزارة في السفر، في العربة مثلا، بعد غداء جيد، خلال النزهة أو في الليل من الأرق، وما يعجبني منها أحفظه في رأسي..هنا نتبين بوضوح دور اللغة الذي هو. وكما يقول هابرماس على لسان دلتاي..وحدها يجد الداخل الإنساني تعبيره الكامل الخلاق والقابل للفهم موضوعياً.. بهذا المعنى نفهم اللغة في الفن الذي يحدد دورها في تبليغ رسالة الفنان كوحي كالهام، هذه اللغة هي التي تمكن الفنان من تجسيد المعنى المتحرر والفوضوي لأنه في الأصل في حركة لا تهدأ ومتناقضة، على عكس الراهن الساكن، والإنسان الفنان بالتحديد عاجز عن تتبع هذه الحركة، ولذلك يجعلها منطقية ترتبط بالإنسان ككائن يحكمه الواقع، يرتبط به ارتباطاً وثيقاً، وإلا صار معتوهاً مرفوضاً من المجتمع.  يقول علي الفواز: إن البناء النثري للكيمياء الشعرية عند أديب كمال الدين تجد مستوياته البنائية أمام كثافة التصوير والعناية الفائقة في صنعة هذه الصورة دون إشكالية أجناسية محددة بما يجعل الكتابة مفتوحة على احتمال دائم في القراءة والتأويل والتوهم.

 
أين تكمن عظمة اللغة وقوتها إذا كانت مشكٌلة للمعنى في الصورة، ليصير موضوعياً قابلاً للفهم، وليست في نفس الآن ..الأداة التي تستعمل في المحادثات والمواعيد، وفي التفاهم عموما...وليست أولاً تعبيراً صوتياً ولغوياً عما ينبغي تبليغه.. كما يقول هيدغير؟ أين تكمن قدرة اللغة التي تمنحها للفنان الشاعر بالتحديد ليجسد بها الإلهام كحقيقة؟ يقول "هابرماس" في (المعرفة والمصلحة) : "باستطاعتنا الآن أن نميٌز وظيفتين للغة، وظيفة دلالية ووظيفة أشارية.. وفي نفس الأثر.. يمكن أن تتجلى العلامة كرمز يعرض شيئاً ما، كدليل يشير إلى شيء ما كأيقونة تصور شيئاً ما... حقا يبدو الأمر للوهلة الأولى عادياً، غير انه في الواقع أعمق من ذلك بكثير، وهنا نكتشف عظمة اللغة حقاً، تلك اللغة التي حررت الإنسان من الواقع الراهن بما هو كائن غير مبرمج من الطبيعة بجميع ردود الأفعال الصحيحة في الأوقات الحاسمة، جعلته ينطلق، ينتشر، يتحرر من كل القيود حتى من اللغة نفسها، طالما أنها إشارية، إنما اللغة تشير إلى اللغة الأخرى المتضمنة في عمقها وهي ليست لغة الواقع، بل لغة الفن كإشارة كإيحاء، وبذلك تصبح تكريساً لجوهر الإنسان في تحقيق وتجسيم الحرية الجزئية عن الطبيعة، وبهذا فإن الشاعر لا تتمثل قوته في حسن استخدام اللغة التواصلية العادية، بل لوعيه باللغة الإشارية الكامنة في باطن اللغة التي تتيح له تجسيد شعراً قابلاً لكل القراءات، وهذا ما يبرر قصيدة النثر حين تكتب باللغة الإشارية الكامنة في عمق اللغة المتداولة لغة الفن يتمثلها المتلقي لا عبر التفسير بل عبر الأحاسيس.

 أديب كمال الدين نموذج الشاعر الذي حررته اللغة من القالب. وكما قال الدكتور مصطفى الكيلاني في مقاله "كتابة النص الشعري المختلف" : "يلوذ الشاعر بأصل اللغة المنفتح على البدء الأول وبنقيض العقل.. مما يمكنه من الخلق والإبداع ويجعله يقترب من أسئلة الوجود الإنساني الغائص في عمق الذات والمحسوسات".. كما يقول وديع شامخ في مقاله " أديب كمال الدين... يبحر بحروفه بحثا عن الحرية والحياة" :"لم يتعامل الشاعر مع أصل اللغة ككلمة بل تخطاها إلى الحرف والنقطة". وكما قال هادي علي الزيادي: "دأب كمال الدين على إشباع قصائده رموزاً وإشارات يطغى عليها الطابع الممتلئ بمحاولات لفهم وإدراك أسرار الحروف وهذا انعكاس لقراءاته الواعية للموروث الأصيل ووعي لكتابات الصوفيين كإبن عربي أو سواه".. وأيضا .. للحرف عند الصوفيين منزلة علية ومكانة جلية الفهم يعتدونه مملكة مغلقة لا يدخلها سوى العارفين والنقطة طلسماً لا يفكه سوى الواصلين.. مثلما قال أ.د. عبدالاله الصائغ.  وقد مارس الشاعر عبر الحرف والنقطة لعبة الهذيان الحروفي.. كما يقول علي الفواز، الهذيان هنا نقيض العقل، غير انه وكما ذكر وديع شامخ في مقال "أديب كمال الدين يبحر بحروفه بحثا عن الحرية والحياة: "شاعر أوهم الكثيرين بأنه درويش ولكنه من أشد الناس تعلقاً بالحياة، ومن أشد الناس شبقاً بالحرية وبالمحسوس المادي.. هو إذاً .. يتعامل بحساسية فائقة مع دلالات الحرف شفرته اللغوية باعتبارها المادة الحيّة التي تحيل الشاعر الى العالم الخارجي وهو يبادل أدواره في المعنى والصورة... والشاعر هنا إذا ما اعتبرناه غير درويش، يدخل العالم الخارجي كصوفي عبر تخميرته من باب اللغة، إنما اللغة هنا هي القناة التواصلية مع الواقع عبر الميتالغوية كما يسميها "هابرماس" "في(المعرفة والمصلحة)  ..لأن الداخل لا يستطيع أن يظهر في الخارج بصورة مباشرة.. إذا كان هذا الداخل ..الوجدان الإنساني هو نور يخرج من الأعماق ليتوٌج ويضيء تطور الكون بأكمله.." فري بيتو" (إبداع الفنان).
لم يكن هذيان كمال الدين الحروفي هذيان جنون، تعمية. بدليل انه ت