بين الشعر الحر وقصيدة النثر ..
أمجد ناصر
من عدم الإنصاف القول إننا، اليوم، أمامَ وعي جديد، بالكامل، للفارق بين القصيدة
الحرة و قصيدة النثر ، فالفارق، في الوعي، والكتابة (إلى حد ما) كان موجودا، على
نحو جنيني، منذ أُطلِقَ هذا المصطلحُ في مجلة شعر .
كان أدونيس وأنسي الحاج وجبرا ابراهيم جبرا (وربما آخرون) يعرفون، على ما يبدو،
الفارقَ بين القصيدة التي تغادرُ الأوزان الخليلية، وتلك التي تترسم خطى قصيدة
النثر بمعناها الفرنسي والأميركي.
لكن مصطلح القصيدةَ الحُرةَّ (أو الشعر الحر) كان قد تلبَّس قصيدة أخرى حديثة
العهد، هي قصيدةُ التفعيلة التي أخذت تتحررُ، نسبياً، من قيود ايقاعية وتعبيرية
قديمة. لكن من دونِ أن تصلَ إلى ما يسمى (Free
Verse)
في الشعريات الأوروبية الأميركية.
فما العملُ اذا؟
سنسمي، كلْ ما لا يتقيدُ بالبحور العربية، قصيدةَ نثر وتنتهي المشكلة، خصوصا أن
اللاوعي العربي يربط، على نحو متلازم، بين الشعر والوزن.
فقصيدة بلا وزن، هي، إذن، قصيدةُ نثر!
والسؤالُ الآن، هو كيف أمكنني أن أصلَ الى هذا الاستنتاج؟
جوابي بسيط، إنه في العودة الى أدبيات تلك الفترة التي سترينا أن الذين يعرفون
الفوارق بين القصيدتين لم يقاتلوا، ما يكفي، لوضع الفوارق، والتسميات، موضع
التنفيذ، فاستسلموا لخطأ، ولّده التباس لم يكونوا بعيدين عنه. أدونيس نفسه يشير إلى
الخلط الحاصل (في لحظته) بين القصيدة التي تتخلى عن الوزن والقافية، ولكنها تعتمد
نظام التشطير (التفعيلي) وبين قصيدة النثر ذات الهيئة الطباعية المختلفة. إنه يفعل
ذلك عرضا في مقالته في قصيدة النثر التي ستكون أول بيان من نوعه عن هذه القصيدة في
العربية. لكن أدونيس لم يكن يعلم، على الأغلب، عندما قدّمَ قصائدَ محمد الماغوط في
خميس شعر ، هذا الفارق الحاسم.
إذن، إن الغالبية العظمى من القصائد التي كتبت تحت تلك اليافطة، اتخذت شكل ومقاصد
القصيدة الحرة الغربية (Free
Verse)
وسمّت نفسها قصيدة نثر ، بينما كانت نسبة قصيدة النثر فيها، ضئيلة، أو معدومة،
خصوصا إذا عرفنا أن أنسي الحاج الذي كتب قصائد نثر فعلية (بالمعنى الفرنسي) في
عمليه لن و الرأس المقطوع لم يواصل، تماما، هذه الطريقة، ومال إلى الشكل السائد
لقصيدة النثر العربية (أي في تقطيعها الذي يشبه التفعيلة)، كما أن موضوعاتِه راحت
تنحو منحى استبطانيا وغنائيا صوفيا يصل في الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع إلى
ما يشبه النشيد الديني، وهذا ما يتناقض مع ترسيمة لن .
ولكن ما هي قصيدة النثر ؟
ليس لدينا في العربية معجمٌ مُعْتَبَرٌ للمصطلحات الأدبية، فلا فائدةَ إذن من
مساءلة المعاجم ولا المراجع الأكاديمية. اما في الغرب (مهد هذه القصيدة) فيمكنك أن
تفتح أي معجم للمصطلحات الأدبية، وتجد تعريفا، وإن مختزلا لها.
الشعراء والنقاد العرب، السابقون واللاحقون، يكادون يجمعون على ما جاءت به مجلة شعر
من تعريفات مستمدة من كتاب سوزان برنار خالد الذكر.
فماذا تقول هذه التعريفاتُ المجمعُ عليها، تقريبا، بين بيانات الشعراء المؤسسين،
واللاحقين:
أدونيس، أولُ من أشار الى هذه القصيدة في مجلة شعر (العدد 14، ربيع 1960) في مقالة
تحمل عنوان في قصيدة النثر يقول، بعدَ أن يستعرض علاقة الشعر بالوزن، والقيد الذي
تمارسه القافية على حركة المعنى، ان البيت في الشعر العربي يشكل وحدة، وحدة للأذن،
ووحدة للعين، وربما وحدة في المعنى.
والخروج عى هذه الوحدة هو، شكلياً، خروج على الشعر. فالبيت دفعة كاملة لا تتجزأ،
ووحدة بنائية منطقية، وهذا ما يؤكده التراث العربي. وهو تقليد راسخ كان من التأثير
بحيث تجلى حتى في الطريقة التي تكتب بها بعض قصائد النثر حالياً، إذ تكتب في أسطر
يفصل بينها بياض، تماماً، كما تكتب القصيدة الموزونة .
أما محددات قصيدة النثر الفارقة، عنده، فهي شكلاً، في الجملة في مواجهة البيت ، فهي
التي تخلق وحدة القصيدة وتشكل ما يشبه العالم الصغير و هي خلية منظمة تشكل جزءا من
كل أوسع ذي بناء مماثل ، ولذلك فهي ذات وحدة مغلقة . هي دائرة، أو ما يشبه دائرة،
وهي أخيرا نوع متميز قائم بذاته. ليست خليطا. هي شعر خاص يستخدم النثر لغايات شعرية
خالصة ، ثم يجمل أدونيس تحديده لمواصفات قصيدة النثر بثلاث نقاط هي: - الوحدة
العضوية التي تتيح لها أن تشكل عالما مغلقا. - المجانية، أو ما يسميه اللازمنية ،
بمعنى أن قصيدة النثر لا تتقدم نحو غاية أو هدف كالقصة والرواية والمسرح أو المقالة
بل تعرض نفسها ككتلة لازمنية. - الكثافة، فعلى قصيدة النثر أن تتجنب الاستطرادات
والايضاح والشروح وكل ما يقودها إلى الأنواع النثرية الأخرى.
يتضح لنا أن مقالة أدونيس في قصيدة النثر هي بيان لهذه القصيدة، أكثر مما هي دراسة
، بيان يستند، كما يقول الشاعر نفسه، في ملاحظة على هامش الصفحة الأولى، إلى كتاب
سوزان برنار الصادر قبل عام واحد من كتابة هذا البيان.
ولا أدري لماذا تجنب أدونيس كلمة بيان لمقالته هذه ووصفها في الهامش المذكور بأنها
دراسة، إذ يقول، بالحرف، في الهامش: اعتمدت في كتابة هذه الدراسة، بشكل خاص، على
هذا الكتاب ، ويورد اسم كتاب سوزان برنار ودار النشر وسنة الطبع باللغة الفرنسية.
أيا يكن السبب، فإننا نلاحظ أمرين في تعريف أدونيس ل قصيدة النثر : أولا اعتماده
الكامل على دراسة سوزان برنار، وتعليقه العرضي، السريع على أن ما يُكتب بالعربية
آنذاك من قصائد نثر تعتمد السطر بدل الجملة يرجع إلى تجذر شكل البيت في التراث
العربي إلى درجة أن الذين تحرروا من الوزن والقافية ويكتبون قصيدة نثر لم يستطيعوا
التخلص منه!
لكن أدونيس لم يعد مرة اخرى الى طرح هذا الفارق الطباعي (والكتابي) معا، ومرت تلك
الكلمات المستقاة من كتاب اكاديمي فرنسي صدر قبل عام واحد من كتابة دراسته مرور
الكرام، فلم تشكل قاعدة ولم تتحول مرجعا.
* شاعر وكاتب أردني يقيم في لندن
*****
الراي الاردنية