السّياسة والشّعر: سركون بولص أنموذجاً

 

كاظم جهاد

 

هذه القراءة الثانية لمجموعة الشاعر العراقيّ الرّاحل سركون بولص الشعريّة الجديدة «عظْمة أُخرى لكلب القبيلة» (قيد الصّدور في «منشورات الجمَل»)، تكمّل قراءة لي أولى للعمل نفسه نُشرتْ على صفحات «السفير الثقافيّ» (26 تشرين الأوّل/أكتوبر 2007). من قصائد هذه المجموعة أنطلق هنا لاستعادة مسيرة الشاعر، وأحاول رسم صورته الشخصيّة كما أتيح لي أن أعرفها. لكنّي أودّ بادئ ذي بدء أن أعتذر عن هفوة طباعيّة طرأت على مقالتي الأولى المذكورة. ففي معرض تحليلي للبيت الذي يشبّه فيه سركون ظفْر إصبع قدم والده (المحتفى به في القصيدة) بـ«رأس ثومة»، أضفتُ معقّباً: «وهل أقلّ تواضعاً من رأس ثومة...؟». والصّحيح هو بالطّبع: «وهل أكثر تواضعاً من رأس ثومة...؟»، وهو ما يتلاءم ووصفي اللاّحق لرأس الثّومة بأنّه «مهمَل» و«غير ذي بال» و«معرّض للتفكّك والنسيان».
نحوَ «أيوبيّة» جديدة
في هذه المجموعة يرسم الفقيد خارطة شعريّة دقيقة ومنوّعة لحالات المنفيّ وهواجسه ومشاعره وإسقاطاته. يتّضح بما لا يقبل الشكّ أنّ جغرافيته النفسيّة والروحيّة قد تشكّلت مرّة وإلى الأبد في الفسحة الكائنة بين الحبّانية وبغداد، وأنّ وطنه الرّوحيّ كان هو لغة الضادّ، التي حرص هو على أن يعْقد معها علاقة دائمة ومشبوبة.
لرسم الخارطة الوجوديّة لهذا المعيش المنفيّ (أو المنفاويّ) الذي جاءت تجربة التعب والمرض لتخلع عليه لمسات مأسويّة إضافيّة، يعمد سركون إلى شبكات مضمونيّة عديدة أسمّي هنا بإيجاز أكثرها تواتراً ودلالة. هناك أوّلاً استحضار وجوه منفيّة شهيرة يتماهى هو معها لتطويع الشعور بالنفي السّاحق أو لتحميس ذاتٍ مهدّدة بالانهيار على مذبح التجربة. يتماهى والشاعر البيروفيّ الذي مات جائعاً بباريس، سيزار فاييخو، ويوظّف أجواء قصيدة له، ويتذّكر القدّيس جيروم (هيرونيموس)، مترجم التوراة إلى اللاّتينية وربيب الصّحراء: «قيل انّ القدّيس جيروم كان يقتات في صحرائه على الجراد والنّدى (ص 28). أو يعمل، مقتدياً بريلكه، على تطوير تجربة أيّوب، النبيّ المتألِّم، رافضاً مثله ومثل ريلكه الإقرار بعجزه: «لا، لستُ الطريح الذي قد تتخيّل، على سرير انعزالاتي/أبعدَ من أن تصلني صيحاتكَ المجيدة» (ص 32). هو في النهاية صوت جريح تمدّه المخيّلة ويقينه بكونه أحد «محظيّي» اللغة وخادميها الأمناء بقوّة يعرف أنها تنهل سرّها من علاقتها بضعف تأسيسيّ لا يتنكّر هو له ولا يتناساه. بل بالعكس، هو ما يساعده في اختيار نوع من الالتحام بالفقر والقبول بالتجربة العارية: «ينفتح الباب، وأرقد بكلّ حجمي في قلب الليل المريح مثلَ سرير» (ص 32). على هذا النحو يمكن القول إنّ الشاعر قام في أشعاره الأخيرة بإخلاص ومنهجيّة بتطوير شعريّة «المناحة» منطلقاً إليها من التوراة ومن عوالم ريلكه والسيّاب، مع تنويعات على الطائر البودليريّ العالق في الثلج، والإنسان الكافكويّ السّائر في مهمّة لا يعرف ما هي ولا ما هو مصدر الصّوت المُلقي على كاهله بإيعازه الآمر بتنفيذها (أنظر خصوصاً ص 20).
قصيدة حرّة غير تفعيليّة لا قصيدة نثر
كتب سركون بولص هذه المجموعة والغالبية العظمى من أشعاره السابقة في «قصائد حرّة غير تفعيليّة»، وهي التسمية التي أمنحها لقصيدة الأبيات غير الموزونة التي كان الماغوط من أوّل مَن كتبوها وشاعت في العربيّة إلى جانب «قصيدة النثر». ولا يزال خلط شديد الإضرار بتلقّي هذين النمطين الشعريّين شائعاً بينهما في العربيّة، بالرّغم من كلّ ما ينطويان عليه من فوارق شكلية وأسلوبية تجعل أحدهما في وادٍ والآخر في واد. في انتظار أن أضع دراسة في هذا الموضوع انطلاقاً من قصائد سركون وسواه ممّن يمارسون الشكلين الشعرييّن، ألخصّ هنا الفارق الأهمّ في عبارة واحدة: قصيدة النثر قطعة متّصلة تتوسّل بخطاب النثر وتفرض عليه غايات شعريّة، بينما تتألّف القصيدة الحرّة من أبيات غير موزونة تظلّ متشبّثة بالقاموس الشعريّ وتعنى في نماذجها الجيّدة بالإيقاع وتجد في الوقف بين الأبيات نابضاً لها أساسيّاً. الحال، لا تزيد قصائد النثر التي كتبها سركون على خمسين صفحة (جلّها مجتمع في «إذا كنتَ نائماً في مركب نوح»)، بينما شكّلت القصيدة الحرّة غير التفعيليّة ما يمكن أن نعدّه جوهر مشروعه. أشرتُ إلى هذا في مقالتي السابقة عنه، وفي يوم صدورها بالذّات نشرت «القدس العربيّ» (26 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2007) مقالة لصلاح عوّاد يتذكّر فيها أحاديث سركون معه في سان فرانسيسكو وينقل عنه هذا التصريح: «اكتشفتُ أنّ سركون غير متحمّس لجيل «البيت»Beat Generation الأميركيّ وأضاء لي قائلاً إنّ ما يكتبه هو الشعر الحرّ وليس قصيدة النثر... قال لي: نحن نكتب شعراً حرّاً كما يكتبه إليوت ولكن بشكل وبإيقاع مختلف».
مكّنتْ هذه القصيدة سركون من أن يحقّق مطلبين كانا أساسيّين عنده، وما كانت قصيدة النثر بمفهومها الدّقيق ستتيح له تحقيقهما: تجذير المعالجة الإيقاعيّة للبيت غير الخليليّ، والانغراس في غنائيّة ما كان هو يريد أن يتخلّى
عنها، ومعروف كم تتأبّى قصيدة النثر على الغناء وتتخطّاه إلى الدعابة والمفارقة والرّصد الموضوعيّ للعالَم. أحياناً، تنال لديه هذه الغنائية، خصوصاً في مجموعته الأولى «الوصول إلى مدينة أين» وقصائد كهذه التي سعيتُ إلى تحليلها في مقالتي السابقة، تكثيفات فذّة وتنجح في أسر لحظات فريدة من الإحساس الشعريّ. وأحياناً أخرى، تتداعى إلى بساطة مفرطة ليست في صالحه، ولكنّ صياغته لها تتمخّض دوماً عن تجاوبات موسيقيّة وتوازنات شكليّة بالغة الرّهافة. وقد أجازف بالقول أنّ هذه المعالجة الإيقاعيّة للبيت غير الموزون هي مساهمة سركون الكبرى في الشعر العربيّ.
إنهيار الحلم الأميركيّ وتصاعد المرجع الرّافدينيّ
إنّ شبكة أساسيّة من الصياغات الشعريّة في المجموعة الأخيرة تنْعقد حول انقشاع الحلم الأميركيّ في وعي الشّاعر وتصاعد الحنين عنده إلى المجال الرّافدينيّ، بما يسمح له بمرافقة بلده العراق في محنته الحاليّة. بتعابير شديدة البساطة والقرب من لغة البوح يفكّك سركون حلمه الأميركيّ القديم ويقدّم ما يشبه جرْدة عُمر بأكمله: «أينَها، أين أميركا التي عبرتُ البحر/لآتيها، أنا الحالم؟ هل ستظلّ أميركا ويتمان/حبراً على ورق؟» (ص 220). آنئذٍ يرتسم للشاعر المهاجر إمكان العودة إلى الماضي كحلّ أو خلاص منشود، ولو على مستوى الخيال والشّعور وحدهما: «ذات يوم سأقول لأمواجه: /سوف أطفو فيك على قفّتي أيّها المحيط الهادي/ وبضعة من كتبي المفضّلة/محمولة على ظهري/عائداً من جديد إلى قصّة الطوفان» (ص 93). هذه الخيبة من أميركا تمهّد لإدانة الشاعر للحضور الأميركيّ في العراق، على أنّها إدانة تفارق، رغم بساطتها، لغة الشعر السياسيّ وترسم سياسة للشعر غير قابلة للمصادرة والاحتواء من لدن أنصار النّظام القديم ودعاويّي الإرهاب الجديد. وهي تقود أيضاً، كما رأينا في القبسة الأخيرة، إلى استلهام مرجعية أسطوريّة وتاريخية رافدينيّة كانت حاضرة من قبل في شعر سركون ولكنّها تزداد هنا تواتراً ولوعة.
«كلّ يومٍ من أيّامنا، في هذه الأيّام، جمعة حزينة» (ص 38)، يقول سركون في مرثيّته للشاعر محمود البريكان الذي اغتاله لصوص في مدينته البصرة. وفي هذه الشموليّة ما يذكّر ببيت السيّاب الشهير: «ما مرّ عامٌ والعراق ليس فيه جوع». وإذْ يكتب الشاعر: «فأس التتريّ المقذوفة من على ظهر الفرَس.../ما زالت تطيش منذ ألف سنة في فضاء أيّامي» (ص 17)، فلكي يُفهِمنا أنّ العنف إنّما هو قديم وأنّ الغزاة الجدد، أيّاً كان الشّعار الذي يدفع بهم في مسيرتهم الاجتياحيّة الكاسحة، إنْ هم إلاّ أقنعة لغزاة قدامى في تاريخ قائم على ما لخّصه شكسبير وفي إثره فولكنر بمفردتَي «الصّخب والعنف».
في هذه الغطسة المستعادة في دفء الأساطير التكوينيّة يتماهى الشاعر تارةً مع جلجامش العائد من زيارته لأوتانابشتم، بعدما راح يسأله عبثاً عن النبتة السحريّة أو عشبة الخلود (ص 22). وطوراً يصعّد مأساته الخاصّة برسمِ «بورتريه للشخص العراقيّ في آخِر الزّمن»: «أراه هنا، وهناك/عينه الزائغة في نهر النكبات/منخراه المتجذّرانِ في تربة المجازر.../أعطهِ أيّ سجنٍ ومقبرة، أعطهِ أيّ منفى» (ص 40). هنا أعبّر عن اندهاشي ممّا ذهب إليه الشاعر المصريّ أحمد طه في معرض تقييمه لتجربة سركون إذْ كتب على صفحات «أخبار الأدب» القاهريّة (28 تشرين الأول/أكتوبر 2007): «ولكنّه ظل حبيس طائفته، لم يخرج عن آشوريّته وهو ما كنت أحسّه بين سطور قصيدته». لم يفهم الشاعر المصريّ أنّ استعارات سركون من موروث العراق القديم، مثلما لدى السيّاب قبله، تشمل التراث الرافدينيّ كلّه، وعلى رأسه ملحمة جلجامش السّومريّة. ثمّ انّ الرّموز والمقولات الآشوريّة المخصوصة كانت تشكّل لسركون بوتقة تلتقي فيها جماعته الإثنيّة أو الثقافيّة المباشرة والشّعب العراقيّ كلّه، شعب يرى في موروثه القديم أحد أهمّ عناصر مخياله، دون أن يعني هذا، لدى سركون كما لدى سائر العراقيّين، عودة حنينيّة قافزة على التاريخ كما في التيّار الفينيقيّ في الثقافة اللبنانية أو لدى بعض وجوه التيّارين الفرعونيّ والمتوسّطيّ في الثقافة المصريّة.
«أيّها الجلاّد... طردناكَ اليومَ وألغينا هذه الوظيفة»
لم يكن سركون عديم الإحساس بمأساة شعبه العراقيّ وبمسألة العدالة بعامّة، سياسية كانت أم ثقافيّة. في سلوكه الشخصيّ كما في نصوصه، كان على الدّوام يرفض الانسياق إلى دائرة الصّمت و«الحياد» التي يريد البعض أن يحشره فيها (أعود إلى هذا في فقرة لاحقة). كان موقفه من هذه الأمور ولا أوضح. لتبيان هذا الموقف، أسمح لنفسي هنا بشهادة شخصيّة سأجعلها وجيزة قدر الإمكان. إلتقيتُه للمرّة الأولى بباريس في صيف ,1987 وكنتُ عائداً من إسبانيا. هو كان عائداً من العراق، زاره بعد غيبة طويلة مدعوّاً إلى مهرجان «المربد»، حضره هو مرّة واحدة وتتّفق شهادات عديدة على أنّه لم يقرأ فيه من أشعاره. كانت جلسة واحدة كافية لأن تسود بيننا ثقة كاملة. ذكّرتُه أنا بأهميّته كشاعر، وبكونه إنّما يخْفض من قدْر نفسه وقدر شعره بارتياد مثل هذه «الأسواق» الأدبيّة التي تنتهي دائماً بتمجيد الدكتاتور. ففتح لي قلبه وراح يحدّثني عن مهانات عديدة تعرّض لها هناك، وأقسم بأنّه لن يعيد الكرة أبداً. ولقد وفى بوعده. وسردَ عليّ كيف أجبروه هو وبقيّة المدعوّين على ارتداء بزّة عسكريّة والذهاب لملاقاة الجنود العراقيّين الذاهبين للقتال ضدّ إيران. قال لي ضاحكاً بمرارة: «تصوّرْ! كان جاري في غرفة تجريب الملابس العسكريّة لاختيار المقاس المناسب... المستشرق المعروف جاك بيرك!».
وهي الفترة التي أطلق فيها سركون قصيدته الموجزة التي سرعان ما ستطبق شهرتها الآفاق: «أيّها الجلاّد/عدْ إلى قريتكَ الصّغيرة/لقد طردناكَ اليومَ وألغينا هذه الوظيفة». لا البعثيّون، الذين توهّموا في سركون صديقاً لهم بدلالة زيارته الوحيدة للمربد، ولا أصدقائي الشيوعيّون الذين قاطعَه بعضهم بسبب هذه الزيارة تساءلوا عن معنى أن ينشر هو هذه القصيدة في تلك الفترة بالذّات. ربّما كانوا يريدون أن يقرأوا فيها اسم صدّام حسين ليتيقنّوا من أنّها مرتبطة براهن العراق (إلاّ إذا كان سركون يفكّر بجلاّد من القرغيز أو من كوكب آخر سوى الأرض!).
سياسة الشّعر (محاورة لسعدي يوسف)
اليوم، تأتي قصائد سركون الاحتجاجيّة التي تتضمّنها مجموعته الجديدة لتعيد إلى الخاطر انهمامه هذا بمسائل السياسة والعدالة والحريّة انطلاقاً ممّا أدعوه «سياسة القصيدة». عندما رفضت الدّولة العراقيّة في عهد عبد الرّحمن عارف تشغيله مترجماً في وكالة الأنباء العراقيّة بسبب من آشوريّته، رفض هو أنّ يعدّ الشعب العراقيّ طائفيّاً وواصل صداقاته وتعاطفاته حتّى بعد هجرته إلى أميركا. وهو لم ينخدع بالحريّات الثقافيّة الشكليّة التي أتاحتها دولة البعث لأبناء الأقليّات، وكان بحدسه التاريخيّ والشعريّ يدرك أنّها موجّهة لإسكاتهم أو لاستخدامهم. على النّحو ذاته لم تعمِ عمليات الإرهاب الأخيرة بصيرته ولم يرَ فيها كناية عن إرهابيّة الشعب نفسه أو عن طائفيّته. اتّجه بقراءته الشعريّة إلى أصل المشكل، ورأى في أميركا صانعة خراب الكائن ومزيِّفة تاريخ الشعوب. ما كان الإرهاب الحاليّ المتبادل باسم «الطوائف» سيغدو ممكناً لو لم تغذّه الآلة الأميركيّة. وكان يمكن تحرير العراق من قبضة صدّام من دون احتلال. يدين سركون هذه الآلة بكلّ قوّة عصبه الشعريّ، محاذراً في الأوان ذاته من أن يسقط في القصيدة ـ الشّعار.

في مقالتي السابقة، عبّرتُ عن استغرابي من قول صديقي الشّاعر سعدي يوسف («السّفير»، 23 تشرين الأوّل/أكتوبر) عن سركون، في معرض رثائه له: «هو لم يكن سياسياً بأيّ حال. لكّنه أشجعُ كثيراً من الشعراء الكثار الذين استعانوا برافعة السياسة حين تَرْفع... لكنّهم هجروها حين اقتضت الخطر!». وعَدتُ حينها بالعودة إلى هذا الموضوع، ودعوتُ إلى الأخذ بنظر الاعتبار بسياسة شعريّة تذهب أحياناً أبعد من سياسة «الحزبيّ» وتكون أكثر مضاءً منها. فالشاعر المتمرّد بلا تحزّب غالباً ما يكون أكثر تأهّباً للفعل السياسيّ ـ الشعريّ ولنضال القصيدة. ولا يرفض الكثير من الشّعراء التحزّب عن عبث أو خوف أو مصلحيّة، بل يصدرون في رفضهم هذا أحياناً عن شجاعة كبيرة، وعن قناعة بكون أيّ من الأحزاب القائمة في المعترك السياسيّ والوطنيّ لا يرضيهم في لغته وأساليب عمله. هذا كلّه لا يمكن أن يرفع عنهم صفة التمرّد والانخراط في الفعل التاريخيّ والممارسة الثوريّة، سواء في شعرهم نفسه أو في سلوكهم كمواطنين وتجلّيات ضمير الواحد منهم ووعيه. وفي عدد 2 من تشرين الثاني/نوفمبر 2007 من «السّفير»، نشر الصّديق سعدي يوسف كلمة عنوانها «نظام المثّقف التّابع وعلاقته بتأييد الاحتلال»، يبدو فيها وكأنّه يؤيّد ما ذهبتُ إليه ويقرّ بأنّ الأحزاب العراقيّة طالما مارستْ على مثقفيها سياسة تدجين وامتهان وتعسّف. لي على كلامٍ نبيلٍ كهذا ملاحظتان: الأولى أنّه يأتي متأخّراً إلى حدّ ما، وكان سيغدو أكثر نجوعاً وفائدة لو أنّه أتى من سعدي يومَ كان هو وأدباء كبار آخرون يشغلون مكانة قياديّة في الحزب الشيوعيّ العراقيّ: لو عملوا بهذه الرّؤية فلربّما كانوا غيّروا مجرى تاريخ العراق. وثانيها هي أنّ العزيز سعدي يحصر النقاش في علاقة الحزب بمثقّفيه ويتغاضى عمّا مارسه مثّقفون حزبيّون كثار، كبار وصغار، على المثقفين غير المتحزّبين من تهميش سياسيّ وإيذاء ثقافيّ وعزل اجتماعيّ، هذا السلوك البغيض الذي يدعوه الصّديق الشّاعر عبّاس بيضون، في ردّه على كلمة سعدي المذكورة («غضب سعدي»، «السّفير»، 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2007)، أقول يدعوه، بهذا التعبير النّافذ، «الوصم تقليداً». لديّ الكثير ممّا يمكن أن أقوله عن سياسة التهميش هذه انطلاقاً من تجربتي الشخصيّة، وقد أقوم بهذا عمّا قريب. أكتفي هنا بالإشارة إلى أنّ العسف الذي أشار إليه سعدي وأدانه لم يعد ممكناً. لقد تغيّرت مَعالم المشهد الثقافيّ واتّضحت تناقضات السّياسيّ الحزبيّ وتعرّت أوهام كثيرة. وبالمقابل، تعزّزت مكانة المثقّف الحقيقيّ بالرّغم من جميع الشروط الجائرة التي لا تزال مستلزمات العيش وطبيعة الأوضاع السياسيّة تمارسها على المثقفين العرب. لا تشكّل السياسة خصلة خارج القصيدة، والحزبيّة شكل من أشكال التجربة السياسيّة أو المتمرّدة لا غير. طيلة عقود عديدة، أفضى تغليب الحزبيّة على السياسة في العراق وأقطار أخرى إلى أكبر أنواع الغطرسة والتّجفيل. لكنّ المعادلة انقلبت بصورة عادلة وبتأخّر كبير ومؤسف: فالأديب المنتِج هو مَن يتفحّص اليوم تاريخ الحزبيّ ولغته، وبعد ذلك قد يقبله في صداقته أو لا يقبله. لم يعد متاحاً لأتفه «قصقوص» (تصغير «قاصّ») أو أسخف شاعر أن يستند إلى بطاقته الحزبية، الفعليّة أو المزعومة، ويعمل على تشويه سمعة مبدع. كما أنّ رؤية أكثر تمحيصاً وآفاقيّة واحتفالاً بالتفاصيل صارت ممكنة: مؤسف ولا شكّ أن يكون شاعر كسركون بولص حضر «المربد» لمرّة واحدة (وإنْ لم يقرأ فيه من أشعاره)، لكنّ الأهمّ في اعتقادي هو ملاحظة ما طرأ على وعيه التاريخيّ والشعريّ في أعقاب تلك الزيارة من تطوّر وتحوّل.
أيّة مقاومة؟ أو ما هي المقاومة شعراً؟
في رثائه المذكور للفقيد، يستشهد سعدي بقصيدة سركون التي كتب فيها: «الموت/هذا سيّد جاء من أميركا»، ويقول إنّها تصلح «نشيداً للمقاومة الوطنيّة في العراق المحتلّ». لا نفهم هل «المقاومة الوطنيّة» هي شيء يعتقد الصديق سعدي بأنّه قائم الآن أم هي فعل يتمنّى هو ولادته. كنتُ أودّ أن تكون عبارته أوضح وأجلى، حتّى لا يفيد منها أيتام صدّام والزّرقاويّ، وقد بدأ بعضهم يفيد بالفعل من كلمات سعدي في بعض الصحف والمواقع الألكترونية. ينبغي ولا شكّ إجلاء الأميركان من العراق، لكن هل هي مقاومة هذه التي تقتل الأبرياء أمام المدارس والجوامع والكنائس ومخافر الشرطة ودوائر الدولة والمخابز وفي الأسواق؟ أعود إلى مسألة الشعر وأقول إنّني أعتبر قصيدة سركون هذه أقلّ أشعاره دلالة على سياسته الشعريّة، وأرى فيها ميلاً للشعار هو في المُججمل غريب عليه. عبارتها الأقوى تستمدّ مضاءها من بيت باول تسيلان في قصيدته الشّهيرة «لحن الموت المتسلسل»، التي يستحضر فيها معسكرات الاعتقال الجماعيّ في ألمانيا النّازيّة ويردّد: «الموت سيّد قادم من ألمانيا». لكنّ بيت تسيلان التقريريّ أو التصريحيّ هذا مذوَّب في سلسلة من الاستدعاءات المأسويّة العميقة: «حليبُ الفجرِ، الأسوَدُ، نشربه في المساء/نشربه ظُهراً وصباحاً نشربه في اللّيل/نشرب ونشرب»؛ «نحفر في الفضاء قبراً لا نُحسّ فيه بالضّيق»؛ «يسكن البيتَ رجلٌ يُلاعب الثعابين ويُدبّج صفحاته»؛ «يصرخ بنا اعزفوا للموت بأكثر رقّةً، الموتُ سيّدٌ من ألمانيا»، إلخ. في قصيدة سركون، القصيرة، لا نجد سوى التصريح المحوَّر عن تسيلان وتصريحات أُخرى تغلب عليها بساطة تقريريّة: «الموت./هذا سيَّدٌ جائع/يأكلُ أطفالنا بالآلاف/آلافاً بعد آلافٍ/بعد آلاف. /هذا سيّدٌ/ جاء من أميركا /ليشرب الدم/من دجلةَ/ومن الفرات».
شِعر سركون المتمرّد الحقيقيّ هو بالعكس هذا الذي يرى في نمط الحياة الأميركيّ الحاليّ نهاية لحلم والت ويتمان الإخائيّ الكونيّ واستمراراً لعمل «فأس التتريّ المقذوفة من على ظهر الفرس... منذ ألفِ سنة». هي بربريّة أو همجيّة جديدة يدينها هوَ بصوَر وتشبيهات رأينا نماذج منها أعلاه، يعجز عن احتوائها ورثة صّدام وأمثالهم ممّن لا يدركون عمق القصيدة الحقّ ولا يستهويهم إلاّ الشّعار. المقاومة هنا مزدوجة: تقاوم القصيدة في لغتها وبنائها ما يجرّها إلى الشعار والسطحيّة ويجعلها فريسة لشتّى أنواع الاحتواء، وفي الأوان ذاته تقاوم في مضامينها آلة العنف أيّاً كانت أطرافها، أميركا التي تنتصب أنموذجاً أعلى للعنف الغازي، وبقايا الأنظمة العتيقة ورؤوس الإرهاب الجديد.
تركيبة الرّجل ومآزق الرّثاء
في الختام نعرّج على صفة «الحياد» التي يلصقها أدونيس بسركون («الحياة»، 24 تشرين الأوّل/أكتوبر 2007). كتب أدونيس: «الكتابة عنده (سركون) وجودٌ آخر داخلَ الوجود. هكذا لا يُجابِه إلاّ نفسَه فيما يجابه العالم. وإذ يتجنّب، ويحيد ويعتزل، فلغايةٍ واحدة، أن تكتمل المسافة التي تقتضيها هذه المجابهة، والتي تتيح له أن يُحسِن الرّؤية، لكي يعرفَ كيف يخترقُ ويستشرف. ولا يجادل. ليكن الخيرُ، كما هو، خيراً لأصحابه. وليكن الشرّ، كما هو، شرّاً لأصحابه. وَلْيتصارعِ المتصارعون. أمّا هو فيؤْثِر البقاء في الضوء...». هي رؤية رومنسيّة وخياليّة لا تصحّ على سركون، وقد لا تصحّ على أيّ شاعر. وما هي إلاّ تهمة طالما ألصقها صاحب «أغاني مهيار الدّمشقيّ» بكلّ من يرفضون مؤازرته في صراعاته العديدة. بالتضادّ الكامل مع هذه الصّورة الفقيرة، كان سركون يهاجم من كان هو يدعوهم «المتشبّهين بالشِّعر»، أولئك الذي يصفون العالَم انطلاقاً من مقعدهم الثابت في مقهى باريسيّة أو لندنيّة ويوهمون بسطاء القرّاء بأنّهم مخروا عباب جميع البحار واستكشفوا جميع العوالم. أكثر من هذا كان، كما كتب عنه عباس بيضون («السّفير الثقافيّ»، 19 تشرين الأوّل/أكتوبر 2007)، «بريّاً»، ويصل إلى حدّ «الاتّهامية» أحياناً. لا أقول هذا لأنزع عن صديقي الرّاحل صفة دماثة عالية كانت تميّزه أغلب الأحيان، بل لأعيد له حقّه في أن يكون
«شكِساً» كسائر الناس، وهو حقّ كان سركون يستخدمه بما تمليه الضّرورة تارةً وإلى حدّ الإسراف طوراً. لكنّ سورات غضبه العابرة وتقلّبات مزاجه المفاجئة وشكواه التي تصل أحياناً إلى حدّ التّجريح لا لسببٍ معلوم، هذا كلّه سرعان ما أصبح معروفاً لدى أصدقائه، وصاروا يرون فيه «شوائب» غير ذات بالٍ، ثماراً مُرّة من ثمار منفاه الطّويل، ويحتملونها بسهولة. واليوم يرحل عنّا سركون. يرحل بتلك اللاّمبالاة التي صوّرها هو نفسه ببساطة عميقة في إحدى قصائد مجموعته الأخيرة، قصيدة يصف فيها سيادة الرّاحل الملتحف بصمته، وعبثيّة طقوس الحِداد التي يقيمها ندّابه: «ما معنى الحِداد؟/الميّت في تابوته لا يطالب بالبلاغة./الأيدي في فيء السّطيحة تهشّ ذباب الصّيف العنيد/.../على العتبة أحذية النُّدّاب، وجوه المعزّين تزيّن فراغ الصّالة. /وأنتَ، أيّها الميّت، ترقد بكلّ بساطة/على ظهركَ، وتختصر الكون» (ص 64). بدلَ الاكتفاء بندْب سركون، أوَما آنَ الأوان ليدرس النقّاد والمحلّلون شعره ومسيرته؟
(باريس)

****

السفير

دفاتر