متاهات الأنتلجنسيا العراقية في رواية (عندما تستيقظ الرائحة)                                                                     

                                              حسن السلمان

 

في رواية (عندما تستيقظ الرائحة ) للكتابة العراقية المغتربة (دنى غالي ) لانعثر على أي طريق من تلك (الطرق الهوائية) التي يحلو لبعض متعاطي السرد الاشتغال عليها بدعوى  أن تلك الطرق تمنح الكاتب حرية اكبر في استعمال المخيلة واستكشاف المناطق المجهولة في تضاعيف الذات الإنسانية ومعالجة مفردات الواقع بشكل لاتحده ضفة تمثيلية الأمر الذي يجعل من هذه المغامرة الكتابية مغامرة محفوفة بالمخاطر ،التي تكمن غالبا ،في تقديم عمل يشبه إلى حد بعيد (حفلة تنكرية لأطفال انطوائيين ) على حد عبارة (سي _دي _لويس ) أو الذهاب بالعمل إلى (الحافات الخطرة) التي تقود الى حلقة مفرغة من المعنى ، وبالتالي فقدانه سمته التداولية ، ومناخه الانساني ،وبروز اكثر من معظلة كلامية /تعبيرية ،تزيحه عن مسرح الحياة الحافل بكل ماهو حي ومرتبط ،ارتباطا وثيقا بمشاغل وهموم وهواجس (الانسان اليومي)-حيث تحدث هذه الفوضى والمجانية وقول اللاشىء وعلى وجه الخصوص ،عندما يعاني الكاتب من نقص في الخبرة ،وفقدان السيطرة على ادارة مجريات العمل ،وهيمنة (الخيال النرجسي )على  ذاته ،والولع بالتجريب اللامدروس حد الهوس0في نص العراقية (دنى غالي ) لاوجود لمثل هذه  الطرق الملتوية ذات النزعة النخبوية و(الفوضى اللاخلاقة )،وانما هي طرق واقعية صريحة ،تعتمد شعريتها على  (الفكرة الملموسة ) وما هو ضروري :ففي رأي (هيجل ) ان : (الوجود يكون واقعيا فقط بالقدر الذي يكون فيه ضروريا )،بعيدا عما هو تقليدي او سحري ،او فنتازي ،او منضو تحت مظلة ايدلوجية  بعينها 0

لقراءة هذه الرواية ،والتعرف على عوالمها ،سنبدأ بالعنوان ودلالته :(عندما تستيقظ الرائحة ) فعند مقاربة العنوان بذاته ولذاته ، لايقوم بوظيفة الموجه القرائي ،او العتبة التمهيدية المتضمنة اشارات دالة على خطاب النص ،بقدر ما يحيلنا فورا ،الى ملمح تناصي مع اليات تيار الوعي الاستعادية بفعل مؤثر او حافز عفوي او مادي  ما ،كالحالة (البروستية)-مع مذاق (كعكة المادلين )التي ادت                            بـ (مارسيل بروست )الى استعادة حياة بأكملها ضمن مجال سردي ،في روايته الملحمية (البحث عن الزمن الضائع )0في حين ان ارتداد كاتبتنا لاستعادة احداث ووقائع مرويتها جاء نتيجة لهيجان رائحة الايام المريرة وتصاعد ايقاعها الجنائزي ،تلك الايام التي عاشتها الكاتبة ،وعايشت ماحدث لشخوص مرويتها ،سواء في الوطن الذي كان عبارة عن عينة من الجحيم في ظل حكومية فاشية لامثيل لها ،ام في المنفى ،حيث الغربة القاتلة ،نتيجة لاختلاف الفضاء الثقافي ،والنظرة النسقية الاستعلائية التي كان يوجهها الاخر الاصلي الى اللاجئين / المهاجرين ،وبضنمهم العراقيين،الذي كانوا يعانون من امراض نفسية ،وضعتها الكاتبة تحت مصطلح (الاضطرابات النفسية ما بعد الصدمة ) الناتجة عن كل ما له صلة بقاموس العنف ،من اضطهاد وتعذيب وقسر واستلاب ،ضد كل من يجاهر او يوحي بمعارضته للنظام الدكتاتوري الحاكم  انذاك ،فالانسان مصدوم دائما بعد معايشته لتجربة حرب ،او رؤيته لمشاهد عنف ،حتى لو لم يشترك هو فيها شخصيا ،ذلك انه متورط فيها ،ولو على صعيد نظرته السابقة الى العالم (1)0

من اقصى الجنوب / البصرة ،يفر (رضا المولاني ) المثقف الماركسي الى الدانمارك بمعية زوجته (نهلة صباح ) بعد تعرضه لشتى صنوف العنف ، مع(مروى البصري)- بعد اعدام احد اشقائها الماركسيين ، وتعرضها بلا جريرة تذكر للتعذيب والمراقبة ، لتبدأ بعد رحلة الهروب من الوطن ،صفحة من الضياع والاذلال تخضع لها مع اللاجئين العراقيين للمراقبة وعمليات التأهيل التي تسجل من خلالها وقائع حياتهم الماضية ومن ثم احالتهم الى العلاج النفسي تحت اشراف محللة نفسانية مختصة بمعالجة اللاجئين العراقيين الذي يعانون من الاضطربات النفسية لتنطلق من جلسات التحليل الارساليات السردية على شكل نوبات مونولوجية وفقا لطريقة التداعي الحر المعروفة في جلسات التحليل النفسي التي جاءت متسقة ومتماهية مع اسلوب تيار الوعي الذي يعتمد في بعض الياته على المونولوج الداخلي وهو :(حديث شخصية معينة الغرض منه ان ينقلنا مباشرة الى الحياة الداخلية لتلك الشخصية دون تدخل من المؤلف بالشرح اوبالتعليق ) وهو ماتعمل عليه المحللة النفسانية (نصيا) حيث تقوم فقط بتسجيل تداعي منطوق الشخصيات المتضمن افكارها والاحداث التي مرت بها ، لتقييم حالاتها المرضية ،ومن ثم رفع تقارير بذلك الى الجهات المختصة لغرض ادماجهم مع المجتمع عبر سلسلة من الفعاليات الثقافية والمهنية كتعلم اللغة ،والاطلاع على القوانين والشفرات الاجتماعية للبلد الجديد/ المنفى وتوفير فرص العمل 00الخ تبدأ المحللة بـ (مروى البصري) الرسامة وشقيقة الشهيد ، فنتعرف على شخصية غاطسة يملؤها الرعب اذ تقول:

(هناك طفلة ابدية مرعوبة قابعة في،تختض رعبا من العالم 00تحرجني الاسئلة ،اتهرب منها،امزج الواني وادفعها كدرع لي اواجه به كقناع ، اتستر خلفه0 لاقيمة لرأيي فاية جدوى منه ) (الرواية / ص 27/88)0 كذلك افتقارها لاي موقف او رؤية واضحة ،سوى نكوصها وهروبها من مواجهة الاشياء، ودفن نفسها في مزيج سوداوي من الالوان القاتمة واللوحات الفنية ذات الطابع المأسوي، لكن فعاليتها الابداعية تلك ، لم تنفع  في تصريف مايعتمل في داخلها من احباط وكبت ، فمن المفترض ووفقا لطروحات (فرويد) ان الفنانين ،خلافا للناس العاديين، يستطيعون التخلص من الكبت والمشاعر العصابية عبر حالات يدعوها بـ ( التسامي ) : (وهي العملية المؤدية مباشرة الى الابداع الفني حين يتعذر اشباع – الغريزة وذلك بتحويل مجرى الطاقة الى نشاطات اخرى هي عمليات الخلق والابداع الفني ) هذا لم ينفع مع حالة مروى ، فمازالت ذات الطفلة المرعوبة تقبع في داخلها ، وهي صورة رمزية لميراث هائل من القمع والكبت والحرمان على مختلف مستوياته، والشعور بالخيبة خصوصاً  خيانة (رضا المولاني)لها – حيث كانت حبيبة له – تحول عنها نحو ( نهلة صباح ) حيث اقترن بها، علما بأن ثمة علاقة مثالية كانت تربط ( مروى ) بـ (نهلة) ، لتتجسد الخيبة  بأمر صورة، بعد زواجها الفاشل من شخص قد تخلى عنها في احلك الظروف ، ومن ثم وفاة ابنتها التي جعلتها في حالة حداد دائم ، ليصبح وجودها ، وجودا للموت، كما لو انه – أي الموت – المخزون الاستراتيجي لـ (حياتها)(2).

 مقابل هذه الشخصية الراكسة المستلبة ،تقف( نهلة )على النقيض من ذلك ،فهي شخصية دينامية ،متمردة ،مراوغة ،تضج بالحيوية ،وذات قدرة كبيرة على التحول ذاتيا ،حسب طبيعة الظروف والمواقف التي تجد نفسها فيها :
(هي نهلة فقط من تتمرد ،تتوسل ،تحتال ،تهدد 00انها من تتملص من التزام الجماعة فتاتي وتذهب متى تشاء)( الرواية /ص23/25)0

وعلى خلاف خطاب (مروى)المتهافت ،نجد ان خطاب (نهلة) خطاباً قوياً ، مفارقاً لخطاب الاغلبية السائد، خطاباً لا يمتثل لاي  شروط سوى شروطها ،ويتجلى ذلك واضحا في كلام توجهه لـ (رضا المولاني):(لدي طموحي ،لااريد لرغباتي ان تكون قابلة للسحق دوما ، السحق الذي اتخيله شعارا للناس هناك ومدعاة لتفاخرهم 0لكني لاافهم ،لما التواضع ،لما التنازل ،هكذا ببساطة عن الحياة000والاكتفاء بالقليل حدا يصل الى الخنوع والمذلة ، يسمونه بالمقابل قناعة ؟ لمن؟ ولماذا تكون هذه الصفة ايجابية ؟) (الرواية/ ص 118): التواضع والتنازل والقناعة ،مفردات لاقيمة لها في قاموس (نهلة ) المتمردة 0فالقناعة من وجهة نظرها، ماهي الاحجة الضعفاء من ذوي( العقول الاداتية ) المتكيفة سلبيا مع الامر الواقع الحافل بكل ماهو سلطوي غاشم ،وهي العائق الرئيس الذي يقف كحجر عثرة في طريق طموحها لتغيير نمط حياتها ، حيث تطرح ذلك جانبا وتبدأ اولا بالانسلاخ من الرحم الاول الذي يمثل الوطن ومنظومته الثقافية التي لاتنسجم وحقيقة ذاتها النافرة النزقة ، والمنفلتة من كل القيود، وهكذا تتخذ قرارها الحاسم بطي صفحة الماضي الحزين بالعمل على طمر هويتها القديمة عبر تغيير اسمها من (نهلة صباح) الى (هيلينا سابا ) والانفصال عن (رضا) بصورته التي اصبحت تثير في نفسها القرف والاشمئزاز لعدم قدرته على التغير ، وتعلقه الاعمى بافكار فات اوانها 0 فالاسم مادام لايد لها في اختياره فهو تعسف، والوطن الذي لايعبأ بمن يقف فوق ثراه ، هو مجرد كلمة اعتباطية ، والهوية بوصفها شىء مقدسا هي ضريبة ثقافية/ رمزية بالقوة، مادام المرء لم يساهم في صناعتها وفق صيغة تعاقدية تتناسب مع تطلعاته الانطلوجية ف( الهوية ليست قدرا) بقدر ماهي انتخاب حر لماهية الفرد وخياره بالفعل 0 وهكذا فان ( نهلة / هيلينا ) ترى ان ( قيمة الارض / الوطن من قيمة الانسان ) وبخلافه فان الوطن لايعدو ان يكون سوى نفق من الاحزان لانهاية له.

 ولكون هذه الشخصية (شخصية مستديرة )فهي تمتلك  بالضرورة (عقلا نقديا،وهو عقل ثوري ينظر الى الانسان ،لا باعتباره جزءا من كل اكبر منه ، يعيش داخل اشكال اجتماعية ثابتة ومعطاة مستوعبا تماما فيها وفي تقسيم العمل القائم ، وانما باعتباره كيانا مستقلا مبدعا لكل ما حوله من الاشكال التأريخية والاجتماعية  (3)0

هذا العقل الحر ،يتعارض تماما مع (العقل الاداتي) لـ (رضا المولاني) المؤدلج وفق النظرية الماركسية ،ذات الطابع الشمولي ، وماتدعو له من اقامة جنائن ارضية تسودها المساواة والعدالة والرخاء، على حساب الحرية الفردية ، والاختيار الوجودي الاصيل الذي تتبناه (نهلة /هيلينا)، وتاتي الفارقة حينما يقع (رضا) تحت ضغط انساقه الذكورية المترسبة في اعماق اللاشعور ،ناسيا ثوريته المزعومة ومسعاه الكفاحي من اجل تحقيق المساواة ،وذلك من خلال فرض ،عبر حالة من الازدواجية ،حيث ان المزدوج هو ذاك الذي يعاني من ثنائية ،لايجد سبيلا موجبة للخروج منها الى وحدته المفقودة ،اما التعدد فهو لايعاني بل ينتج (4) 0وهكذا فهو يفعل ذلك ،دون ادنى اعتبار لاراء الاخرين المغايرة ،حيث يقول موجها كلامه الى (هيلينا )بصيغة الجمع التي تدل على شمولية تفكيره :(هذا العناد الغبي في امر استقلالكن ، وتحرركن ،اصراركن على اشهاره في كل مرة ترين فيها رجلا ،كفاك مغازلة لهذا المجتمع ،00 هذه النظرة التي توجينها لي ، ومثيلاتك بقصد تجريدي من رجولتي، لاتختلف سعاد، شهناز، اولة، ربيكا، هلكت في سبيل ايجاد مبرر مقنع لافعا لكن ،انا المتفهم المساند ، تدهسن اختيالي وتنسفن زهوي (الرواية ص 231  هنا يبرز وبشكل قاطع ، المنطق الفحولي بدلالة اتهامه (لهن) بتجريده من رجولته ،واناه المتعالية بدلالة (انا المتفهم المساند) والنزعة النخبوية /الزعامية بدلالة (هلكت في سبيل ايجاد مبرر مقنع لافعالكن ) والنرجسية المقيتة بدلالة (تدهسن خيالي وتنسفن زهوي )0 وفوق ذلك كله احادية نسقه الفكري السلطوي عبر الاصرارعلى اقصاء  ا لفكرالاخر  ، والمقصود به هنا ا لفكر الرأسمالي  ،والليبرالية الديمقراطية بشكل عام غير مقتنع بشكل عام بعد بان نجم السرديات الكبرى قد افل ومنها الشيوعية بعد انهيار أبراجها العالية وطواطمها العتيدة ،بدءا بسقوط جدار برلين ، وتفكك الاتحاد السوفيتي وتحول دول اوربا الشرقية عن الاشتراكية الى الرأسمالية وتلا شي القطبية الواحدة تحت العنوان الكبير والكاسح للنظام العالمي الجديد0

ومما تجدر الاشارة اليه ،انه وعلى الرغم من مبدئية (رضا) وخطابه الثوري / الاحترابي ،الذي يوحي بانه شخصية قوية ومؤثرة ،الا ان الحقيقة عكس ذلك تماما ، فهو شخصية مهزوزة ،تتحكم بها الغرائز والاهواء ،الى حد  يجعلها عرضة للانتقاص والاذلال ،وعدم القدرة على اتخاذ القرارت بمعزل عن الاخرين حيث يقول : (نهلة 00 هي التي قررت هروبي ،وليس لي لا القدرة على اتخاذ قرار ولانقض قرار00نهلة مع المكان الذي تختاره ، والزمن الذي فرض توقيته )( الرواية /ص 74)0

مما تقدم يتضح لنا اننا ازاء (رجل اجوف) لايملك من نفسه شيئا في العمق رجل لايزال يفكر ويتصرف وفقا لعقلية ايديولوجيا ( السرديات والمرويات الكبرى )في زمن لم يعد لها وجود ا فعليا /مؤثرا ،زمن العالم الذي يتجه نحو التعددية وتقويض المتربولات الايدلوجية المهيمنة ،ليغرد وحيدا خارج السرب ،غير قادر على التخلص من الح￿ين العميق والولاء لعقم ال￿رغم كل الاحباطات والخيبات التي اصابته بسببها ،يقول )يصرخ الجنود :حزب ضيع الحلم ورفاق خانوك يارضا ،ودكتاتور شردك ؟ لكني بقراري تركه – أي الحزب / الوطن – اشبه الولد اليتيم الساخط على اهله والعالم ؟ (الرواية ص 188) 0

عموما ،نلحظ هنا ،ان دنى غالي ومن منطلق سوسيو –سايكلوجي ،قلبت فرضية ضعف المرأة ، ومازوخيتها واندحارها ، مقابل قوة الرجل وساديته من خلال نموذجي : نهلة /رضا .. :ف(نهلة ) التي تحولت بمحض ارادتها الى (هيلينا سابا ) افرغت رأسها من كل ما له صلة بماضيها ، وخصوصا الوطن الذي يمثل لها (جلادا ) لايفرق بين الضحية والجاني واتلاف هويتها بلا ندم يذكر ،بينما (رضا) مازال متمسكا بكل شى وخصوصا الوطن الذي مازال يعاوده الحنين اليه رغم كل شى ، وهو بذلك يشبه تلك الاندفاعة المجنونة للفراشة نحو قلب اللهب ، على الرغم بان المصير من وراء تلك الاندفاعة هو الفناء ،الامر الذي يعود بنا الى مسألة غريزة الموت التي غالبا ما تسيطر على المازوخيين المتطرفين ، فالمعروف ان الساديين ، وتحت وطأة الشعور بالذنب والاحباط والهشاشة يتحولون الى مازوخيين :ان الشعور بالذنب هو الذي يحول دائما السادية الى مازوخية (5) 0

 فالمثقف اليساري المحطم لايستطيع انتزاع فكرة العودة الى الوطن ، مع ان الاجواء المرعبة لحفلات التعذيب التي تعرض لها ما تزال تخيم على روحه ، وصور اشلاء رفاقه المتناثرة فوق اراضي المعارك – ابان الحرب العراقية- الايرانية – لاتفارق خياله وتسميم حياته التي يستأنفها في المنفى ،متنقلا بين احضان النساء ،ومعاقرة الخمرة في حانة تدور فيها سجالات
(البيادق السياسية ) التي تتمثل بثلة من المهاجرين واللاجئين السياسين ، الذين اختارت لهم (دنى )  مكانا هو ( الحانة ) وهو اختيار لايخلو من قصدية ذكية ، تدل على ان هؤلاء اللاجئين ، وعلى الرغم من وجودهم في مكان امن ( الدنمارك) الا ان عقد السنتهم لاتنحل الا تحت تأثير المخدر بفعل الرعب المتجذر في اعماقهم على مدى سنوات طويلة من الاضطهاد ، والقصاص العشوائي الذي يفوق كل تصور وخيال 0 هذا الرعب اضحى علامة فارقة للاجئين العراقيين عموما ، والسياسين على وجه الخصوص 0

 وضمن مسار ، لايقل دلالة وتهكما على الفوضى والمتاهة والاستلاب الذي يلف تلكم البيادق اجترحت الكاتبة مجالاً رمزياً لسجال وحركة هؤلاء الا وهو ( رقعة الشطرنج ) ضمن فضاء الحانة  ، مع منحهم اسماء بيادق تلك اللعبة ، كالفيل ، والحصان ، والملك ، والوزير 000الخ 0

 ان دلالة هذا المسرد ، ماهي الا اشارة ضمنية على ان حركة هؤلاء محكومة بنسق اعلى ، اومثال متعال ، يتمثل بمنظومات حزبية وفئوية وجهوية ، وتجار سياسة ، مرتبطين بـ لوبيات عالمية مختلفة المصالح والانتماءات ، مع بعض الاستثناءات التي تبدو لحنا نشاز في سيمفونية الاوهام هذه – لذلك فأن وجود هؤلاء على هذه الرقعة الرمزية من عدمه ، لايخضع بالنتيجة لاارادتهم الذاتية ، بوصفهم قيما بحد ذاتها ، وانما هي خاضعة لمشيئة النسق واجندته الخاصة ان هذا المسرد ، او تلك الفقرة السردية المهمة – التي تقع ضمن الفصل الثالث للرواية ، التي تتكون اساسا من ثلاثة فصول – لاتخلو من تناص( نقدي ) مدروس مع مثال ( دي سوسير ) في توصيفه للبنية ونسقها بوصفه نظاما متعاليا مكتف بنفسه ، ولاقيمة لاي عنصر يقع خارج مداره الوظيفي 0

 فعلى هذه الرقعة السردية ومجالها الرمزي ، تكشف الكاتبة ، وتفضح ماكان يدور بين النخب السياسية من حوارات عميقة ، وتبادل تهم ، ومخاتلات انانية ، ودفوعات براجماتية ، تحت ذرائع ومبررات تتطاير مع ابخرة الانفاس ودخان السجائر ، والخمرة الاوربية ( ذات المذاق الرأسمالي ) لتطوى بعد ذلك الرقعة ، لتفرش مساء اليوم التالي وفق ذات السيناريو المثير للغثيان : فهناك من يحبذ الوقوف على التل لحين انجلاء الغبرة ، ومن ثم الانقضاض على ( كعكة الوطن الغالية ) وهناك من يحن الى الايام الخوالي ، المتمثلة بعودة الملكية ، وهناك من يحث على مواصلة النضال ، مدفوعا باحلامه الثورية ، وهناك من يخشى – بحدس العراف – ان يجلب التغيير ما هو اسوأ ، وهناك من يقول بالحرف الواحد يائساً من كل شيء: ( الاحزاب بهذله وحكي فارغ..  الانظمة مصالح وقبض فلوس ، الوطن مجرد كلمة غسلت  دماغي من فكرة وطن ، اهل ، عرب ، وغيره ، هنا ، او هناك ماكو فرق عندي ) ( الرواية ص 186 )0

على هذا المنوال ، تنشر ( غالي ) غسيل المعارضة في المنفى ، وتعرض بصبر جميل ، جدل الذات وموضوعها : الذات بوصفها كائنا ، والموضوع بوصفه وطنا ، دون ان تتخلى الذات عن الموضوع وفي نفس الوقت مثول الموضوع / الوطن / التأريخ / الانتماء / كطرف لابد منه لتحقيق معادلة الوجود العادل دون بارقة امل تلوح في الافق  للتخلص نهائيا من هذه الثنائية ، التي لم يعد  لها وجودا الا في اذهان العراقيين ، ومن ابتلو بهذه ( اللعنة الجدلية / الثنائية ) وافرازاتها على الصعيد الوجودي وامتياز المواطنة الحقة ، بوصفها – أي اللعنة الجدلية / الثنائية – مأساة من العيار الثقيل ، استطاعت الكاتبة وعبر تمثيلاتها السردية ذات الطابع الدراماتيكي ، ان تقدمها كما هي وبلا رتوش تزينية ، او مزايدات اعلامية ، او ( تفاصح  ) لاثبات قدراتها الادبية ، وفق تكنيك اعتمد على جملة من تقنيات تيار الوعي : كالمونولوج ،وكسر خطية النسق الزمني ، والبعد الرمزي ، والاسترجاعات بنوعيها : الاستعادي / الاساسي ، والاستعادي التكميلي ، لسد الثغرات ، وتفعيل المناطق الدلالية التي لم تتبلور بشكل واف نتيجة لهيمنة الاولويات ، والركائز الاساسية لاطروحة الرواية من احداث وافكار ومقولات هامة ، والحرص على تدمير أي بؤرة من شأنها ان تكون مركز استقطاب مهيمن  ، وكذلك الاعتماد بشكل كبير على اللغة ذات النمط السردي المحض ، تلك اللغة التي تميزت بالسيولة والتدفق والثراء ، مع تحفظنا على الفائض السردي، وخصوصا في الفصلين الاخيرين ، حيث كان بامكان الكاتبة تلافي هذه الاشكالية من خلال التركيز والتكثيف ، واسقاط المتواتر من المعلومات والاحداث التي تخص الشخصيات الثانوية والرئيسة على حد سواء ، دون الاخلال بالسيروة  السردية للنص ومقصدياته الابلاغية والدلالية ، وباعتقادنا انه كان بامكان الكاتبة تلافي هذه الاشكالية وذلك للخصائص التي تتميز بها على المستوى التاليفي ، كتوافر ( الاحساس ) الذي لاتعدو ان تكون الكاتبة بدونه ، سوى تسجيل او تحرير لوقائع واحداث مجردة من البعد الشعري والاقناع ، وكذلك القدرة اللافتة على السيطرة والتحكم في توظيف المنطوق السردي وفقا لطبيعة الاحداث والتركيبة النفسية للشخصيات ، ماجعل الفضاء الروائي لهذا النص يتلون  باكثر من لون دلالي ففي الفصل الاول – تحديدا – هناك القتامة والاحتدام والضبابية عندما يتعلق الامر  بمسرودات اللاجئين ، ذات النبرة الفجائعية والمناخ النفسي الحزين بالضرورة ، بينما وفي ذات الفصل نشعر بالشفافية والانفراج والخفة ، حينما تاخذ ( المحللة النفسانية ) حصتها في السرد واصفة الطبيعة الخلابة ،والحياة الامنة ، وتفاصيل حياتها اليومية ، عبر نبرة هادئة ولغة تقترب من اللغة الرومانسية واجوائها الدافئة الحميمة ، اضافة الى حرصها – أي الكاتبة – على اضفاء بعد بوليفوني لكسر حاجز الصوت الواحد ، من خلال تباين وجهات النظر ، سواء بين اللاجئين ، المواطنين الاصليين ، ولنا في وجهة نظر(  نينا )الدنماركية – شريكة هيلينا سابا في السكن – خير مثال على ذلك ، من خلال نقدها لنمط الحياة الغربية الراهن ، الذي يكاد ان يخلو من الشحنة الوجدانية والتالف الانساني ، مقابل هيمنة النزعة الفردانية واستحواذ سلطة العمل والالية على مفاصل الحياة برمتها ، كنتيجة حتمية لاليات العولمة على المستوى التقني الذي يعد الابرز والاهم ، مقابل الاهمال للمستوى الانساني على الصعيد الروحي عموما (وبغض النظر عن الفائض والتواتر السردي النسبي ، الذي اشرنا اليه انفا ، والذي يعود برأينا الى هيمنة الجانب السايكلوجي العميق على الكاتبة وافراد عائلتها الروائية )  ...... تعتبر هذه الدراما السردية بأبعادها الجمالية والمفاهيمية ، مؤشرا واضحا لامكانية هذه الكاتبة في اضافة تجربة روائية نوعية للمشهد الروائي العراقي الجديد ، الذي يسعى حثيثا للتخلص من التركة الثقيلة لبعض المسرودات العراقية ذات الطابع الذاتوي من حيث الموضوعة ، والتجريب العشوائي القائم في الغالب على المزاجية وحب الاستعراض التكنيكي وكذلك الانهمام بالترميز الذي يصل احيانا ، حد التعمية ، في وقت تسعى الاشكال الثقافية وبضمنها الرواية للوصول الى (الصورة الواقعية الفنية )،بوصفها مشهدا حيا لتجسيد الاحداث والوقائع وبلورة الافكار في صيغ ملموسة ، والعمل الدؤوب الحاذق على تقارب الخطوط الدلالية لتحقيق الفهم المشترك والتماسك مع مراعاة التوازن الدقيق بين ماهو واقعي ومتخيل لدعم العمل كليا  بالمصداقية والاقناع وماهو ضروري ومهم ، فعلى حد تعبير (نيتشه ) :(اما الا نحلم ،او ان نحلم بطريقة مهمة). (6)

 ****

الهوامش

 * رواية /دنى غالي / المدى  /ط (1) عام 2006

01جرثومة العنف / د0 عدنان حب الله / دار الطليعة /ط (1)/1998 /ص 13

02 الفيلسوف والامبراطورية / د0 فتحي المسيكني / المركز الثقافي العربي / ط (1) 2005 ص9 ( بتصرف)

3- الحداثة ومابعد الحداثة / د0 عبد الوهاب المسيري – د0 فتحي الزيكي / دار الفكر / دمشق ط (1) / عام 2003

4- المازوخية / ساشاناخت / ت 0 مي طرابيشي / دار الطليعة / بيروت ط (1) عام 1983 / ص15
5- المازوخية / ساشاناخت / ت 0 مي طرابيشي / دار الطليعة / بيروت ط (1) عام
ص26
6- العلم الجذل / نيتشه / ت 0د سعاد حرب / دار المنتخب العربي / ط (1) عام 2001 ص 143 ( بتصرف )

 

 ****

دفاتر