ثالوث الخوف والراهن العراقي
حسن السلمان
يذكر الاستاذ عبد الله الخطيب في كتابه(الحضارة وازمة الحرية) ان عالم النفس الامريكي (ب.ف.سكنر) المولود في بنسلفانيا /عام 1904،وصاحب (النظرية السلوكية)علمته عائلته ان يخاف من ثلاثة:الله/الشرطة/كلام الناس. ولايخفى على الجميع ان هذا (الثالوث المخيف) ماهو الا كناية احترازية ذات طابع تربوي لتقويم سلوك الانسان وجعله سويا متحظراً،وملتزماً بتحمل مسؤولياته ازاء ذاته وذوات الاخرين.فالخوف هنا،لايعني الهلع او الارتياع بقدر ما يعني الالتزام الذي يؤدي الى انتهاج سبل لا تخل بطبيعة العلاقة ما بين الانسان وخالقه ومحيطة الاجتماعي وفقاً لمنظومة مرنة من الحقوق والواجبات التي يراعى فيها الظرف التاريخي والسياق السوسيو-ثقافي ،تماشياً مع جدل ومتغيرات النسق الزمني الصاعد بالضرورة،وما تتطلبه هذه المتغيرات التاريخية من اعادة نظر ،وتحديث،وتعديل في بنية القوانين والمعايير والاجندات التي تحكم المجتمع.
وبما ان الامر كذلك ،فينبغي على الانسان ،الالتزام بكل جانب من جوانب هذا الثالوث الذي يمثل هنا:الايقاع الضابط لسيرورة الانسان ،اولاً،وفق ما انزل (عز وجل) من شرائع وتعاليم هادية الى الطريق الصحيح،والسلوك المنظبط،والحوار البناء،والثقافة الانسانية القائمة على التسامح ،ومبادئ العدل و المساواة والحرية،واداء الواجبات بما لا يتقاطع والقدرة على ادائها تجنباً للاكراة والتعسف.كما ينبغي ثانياً الخوف /الامتثال(الشرطة)بوصفها الجهاز التنفيذي لبسط القانون وفرض النظام وتوفير الحماية والامن للجميع .كذلك ينبغي ثالثاً،الاخذ بنظر الاعتبار (كلام الناس)،بوصفة صوتاً نقدياً لتشخيص الظواهر السلبية ،سواء كانت انحرافاً اخلاقياً ،ام فساداً ادارياً او سياسياً..الخ، وباعتبار تأويلات هذا الثالوث ،تعم على حد ما ،الطمأنينة والسلام روح الانسان،ويجتاحه شعور عميق بقيمته الحقيقة ،التي تمثل له حافزاً للابداع والعمل المثمر في مجاله الخاص الذي لا ينفصل عن الفضاء العمومي للجماعة ،كون الانسان كائن اجتماعي في جوهرة كما تذهب الى ذلك بعض النظريات الفلسفية والاجتماعية .بيد ان ما يحصل الان-على سبيل المثال-من سلوكيات وممارسات ومواقف يتبناها الكثير من افراد وشرائح مجتمعنا،تتناقض تماماً مع ذهبنا اليه في امثولتنا السالفة الذكر.فهناك الكثير ممن لم تعد(خشية الله) تمثل لهم شيئاًيذكر .بل انهم وياللمفارقة،غالباً ما يتخذون من اسم الله وما انزل غطاء براجماتياً للتكالب على المناصب،واكتساب المزيد من النفوذ لبسط و تعزيز سلطاتهم الاخطبوطية على حساب المواطن الاعزل الا من الصبر والامل بما ستسفر عنه الايام.والى جانب هولاء،هناك السماسرة والمتاجرين بقوت وثروات الشعب عبر عمليات السلب والنهب،والتهريب والاحتكار والفساد بشتى انواعه،دون واعز من ضمير او (خوف من الله).كما ان هناك الوصوليون،والطارئون الذين اصبحوا مابين ليلة وضحاها (اسيادا اصلانيين) يتحكمون بمصائر الغالبية من المضلومين الذين ،وعلى ما يبدو،ان الظلم اصبح علامتهم الفارقة منذ امد بعيد وما زال.ويقف فوق كل هولاء،شياطين الارهاب ودعاته الموتورين..سواء كانوا اغراباًام (مواطنين) .وتجدر الاشارة اننا لا نعني بالارهاب فقط،القتل على الهويات ،واستخدام الاحزمة الناسفة والسيارات المفخخة التي تحصد ارواح الابرياء ،بل كذلك الارهاب الفكري ،وتكميم الافواه عن قول الحقيقة،واستلاب الارادات،واستغلال عواطف الناس البسطاء وتوضيفها بما يخدم اغراض ومصالح جهة او فئة ما.ويبدو ان قائمة عدم الخوف من الله ستطول لو مضينا بعيداً في البحث عن نتائجها المريرة ،لذا سننعطف الى جانب(الخوف من الشرطة)حسب توصيفنا لهذا الجانب الذي مر ذكره.ففي ظل عدم اكتمال العدة والعددوالخبرة اللازمة لهذا الجهاز،مع نقص السيادة بفعل تواجد قوات الاحتلال وامساكها بالكثير من الملفات الامنية،لم يستطع هذا الجهاز بعد من فرض سيطرته الكاملة على الاوضاع الامنية،وتنفيذ القوانين بحذافيرها وتوفير الامن بشكل كامل.مما جعل المجرمين وضعاف النفوس استغلال هذة الثغرات والظروف المتردية بالعودة الى (قانون القوة) وانعاش شريعة الغاب،حيث القوي يلتهم الضعيف ،او يمتهنه ويسيره وفق ما تشاء اهوائه وغرائزه الدنيئة،مدللين بذلك على انحطاط وعيهم وضحالة بعدهم الانساني،ونوازع ارواحهم الشريرة ،ناسين او متناسين انهم في يوم من الايام ،كانوا يرزحون تحت طائلة هذه القوانين الجائرة التي تستخدمها جميع الانظمة الفاشية.بل ان هناك من لجأ الى احياء روح العصبية القبليةوالنزعة العشائرية،فأحاط نفسة وحاشيته المقربة بأفواج وسرايا من ابناء جلدته،وراح يمارس سلطانه وفقاً لاعراف وقوانين تؤطرها الروح الجاهلية،وثقافة (التغالب) البدوية،عبر انساق ثقافية عابرة،وهي انساق وثقافة تتناقض وثقافة مفهوم الدولة الحديثة القائمة على النظام الديمقراطي وسيادة القانون واستقلال القضاءومنظمات المجتمع المدني.وهناك من انشأ ميليشات تحت مبررات وذرائع شتى لتصبح اللغة الوحيدة للحوار هي لغة الرصاص بلا منازع.اما الخوف من (كلام الناس) وعلى ضوء عدم الخوف من (الله والشرطة)فقد اصبحت مضامينه النقدية التصويبية،مضاميناً لا تأثير لها ،بل هي (مجرد كلام) حين ازاح الكثير من ضعاف النفوس قطرة الحياء،وارتدى السميك من الاقنعة وتظاهر بالصمم،ضارباً بعرض الحائط،حق الاخرين في ابداء الاراء المغايرة،وتشخيصاتهم لنقاط الخلل ومواطن الفساد ،لتكتمل حلقة الخراب في ظل ظروف خارج عن السيطرة،نتيجة العوامل السيئة التي لم تعد خافية على احد..وهنا نحن بانتظار عودة الظروف الى طبيعتها الاعتيادية ليتحقق النظام الذي يعتبر صمام الامان لحياة حرة كريمة ، امنة ،عطفاً على تلك العبارة التي تقول:(سيطر على ظروفك وستجد النظام).
*****