الوحشة مسقط رأس الجنوبي

 

رعد زامل

 

في قراءة عميقة لمعظم نصوص المجاميع الشعرية التي ولدت في تسعينيات القرن الماضي ، يتجلي لنا بوضوح انها تشكل في مستوي مستوي خطابها الشعري ادانة واضحة للحروب هؤلاء الشعراء الذين احترقت اصابعها بنارها واختلطت بدموع القصائد لتنجب نصوصاً منكسرة ولكنها صادمة تدين كل حرب لا يبررها منطق سوي شرارة الاندلاع .
ومن المجاميع الشعرية التي توقفنا علي مشارف دموعها وصراخها واحتراقاتها المتواصله هي ( الاشئ لظهيرتي ) للشاعر حيدر الحجاج الصادرة عن منتدي عين الثقافي لسنة 2006 / وهي الاصدار الخامس لمجلة عين الغراء .
وجدنا ان معظم نصوص المجموعة تفيض بجمل شعرية تشكل في مجري سياقها ادانات لحروب ينوء بحملها صوت الشاعر في كل مكان . تناثرت هذه الجمل الشعرية كالاتي (( حروبك موسيقي / لا يعرفها عازف / معارك الحزن / حروب عديدة / تحفظ قامتنا عن الرياح والحروب/ لثكنات اوسع حجماً من الكؤوس / حروبك العالقة / تشبه ازاميل الحروب / عمت صباحاً ايتها الحرب العالقة/ هذه الذكريات الكياس محدودبة لشاهد حرب / الموائد التي حفلت بحروب عديدة)).
ان هذه الجمل الشعرية المتناثرة في ثنايا المجموعة قد شكلت بتكرارها غير الممل ملامح الصوت الشعري الذي لا يسعه الا ان يواصل انيسابه العذب ويعلن في كل منعطف من القصيدة عن صرخته بوجه الحرب والتي ستظل دائماً علي موعد مع الشاعر في كل قصيدة .
كما ان عنوان المجموعة ذاته (( لاشئ لظهيرتي )) يوحي بالانخذال ، فلا شئ لظهيرتي / أي لا سند ولا نصير . ان جملة النفي هذه تؤكد وترسخ معني الانخذال الذي يحرص الشاعر علي فضحه .
علي ان هذا العنوان ذاته قد طالعنا بمتن المجموعة وهو عنوان قصيدة تكاد تتوفر فيها المساحة الشعرية الكاملة لشاعرنا حيدر الحجاج والتي سوف نتوقف عندها تحليلاً وقرائة .
يبدأ الشاعر قصيدته بتحديد مكانه علي سطح هذا الكوكب معتمداً علي خرائطه الشعرية هكذا ( لدي الوحشة عند قامة / لجنوب الجسد ) انه ينطلق الآن مع وحشة الوطن . والوحشه هنا هي بمثابة مسقط الرأس.
بعد ذلك يدهشنا بجمله فعليه تدل وتؤكد علي معني الانخذال أو المحو أو الطمس او حتي النسيان وهي ( تساقطت بلا دهشة اسماءنا / من شجرة الصنوبر) تطالعنا بعد ذلك جملة شعرية فعليه هي الاخري تؤكد معني الاولي وتتبعها كنتيجة منطقية. (حينذاك / اينعت علي باب القلب قاذورات لاشمس لها ) هكذا ينمو في الظلام كل ما من شأنه ان يسقط الاسماء ، ويستمر انسياب الجمل ليصل في النهاية إلي علة الوحشة والانخذال والتساقط والمحو والعدم الا وهو ( لتبكي بمرارة / الموائد التي حفلت بحروب عديدة) .
يصل مستوي الانخذال لدي الشاعر ذروته في هذه الجملة المتوترة ( المعلم/ والعرب/ ... كبيران / وانا خطأ في الجينات ) هذه الجملة التي تدل علي التشوه هي خطأ الوجود بما تعتصره الحروب العديدة .
يعلن لنا الشاعر ثانيةً عن انخذاله بجمل شعرية مثل ( لا اصدقاء يكرسون وفاءهم / لنحيب يظلل حنجرتي ) وهذه الجمل ترسخ لدينا انخذال الشعر واغترابه الانساني المرير.
ماذا اورثت شاعرنا الحروب بعد ذلك ( كل هذا الارث الثقيل من المناديل) وفي هذه الجملة تقترب مفردة ( المناديل) إلي ( مسح الدموع ) والتي هي الأرث الوحيد الذي تركته الحروب.
بعد ذلك يكشف الشاعر القناع عن خطابه الشعري وتاخذنا الدهشة بجمل مثل ( ليس الجنوب الجسد ) والتي يفهم عنها ان الجنوب الوطن الذي عبثت بذاكرته السكاكين ( هذه السكاكين الموغلة بمحطات طاعنة / لفقدان الذاكرة ) علي ان فقدان الذاكرة هنا هو طمس ومحو آخر اونسيان / عدم من نوع اخر يسمي الشاعر إلي ترسيخه في ذهن المتلقي.
بعد ذلك يعلو صوت الشاعر ليعلن عن خرائط ومكامن الوحشة ليس علي ارض الوطن فحسب بل علي جميع بقاع ا لعالم المنتهكة جهاتها ودموعها ودماؤها . فيقول : ( جنوب الوجع المستديم / لكل بقاع الارض/ جنوب الوحشة والغروب ). تلاحظ ان القصيدة هنا تحافظ علي مسارها علي مستوي الخطاب المدعوم بصور شعرية متلاحقة .
هل يظل الشاعر منزوياً ، عارفاً بعله الخطأ / التشوه ثم لا يقوي علي الاعلان عن . هل يظل صوته منكفئاً إلي الداخل وهو يطوي لسانه حرصاً علي اوتار الشجرة . هل يكتفي بالايحاء دون الاشارة الواضحة . ام انه سيواصل مهمته التنويرية باعتبارة الفاضح لكل زيف والثائر بوجه كل ليل . ان الجواب علي مثل هذه الاسئلة المتلاحقة يكمن في المقطع الشعري الاخير الذي تنتهي به القصيدة والذي يعلن فيه الشاعر عن موقفه بجملة المستقبل ( سأقف لدي الوحشة / طويلاً) هنا يقف الشاعر ليعلن بصراحة عن بصيرة وهو يدحرج صخرة الشعر إلي قمة الوظيفة فيقول ( واقول : لا شئ لظهيرتي / سوي عراب قذر/ وحياة متعفنه / تطيح بحياتي).
اترك تحليل المقطع الأخير للقارئ، واميل هنا إلي وصف سريع لمجمل نصوص المجموعة . يتصح لنا من سياق هذا النص ومن غيرة ان جمل الشاعر مترابطة متماسكة ياخذها انسياب فطري / عفوي ينم عن صدق المشاعر واحتدام العاطفة لدي الشاعر وكذلك يدل علي غني الذكرة بصورة جميلة يعمد الشاعر في نهاية المطاف إلي رسمها بدماء القلب ودموع الروح لتشكل لنا اصابعه الشعرية لوحة من الكلمات يلونها الجمال ويؤطرها الشعر بلا قيود
..

***

دفاتر