الصرير» مسرحيات قصيرة ليوسف العاني: دروس الوحدة
صفوان
حيدر
لمن «ما زال يبتسم
الصديق»؟ لمن «تدق الساعة»؟ لمن «اللعبة الموجعة»؟ لمن «صرير
الباب»؟ لماذا «يتحدى المجنون القدر»؟ أسئلة خمسة يحاول
الرائد المجدد والمطور للمسرح العراقي يوسف العاني أن يجيب
عنها في كتابه بعنوان «صرير الباب» ـ خمس مسرحيات قصيرة ـ الصادر
مؤخراً عن دار المدى، سوريا، في هذا العام ,2008 فهي طبعته الاولى.
انها مسرحيات قصيرة (ذات فصل واحد) أدبية إنسانية سياسية
وجودية تختصر الابعاد المتنوعة للمسرح العراقي المفرق
تاريخه في صيرورة الزمن المتغير والمتحول باستمرار وتأتلق بقلم يوسف
العاني الذي تجاوز عتبة الثمانين وبقي الشاهد الأبلغ والرائد
والأنقى والراعي المجدد للمسرح العراقي المعاصر منذ بدايات
النصف الثاني للقرن العشرين وحتى مطلع القرن الواحد
والعشرين.
أبعاد مسرح العاني
تتناول أبعاد مسرح العاني البعد
الإنساني ـ السياسي في مسرحيته «صديقي الذي ما زال يبتسم»، فتعايش
قصة أديب مناضل يحيا في سجن في القاهرة، ويمتلك روحاً عالية
وذكاءً مفرطاً ووعياً عميقاً، انه يعاني عذابات السجن
السياسي مع رفاقه وأصدقائه من الأحرار المناضلين. لكنه يعيش في
السجن مبتسماً، وتعيش معه زوجته خارج السجن، تنتظر مع ابنتها عودة
الحرية الى العائلة. أما البعد الثاني لمسرح العاني فهو
البعد الوجودي ـ الزمني ـ التاريخي ـ السياسي الذي يعيشه
المسافرون المنتظرون في محطة القطار، بعدما توقفت فيه ساعة مجيء
القطار. انها مسرحية «الساعة» التي تتجلى فيها عبقرية العاني
المشهدية ـ البصرية، ويتجلى فيها عمق ثقافته التنبئية بما
سيصير إليه حال التاريخ اذا توقفت ساعته عن الدوران. أما
البعد الأخلاقي الساخر المضحك المبكي والسياسي ايضا فيقدمه العاني في
مسرحيته القصيرة «اللعبة الموجعة» التي تحكي قصة رجل أراد أن يجد
صنعة تميزه عن الآخرين وهي ان يتقبل الصفعات من «البكوات»
والموظفين، شرط أن يدفعوا له المال ثمنا لكل صفعة. انها
شخصية رجل كان موجوداً في بغداد في بداية الخمسينيات، وجوداً
حقيقياً. لم يضحك العاني منه أو عليه. بل بكى عليه ووقف في صفه
مدافعاً عنه ليكون محامياً له حين وقع في فخ السلطة. أما
البعد الثالث الذي يجمع البعدين الاولين فيتجلى في مسرحية
«الصرير» القصيرة الانجح والأعمق بمعانيها الإنسانية المنفتحة على
جميع الأبعاد. انه «صرير» الباب بما يحمله الباب من تفسيرات. في
هذه المسرحية يتركز الحوار الدقيق الخالي من الزوائد
والحشو، معتمداً على البساطة والوضوح من غير أن يسقط في
السهولة المسطحة والعبارة المعلومة والصورة المعروفة واللغة الثرثارة. ان
قدرة العاني على تشخيص الشخصيات، تنبع في هذه المسرحية، كما في
سائر المسرحيات الاخرى، من سر تعامله مع اللغة اولاً، أي من
سر تعامله مع الحوار المسرحي اللغوي، ولا تنبع من تأثيرات
العناصر المسرحية الاخرى (المكان، الحراك) التغير المشهدي،
الديكور، لغة الجسد، الاضاءة، أو الازياء والاقنعة. وهكذا، يقترب نص هذه المسرحية،
كما سائر نصوص المسرحيات الاخرى ذات الفصل الواحد، من سردية القصة
القصيرة حيث لا ازدحام بالشخصيات ولا توزع في الزمان
والمكان. في مسرحية الصرير هناك شخصيتان فقط، ومن خلالهما
نعرف واقعا اجتماعياً يشكل هذا النص ملامحه الخاصة، ويحدد رؤيته
الجادة. اذ يعالج هذا النص «الصرير» موضوعا يمر به العراق اليوم
وكل بلاد من بلدان العالم (مع ان هذه
المسرحية كتبها العاني في مجلة «الأقلام» العراقية في نيسان من
عام 1987). هنا يلتقي الصوت المكتوم للرجل المستوحش والوحيد علانية
بصرير الباب، فيدرك الرجل الوحيد وجوده. ان الدفاتر والكتب
والطائرة والشمس، كلها عناصر حياة تملأ زمن رجل ترك الوظيفة
متقاعداً بعد بلوغه الستين من العمر. وحين يفاجأ بزيارة
زميلة له، ندرك أي معنى تعطيه العلاقات الإنسانية القديمة من أنس وفرح وتواصل. هكذا
تتجدد الذكريات الجميلة للماضي. ونعرف ان الزميلة لهذا المتقاعد
تعيش هي الاخرى وحيدة... بعد أن أصبحت جدة.
التآلف مع الأشياء
يبدو واضحا من قراءة هذه
المسرحية وسائر المسرحيات الاخرى في هذا الكتاب، كيف ان يوسف
العاني يمتلك تجربة طويلة في التأليف المسرحي باللغة
العربية الفصحى وبالعامية البغدادية. انه يدرك تماما كيف
يستخدم الفصحى ومتى يستخدم اللهجة العامية. فخبرته كممثل ناجح منحته فرصة
تحديد هوية الشخصيات في جميع المسرحيات التي كتبها بحيث يدرك طريقة
نطقها وطريقة تعاملها مع الآخرين. كما ان العاني يمتلك
إحساساً عميقاً بوجود الاشياء (ساعة يد، أو بابا، أو
صريراً، أو رسالة، أو زهرة، أو طاولة، أو نافذة أو كتابا، أو قطعة
نقود، أو صفعة، أو مواقف شخصيات). لقد استطاع العاني ان يتآلف مع
وحدته ومع الاشياء المحيطة به.
دروس علم
النفس
أما المسرحية التي تتصدر الصفحات الاولى لهذا
الكتاب فهي بعنوان «مجنون يتحدى القدر». كتبها العاني في عام (1949) ولعب فيها
العاني دور المجنون آنذاك. كان العاني يعاني آنذاك آلاما وأحزانا وتساؤلات يطرحها
على نفسه، كان يشعر انه بحاجة الى حنان الأم، وقد فقد العاني أمه حين كان في الصف
الثاني الابتدائي. ثم فقد ابنة أخته التي ربته صغيراً حتى وصوله الى طالب في كلية
الحقوق في بغداد. أما الدروس التي تلقاها العاني في علم النفس من فم الاستاذ أحمد
محمد خليفة الذي شغل منصب رئيس المركز العربي الاقليمي لبحوث العلوم الاجتماعية،
هذه الدروس، أوحت للعاني بشخصية مصابة بمرض الكآبة تتمثل الاشياء الوهمية وتراها
أمامها. بينما هي غير موجودة إلا في مخيلتها. وهكذا تكونت عند العاني شخصية المجنون
الذي يحاسب من تسبب في مأساة إنساننا العربي. وهكذا تكونت شخصية القدر المسبب لهذه
المأساة. لم يكن العاني يعرف آنذاك مسرح اللامعقول. ولكنها واحدة من أشهر مسرحيات
اللامعقول المبتكرة باللغة العربية آنذاك.
الهزل المر والأسود
لا شك في أن
يوسف العاني منذ بدايات كتاباته للمسرح وللتلفزيون وللسينما العراقية وحتى بداية
الاحتلال الاميركي للعراق، لم يكن يفكر إلا باصطياد الأفكار التي تمس الناس من قريب
أو بعيد. والعاني، في كل ما كتب، سخر من واقعنا العربي العفن والمهترئ والمرفوض
ويشير إليه بشيء من المبالغة كي يقرّب الصورة ويرسم التناقض بين ما هو كائن وما يجب
أن يكون. خالقا حالة من الهزل المر في أكثر من موقع أو موقف. هكذا توّج العاني نفسه
رائداً للكوميديا السوداء باللغة العربية الفصحى ليس فقط في العراق بل في أرجاء
عديدة من المشرق العربي. ويوسف العاني، رغم نشأته العصامية المحزنة، وعمله شابا في
التمثيل، ودراسته الحقوق، لم يكن في ثقافته العراقية الشعبية العميقة الجذور أحاديا
أو منغلقا على العالم، بل انه منذ عمر الثلاثين تعرّف الى مسرح برتولت بريشت، وزار
ألمانيا الشرقية وتواصل مع حركة المسرح فيها، بالاضافة الى انه اطلع على أبرز معالم
المسرح الانكليزي والمسرح الروسي والاسباني والفرنسي، كما أنشأ علاقات ودية مع رموز
المسرح والتمثيل العربي في مصر وسوريا ولبنان والمغرب العربي الكبير. وبقي العاني
مواكبا للتطورات التي شهدتها الحركة المسرحية العربية واللبنانية خصوصا منذ
الخمسينيات حتى أواخر التسعينيات. لذا نقولها بالفم الملآن، تحية من المسرح
اللبناني الى يوسف العاني في عامه الواحد والثمانين. ونتمنى على دار المدى أن تنشر
إسهامات العاني الكتابية، وخصوصا الكوميدية السوداء باللغة العامية العراقية،
وتحديداً إسهاماته في السينما العراقية والتلفزيون العراقي ولو ملطفة بمزيج من
الفصحى والعامية العراقية، كي يفهمها القارئ العربي من الخليج الى المحيط، لان ذلك
القارئ العربي هو الذي «ما زال يبتسم له الصديق»، وهو الذي «ترن له الساعات» في
أيدي المسافرين، وهو الذي ما زال «يتلقى الصفعات» منذ عدة مئات من السنوات.
***
السفير