"الأعمال الشعرية" لوديع سعادة


وصال الصمت

 

شادي علاء الدين     

 

 

يكنز صمتاً طويلاً. يفلشه على امتداد دواوينه لغةً لا تنضب. ينحاز إلى الصدوع والشقوق والخيانات فيظهر دوماً متخلصاً من الأسلاف. يلمع وديع سعادة في "أعماله الشعرية" الصادرة حديثا عن "دار النهضة العربية"، متوّجاً باللعنة. فهو حرص منذ بدايته على أن يكون قريناً للبئر، وان يصدر عنها كصدى لا ينسخ الصوت ولكن يكثّره. يحوّله طبقات كتابة تتغذى من تحولاته وتنشرها وتكثفها وتعمقها ثم تبددها في فضاء عبث مهرج.
لا يضيع وديع سعادة بين الأساليب، فاللحظة هي منهجه الذي ينكتب من دون مرور الزمن، لذا لا مكان للعناية والتدبر. هناك بداهة ترقى إلى منزلة الغريزة فتمنح اللحظة نفسا ممتدا معزولا عن الزمن، مع أنه يسكنه. نحن في المُفارِق الذي لا يعني مثوله في العالم انه منه، فهو يحضر ليشهد ويرى ثم يختار عماه الخاص ليبصر ما خلقه بنفسه دون سواه.
لا يكتب وديع سعادة عن الكارثة بل منها وفيها. ليس للكارثة أدوات فهي على هولها بلا حيل. تحضر فقط من دون تأويلها، لذلك فإنها سلطة الذهول. لا يسمح الذهول بعبور الكلمات لأنه ليس صمتا خالقا بل محض جمود.  لا بد إذاً من تقشير الكارثة واستخراج كل عصيرها من الالم لصناعة صمت آيل الى الكتابة ومكابدة العدم الخلاّق المبتكر.
نقع على نزيف يتملى ذاته في مرايا عابثة وساخرة. يعلم أن عليه إعادة تركيب الجرح بطرق عديدة تُدخل الدلالة إلى قلب الحركة كبنية توحد. هكذا تطلع بلاغة الصدوع وتنتشر.
لا تنشدّ كتابة سعادة نحو الموت بل تكتبه من دون أن تكونه. إنها دوما في قلق العتبة وفي ارتجالاتها المذهّبة التي ما إن تقع في الوصول حتى تتبدد. لذا لا تغادر وضعية الشدّ ولا تبرحها. هكذا تكون لعبة الكتابة عبارة عن رعب يفكّر. ألم يعلن هوبز ببساطة متناهية ان الخوف هو الشغف الوحيد في حياته؟! كل الطقوس تتكاتف في هول يُعنى بتدبير الصمت وإنشاء العزلات التي يحرس فيها الموت أسراره المدفونة في إيماءات  الشاعر. تتوالى الإختلاجات الخالقة ناسجةً سرد الغبش ومتونه.
نحاول في ما يأتي رسم خريطة الظلال.

"ليس للمساء إخوة": الفراغ العاري

يحاول الشعراء عادة في دواوينهم الاولى تقديم بيانات شعرية صاخبة واتهامية وحادة. كانت فترة كتابة هذه القصائد الاولى والتي تسبق فترة نشرها بزمن طويل مناسبة لإظهار هذه الروح من دون أن يكون ذلك مستهجنا. كان جلد الذات مطلوبا ومرغوبا في تلك الفترة التي تلت هزيمة حزيران 1973، وقد مارس هذا الجلد معظم الشعراء، الكبار منهم والصغار، الحداثيون والتفعيليون، مناصرو قصيدة النثر والمتعصبون للقصيدة الكلاسيكية الموزونة المقفاة.
يأتي ديوان وديع سعادة هذا، في ظل هيمنة هذه الأحوال فكأنه يصدر عن وعي غريب. فهو لم يمارس جلد الذات لكنه نفاها وأقصاها، كأن الموضوع ينتفي بانتفاء الذات التي تحضنه فلا يعود ممكن الوجود بل مجرد وهم، لا يستطيع التجسد بهيئة حدث صادم ما لم يعثر على  تصنيف يدرجه في هذا السياق ويؤكده.
يقترح الشاعر الغياب كصيغة مقاومة وهو ليس غيابا هاربا ومنسحبا بل هو غياب يتأمل. غياب يقرأ ويفكر، وفي هذه الآونة يمارس نشاطا عكسيا يتيح له أن يكون فعلا كاملا يتنامى في الشظايا. يقول الشاعر: "انكسرت في يدي زجاجة العالم". بيان الشظايا هنا يتسع ليحيل الفعل على قوة مجهولة فينفي الشاعر عن نفسه القدرة على القيام بالفعل وصناعة الحوادث لكنه لا يكون في موقع الخاضع لسلطتها. هو دائما صاحب الوصف وسيده. هو من جعل العالم زجاجةً، بمكر مشهود، وهو بنفسه من استحضر القوى الفائقة والغريبة ليدعها تقوم بفعل الكسر. هكذا يجد مادة كلامه من المراقبة. من قال إن المراقبة ليست سلطة؟ يسوق في مكان آخر من الكتاب نبوءة قاسية: "ستثقب المحيطات بدلاتكم/ وتبحثون عبثا عن إبرة الشمس". لا يترك زمن اللعنة في الحاضر بل يدفعه بقوة الاستقبال في السين ليتحول إلى مصير. يُحضر الشمس لكي تنير اللعنة وتجعل سوادها واضحا وباهرا. فبعد أن ينفي إمكان الخروج حيث "البدلات المثقوبة لا تستطيع مقارعة محيطات الظلام"، يلجأ إلى سخرية قاسية. يُحضر الشمس ولا ينفي حضورها لكنه يختصرها في جزئية دقيقة وميكروسكوبية ثم ينفي القدرة على العثور، ليس على الشمس ككلية ولكن على هذه الجزئية فقط.
يهدد: "سأخرج فارغا/ وبرصاصة وحيدة أطل على الصمت/ هذا الهدف المتراقص ابدا". يندمج الفراغ والعري بحيث يحيل كل منهما على الآخر بقدر ما يلغيه ويحل مكانه. فالفراغ يعني غياب الجسد والعري هو حضور الجسد في الفراغ، أي في الاصل حيث لم يكن سواه. لذا يكون هذا الخروج العاري المدجج بالفراغ إعادة إنتاج للبدايات. هكذا يكون الجسد علامة تفضي إلى غاية قصوى هي معانقة ما وراء البدايات. رصاصة اللغة الوحيدة التي يمتلكها الشاعر لا تتيح له سوى فتح ثقب يتلصص منه على هذا العالم المعنون صمتاً مطلقاً من دون ان يستطيع معانقته. انتحاره باللغة لا يعطيه من الحجم سوى ذلك الثقب الشفاف المصمم بدقة ليتطابق مع حجم الرصاصة.

"المياه المياه": سفر التيه

كانت الأعمال البحرية التي لا تنبني على أي مصادر وثيقة وتكتفي بالإعتماد على النجوم، تعتبر نوعا من الإرتهان للشيطان. كان التجلي الواسع لذلك الإمتداد الضخم من المياه يمثل نوعاً من المكنون الرمزي الذي يتكثف فيه الحضور الشيطاني المظلم.
عالم الشك المائي هذا، تعامل معه العالم العاقل على أنه مصدر لقوة تكتسح بقدر ما تطهّر. لذا كان المجانين يسلّمون إلى البحارة ليذهبوا في رحلة لا تنتهي.
هناك تماثل إذاً بين شيطانية المياه وشيطانية عقل المجنون. فكما أن المياه هي في حالة سريان وتدفق دائمة، كذلك عقل المجنون لا يتوقف عن إنتاج مواضيعه.  الجنون إذاً هو عي مطلق منفتح على ذاته في عملية إعادة تركيب دائمة للمعنى تتمركز في وضعية التسليم المطلقة لتبدد اليقين.
أوضح ميشال فوكو هذه المسألة بقوله إن "المجنون المحتجز داخل مركب لا يستطيع فكاكا منه، قد سلّم أمره للنهر ذي الأذرع المتعددة، وإلى الماء ذي السبل المتعددة. إنه يسلّم نفسه إلى عالم اللايقين الرهيب الموجود خارج كل شيء. إنه مسجون ضمن السبيل الأكثر حرية والأكثر إنفتاحا: "إنه موثق بشدة إلى الملتقيات اللانهائية. إنه بؤرة المرور بامتياز، أي أسير العبور، والأرض التي سيحط فيها تجهل عنه كل شيء، تماما كما لا تعرف اليابسة التي تطأها رجلاه من أيّ أرض هو آتٍ. فلا حقيقة ولا إقامة له ولا وطن إلا في الإمتداد الخصب بين البراري التي لا يمكنه  الإنتماء إليها".
إنطلاقا من هذا الترسيم الفوكوي، يمكن أن ننفذ إلى قلب لعبة وديع سعادة في هذا الديوان، فهو يعلن: "أرفرف/ لا لأن هذا قفص أو غابة/ بل لأن الريح تضربني/ الهواء كثير والأجنحة مستجيبة/ لكن/ بقاع كلها هذه البقاع".
يبرز هنا الطابع القدري لحركة الجنون بوصفها تصميما إراديا للتخلي عن الإرادة. فلا رغبة للجنون إلا ممارسة نفسه، وبذلك تكون حركته كلها ذات اتجاه واحد، يتمركز ويتكثف في الإنسحاب الدائم من العقل وعلاقاته ومن الإرادة وإلزاماتها لمصلحة الإنسياب البارد والدافق لفكرة التسليم. لكن الجنون لا يسلّم نفسه إلا لما يشاكله. لذا تحضر الرياح فتصير الإستجابة ممكنة لأن هذا السفر كله ليس وسيلة بل هو الغاية في ذاتها (بقاع كلها هذه البقاع). إنه سفر للبحث عن السفر.
الجنون هو انتباه دائم للسهو، والعالم هو سهو دائم عن الإنتباه. لذا، فإن ظلام الجنون ليس سوى تدبير لتلك المحيطات الهائلة من اليقظة الساهية ومحاولة إدارة علاقاتها من داخلها. تحضر الخيانات كلها لتنسب كل الأفعال والحركات الى نوع من عبث شيطاني لديه دائما كلامه الآخر الذي يحتاج، لكي يكون، إلى تصفية ذاته الشبكية من كل أدران العقل واليقين.
يعلن الشاعر: "الشبكة/ تصفي نفسها من الملح/ ماذا ينفع ان أرمي محبتي على الماء/ أن أعرِّض ملائكتي للأحلام/ ليلي للملائكة/ أن أفتح إناء عشقي/ وأفسد سهوي/ الزمن يشفي وجهه/ ببطء/ ويمسح الشوق عن شواطئي".
أليس الشعر جنونا يجرح وجه الزمن العاقل والقاتل؟

"رجل في هواء مستعمل يقعد ويفكر في الحيوانات": التفاصيل المريضة

العين في مرض التفاصيل هي عين منتبهة على الدوام لكنها محاصرة أيضا بالرغبة في عدم التصديق وفي النظر إلى شيء آخر غير ما هو مطروح أمامها. لذا ترى من ناحية وتعمى من ناحية أخرى، وبين النظر المباشر والعمى المقصود لذاته تتكاثر التفاصيل المريضة كشهود فقط وليس كوقائع. إنها مادة متاحة مبذولة لكنها لا تستطيع أبداً أن تكون العالم.
تتبع اللغة هذا المسار الخيطي بانيةً سياقا تصويريا يحضر فيه كل من العيان والعمى المتحول إلى حلم ينسج هامشا ذهبيا لتقيم فيه العبارة التي لا تصف ولا تحلم بل ترغب، والذات الراغبة هي دوما ذات كلية ممتلئة بأحوالها، ولذا فإنها دوما قابلة للفيض. يترع الشاعر ذاته بالصمت ويتركه يفيض ويحتوي مرض التفاصيل ويخترقها. بيانه واضح: "إنه رمل مشبوه/ تحت سماء حقيقية/ وشاعر يقدم برتقالة رأسه/ بقليل من الكلمات لأول بوهيمي./ رجل آخر/ يحاول كتابة القصائد/ وأمطار غزيرة". الرمل مشبوه لأنه يمس ويمسك، والسماء حقيقية لأنها متعالية. الشاعر لا يملك الكلام بل يستجدي الكلام ممن يمتلك بعضه، وهو البوهيمي، الذي هو الشاعر الفعلي الذي يمارس الشعر ولا يهتم بكتابته وتوثيقه.
رجل آخر يدخل في محاولة الكتابة وهو ليس شاعرا.
نلاحظ أن كلا من الشاعر والرجل قد تُرك بلا تعريف، فكانا في حالة النكرة. لذا هما كائنان وهميان غير قادرين على صناعة الكلام. الوحيد الذي يستفيد من وضعية النكرة هو البوهيمي لأنه يمارسها. فحياته تقوم على التزام أن يكون نكرة، لذلك كان له الكلام في امتناعه من أن يعرف ومن أن يشار إليه.
تقدم الطبيعة ديكورا للصمت في أمطارها الغزيرة التي تغسل رائحة الكلام الممتنع وترفع اعلام الصمت المنتصر.
هكذا يكون الصمت بيان التفاصيل المريضة.

"مقعد راكب غادر الباص": تركيب الفراغ

لقد غادر الراكب الباص، نعلم ذلك، ونعلم أن المقعد الذي كان يشغله قد أصبح فارغاً. لماذا إذاً يصر الشاعر على أن يجعل الكاميرا تلتقط المقعد الفارغ المنسوب إلى من غادر ما لم يكن الأمر محاولة لتصوير الفراغ والتقاطه في لحظة عري كاملة حيث يكون الكائن الإنساني (الرجل) متماهيا مع الشيء (المقعد) في لحظة دلالية توحدهما تحت راية الفراغ؟! فلا صفة للرجل سوى أنه مغادر، ولا صفة للمقعد سوى أنه فارغ. هكذا لا يكون الوصف جزئيا بل هو تعبير عن كامل ماهية وجود كلٍّ من المقعد والرجل المختصرة والمكثفة في مفهوم الفراع الذي يمثل الديوان محاولة حثيثة لمدحه والاحتماء به والسكن فيه.
الانحياز إلى الفراغ هو في الحقيقة انحياز إلى البسيط الذي لا يتجزأ ولا يصيبه التلف، والذي قدمت الفلسفة القديمة مثالا عليه النقطة الهندسية غير القابلة للقسمة. تكون في آن واحد مكانا للفراغ ولوجود محمي بعدم إمكان اقتحامه واحتلاله لأنه غير صالح لان يكون محلاً لشيء.
يمارس سعادة في هذا الديوان رحلة نحو البسيط لانه النقي والبديهي والاصلي.
يركب العالم في الفراغ فيمتلكه: "أحلام/ بعد منتصف الليل/ في قرية./ عابر في شارع بسيط/ فيه دكان/ ونقطة بعيدة/ أعتقد أنها مقعد"، "يتدفق بعيدا/ ناظرا صوب حياته مثل حريق/ شب فجأة في نزهة،/ وينحدر ظله/ يوقظ بضع نسائم على التلة/ وينحدر/ في قرية مجهولة/ قرية مجهولة تماما/ لا يشعر بها سكانها حتى باللمس"، "ممالك بيضاء تغني على النوافذ/ أبدية في الممشى، أبدية مربوطة بخيط/ ونرجع الكرسي قليلا ليمر الهواء،/ وداعا/ وداعا أيها الله".
النقطة ليست مقعدا. إنها وهم رجل، ووهم مقعد، والقرية التي لا يشعر بها سكانها هي الفراغ وقد ارتدى هيئة قرية، والأبدية المربوطة بخيط ستهرب حتما ويبقى الخيط علامة ومكان إقامة للبسيط المنتصر والمنشود.

"بسبب غيمة على الارجح": إفلاس الحوادث

كل ما ينشأ عن الغيم من حوادث، يحمل سماتها ويكون دائما محلا للظلال. يبدو الشاعر في هذا الديوان كأنه يحاول ان يقول إن الكتابة هنا والحوادث التي تذكرها إنما هي من نسيج الغيم. لذا لا مجال للبحث عن أي مرجعية ولا عن محطات انطلاق أو وصول. لقد مسّ القطارات سعار وها هي تنطلق منحرفة عن سككها بلا أيّ اتجاه او هدف. التفاعلات التي تتم بسبب الغيم هي أفعال للغيم نسبتها وأحوالها، لذا فإنها تكون دائما في العبور المستمر وفي الرحيل.
لا مجال للتأريخ أو للتوقف او للإقامة أو للرجوع. الغيوم التي يتعامل معها الشاعر كطلل معاصر فيقف عندها لا تهبه سوى لحظة خاطفة، وعليه أن ينجز في هذه اللحظة كل شيء. ماذا يقول في هذه الوقفة البرقية، وكيف يتم الكلام؟ يقع الشاعر في المعضلة لكنه يحرص على ان يبقى فيها. فهو يعتبر أن كل ما هو فيه وكل ما يكابده الكلام وتعانيه الصور إنهاكات دائمة تحولها إلى خطاب لهاث، إنما هو "بسبب غيمة على الأرجح".
 
السؤال إذاً هو عن كيفية صناعة شعرية الجمود. هل إذا حرّك هذا الجمود يكون قد أخرجه عن أصله وحوّره ليكتبه، أم أنه يضعه في حال يتماهى فيها مع ضده ليظهر معناه؟
يختار الشاعر صيغة مغايرة، فهو يجعل من إفلاس الحوادث هدفا تتجه إليه الحوادث كلها لتكونه. يقول في قصيدة "الموت، فجرا": "يفتحون أبوابهم قبل ان تطلع الشمس/ يفتحون الدرفتين/ لتدخل الشمس كلها./ النسيم في الفجر/ سقيُ الزهور في الفجر/ حبّ الحياة فجرا،/ وفجرا/ دخل شعاع من بين خشب الباب/ وصنع زيحا ابيض على رموش مغلقة". تتجه الافعال والمشاهد في هذا التركيب في مسار تصاعدي حركي لتتوج في الخاتمة بوضعية مقفلة فيكون الشعاع المباغت مفارقة مرة لأنه لا يستطيع سوى ان يرسم علامة توضح الموت وتضيئه وتلمعه. لا مجال لظهور الثنائيات. لسنا أمام التعارض التقليدي بين الحياة والموت، بل أمام حياة الموت التي تحرص دائما على أن تترك بعض البقع الصالحة للتأويل بالغيم. أليس هذا الزيح الأبيض المنتشر على مساحة الرموش المغلقة بعضاً من تحولات الغيم البهلوانية؟! أليس حادثة تبدو دائما مفلسة لانها دائما تؤجل كلامها الذي يسرق الشاعر بعض ظلاله ويكتبها؟!

"محاولة وصل ضفتين بصوت": كتابة الصوت

الحياة ضفة ثرثارة. كذلك هو الموت. هما ذاكرة تتذكر نفسها باستمرار، لذلك فإن محاولة وصلهما بالصوت هي محاولة البحث عن اسلافهما.
الصوت هو الحالة الأصل التي تكوّن منها الوجود. قبل الحياة وقبل الموت كان هناك الصوت، ومن ثم بزغا إلى الوجود. الصوت هو الأولي، هو الأصلي، ولقد تم فصله بقسوة عن ولديه الحياة والموت، تحت وطأة التاريخ والعلم، وتحت ظل السلطة المطلقة التي تفرضها اللغة على الفكر فتجعل إمكان حدوثه مرتبطا بها.
يحاول الشاعر العودة إلى ما قبل اللغة حيث كان الوجود صوتاً، وحيث لم تكن الأشياء والموجودات قد تمركزت بعد في حيز الاسماء، ولم تدخل في سجنها. كان الصوت يستحضر الحاجات والرغبات من دون حدود. كان كل شيء مباشرا ومطلقا. لم يكن هناك إدارة أو تقنين بل انسياب وانسجام.
"
إنهما الآن هنا، الذاكرة التي أوصدت وراءها الباب، والنسيان الواقف على العتبة. هنا يتحلقان حول طيف روح، سقط الروح من النافذة ولاقاه طيفه إلى الباب".
إذا كانت الحياة ذاكرة والموت نسياناً، فإن الشاعر يصلهما بروح تسقط فتتحول إلى صوت فتنتشر. هكذا لا تنتمي إلى أيّ واحد منهما بل فقط إلى نفسها وإلى طيفها الذي ينتظرها أمام أبواب البدايات الأولى.
يعزّي موته بأن يعده بالتحول إلى صوت ضحك: "العدم فسيح. تستطيع أن تمد فيه ضحكتك إلى الأبد".
هذا الموت الذي كان وصفه بأنه يتسع لكل شيء حين يتحول إلى صوت ضحك مفلوش على مساحة الأبد، لن يكون إلا عدما ساخرا بلا بداية ولا نهاية. إنه الشاعر في وجوده المشتهى.

"نص الغياب": سيرة المحو

تتطلب الكتابة حفلات إعدام لكل ما تحلّ فيه الحياة من مكان وزمان وأحوال عادية ومألوفة. لذلك تتركّب الحياة خارج زمن الكتابة ومكانها. العلاقة بينهما هي علاقة نفي، فمن غير الممكن ان يتعايشا. فحياة كل منهما تتطلب موت الآخر. ماذا يفعل الشاعر الذي يعيش في الكتابة إذا شاء العيش في الحياة؟ عليه أن يقتل الكلمات لكي يحيا.
يعلن وديع سعادة في اكثر من مكان من قصيدته إنها الكلمات الأخيرة... وها أنا أهجرها، وهي تحتل  كامل مساحة الديوان. الكتابة موت. الشاعر يعيش إذاً بواسطة ما يقتله. ما يكتبه دوماً هو محو ذاته وتبديدها، وبذلك تتركب علاقته مع الحياة من ذلك التوق إليها وعيشها في الذروات وكأنها دوما في وضعية الخاتمة. هذه الإقامة في النهايات، تتطلب دفعا مستمرا للانتقام من الحياة من خلال تكثيفها المفرط في شحنة كتابة تلغيها فور كتابتها. يعيش الشاعر بين هاتين اللحظتين، لحظة الكتابة ولحظة إعدام الحياة، راسماً سيرة محو لا تملّ من تكرار ذاتها. كل كلام يتجه إلى أن يكون كلاما أخيرا يمكن من خلال محوه الركون بدعة وامان إلى الحياة التي يؤكد الشاعر مرارا أننا "قد نصادفها بالمشي، قد نصادفها بالجلوس، تحت شجرة أو على رصيف. ربما تأتي سهوا، بقبلة أو برصاصة، لكن ليست بالكتابة".
مأساة الكتابة أنها قد أنجزت، وتاليا فلا مجال للإضافات وللخلق بل للإعادة والتكرار. يقول الشاعر: "زرعنا على مدى آلاف السنين، القمح