تراتيل الفناء
 

فاضل الخياط*


في احد نهارات الصيف العراقي الموحشة من ايام الحرب العراقية الايرانية الطويلة، دخلتْ امي البيت عائدة من السوق، وما ان وضعتْ زبيلها  من على رأسها 
 وكان التلفزيون يجلجل اناشيد حماسية، من تلك التي عهدناها ايام الحرب البليدة تلك، حتى تنهدت بصوت مفجوع قائلة:  "شنو يمه... يا ساتر، صار هجوم ؟
كنا نقضي ايام الحرب البسوسية تلك مغمورين بجعجعات الاناشيد، حمية مستديمة تغلق فضاء الاذن ولا تدع له ان ينتعم ببعض رحيق من الاغاني العاطفية. فكانت الاناشيد تلقي ظلالها المعتمة على الجميع جعجعات وقرع طبول تحملك من حياة المدنية الثرية وتضعك في خندق مرعب هو جبهة القتال.
كانت الحكومة الغابرة تتحرك من يقينها بان هذه الاناشيد تحقق امرين. الاول مسخ الكائنات حربيا وقتل اية فرصة للشعور بالغبطة او التمتع بنعيم الموسيقى الانسانية التي تجعل المرء مستطيبا لامور اكثر بهجة تملي عليه التمرد من ان يكون مجرد جندي مصيره ارتداء البدلة الكاكية وحمل السلاح. والثاني هو فرض هيمنها وسطوتها على شعب مغلوب على امره. ففي الحرب تندحر الهة الالهام كما يقول احد الفلاسفة مما يقود الى نشر مناخ البلادة والجفاف الابداعي.
سلطة القمع الصدامي ومثلها سلطة الفقه يدركان انه لا يمكن السيطرة على شعب ما الا باغلاق منافذ الاذن بالشمع العسكري او الفقهي  وحشرها في زاوية لا يمكن لها ان تسمع غير صوت واحد بايقاع واحد وتحويل الناس الى حقل لتفريخ الدواجن المتشابهة المهيئة للذبح او للتدجين الديني.
ولذلك اتخذتْ سلطة الفقه من تراتيل القرآن وصوت المؤذن خمس مرات في اليوم او ثلاثا، حسب التنويع الطائفي،  وصوت الخطيب و(اللطميات والنعاوي) اساليب لبناء ذلك الحقل، فكل اصغاء لاصوات اخرى هو بمثابة الانفتاح على افق فكري اخر يقود في نهاية الامر الى الخروج على سلطة الفقه. هذا ما يطيب لسلطة الفقه ان تؤمن به.
الموسيقى هي اجنحة العقل وهي انعكاس او تصوير لاوضاع اجتماعية وسياسية يعيشها مجمتع ما في فترة ما، فموسيقى الباروك الهادئة المسترخية مثلا هي  انعكاس لرخاءات العصر الفكتوري وموسيقى بيتهوفن المتوقدة الساخنة لم تكن سوى ثمرة للانقلابات الثورية التي رافقت عصر نابليون بونابرت، كذلك الحال مع موسيقى الجاز التي هي استجابة للتحولات الصناعية والاجتماعية الصاخبة في اميركا.
اما في عالمنا الذي ظل يستنسخ انماطه الاجتماعية والسياسية فكان الصوت الواحد ذي الايقاع المتكرر حد الموت سيد المشهد بامتياز. فلم يكن غياب الموسيقى او تغييبها قسرا الا محاولة دموية من سلطة الخلافة معضدة بسلطة الفقه لدوام حال الموت الفكري، فكل نمو فكري هو بمثابة تهديد لتلك السلطتين. ولهذا  لم يكن ما تعرض له معهد الموسيقى من هجوم وتدمير للآلات الموسيقية مجرد ههجمة غوغائية بل كان امرا مدبرا ومدروسا بوعي وعن سابق قصد وتدبير.
واذا كانت سلطة البعث الغابرة تتحرك وفق قناعة من انه لا دوام لها الا بدوام الحروب ونشر الاحكام العرفية تحت مبرر الحرب، فان الرعب الذي تعيشه سلطة الفقه  وخوفها من ان تفقد رأسمالها، تكاد تكون نابعة من قصور نظر وفوبيا لا مبرر لها. فسلطة الدين المسيحي مثلا، والتي تبارك الموسيقى لم تتعرض لضعف او عزوف من اتباعها بل بالعكس، فهناك اقبال كبير على الكنائس، واتباعها في
 
تزايد متواصل في جميع الارض وفي عالم الغرب الذي تهيمن عليه مادية قاتلة.
واذا لم يصل فقهاء الاسلام الى التهادن مع تغيرات العصر وظلوا ممسكين بهذا المونولوغ الديني متمثلا بالصوت البشري الواحد المتكرر فان سلطتهم موشكة على الزوال بلا ريب، ولن يجدوا في الاجيال اللاحقة آذانا تستكين لهذا الجفاف المميت. ونتيجة لذلك، فعليهم ان يعيدوا النظر في يقينياتهم الحجرية قبل ان يجدوا انهم دخلوا كهفا اوصدت بابه عليهم بحجر كبير وبدأ بعضهم يفترس بعضا من الجوع، او انهم سيستيقظون من سباتهم الطويل ليجدوا انهم قد عُزلوا في جزيرة نائية لا احد فيها سواهم. ولن ينفعهم يومذاك ندم ولا استغفار.

****

*شاعر عراقي مقيم في سدني

دفاتر