الانتظار في ماريون

 

 

جمال حافظ واعي

 

 

العنوان في مجموعة الشاعر عبد الخالق كَيطان – الانتظار في ماريون - فخ يبعث على المناورة في الكثير من التفاصيل وهو مرآة تجد فيها الذات ملامحها الغائبة – فالجهات كلها تغلق ابوابها بوجهي – كما يقول في نصه – شيخي الجليل – ص 131 ، وقد تعلم مشقة المكوث بين يدي الانتظار ص10

فما الذي ينتظره الشاعر في ماريون ، ذلك المجمع التجاري الكبير في مدينة اديلايد - جنوب استراليا وهو القادم من الجنوب العراقي ؟ واي حوار يتلبسه في تلك البقعة النائية الفاصلة بين عالمين ؟ اذ يستحيل الانتظار الى كابوس يراوغه للإفلات من مصائده :

 

هناك او هنا

ثمة الدخان ذاته

ينبع من اعماقك السحيقة . ص98

 

الصدمة تتوارى خلف إحتدام اسئلة النصوص ، فالمكان طارئ عليه ، ولكن هل يقوده الى الخلاص ؟ بل هل ثمة خلاص ، ينشده الشاعر ، ذلك الذي يعقب فكرة الانتظار ؟ ام انه يردد مع شاعر المارتينيك ايميه سيزير قوله : ( انا انسان ظامئ ادور كالمجنون حول مستنقعات مسمومة ) ؟!

 

الانتظار في المكان لايعني تجريده من شيئيته قدر ماهو حوار معه او البحث عن مصدات للذات التي تتأرجح بين دوامة الشك واليقين والتباسها الكوني ، انها رحلة زمنية تحاول التقاط ماتستبطنه الأبعاد ، ففي الأمكنة الخاصة تتعرف على اشيائك المشتبكة مع حواسك اما في الأمكنة الغريبة فانت تحاول ان تجد منفذا يحول دون تشتت الحواس :

 

لااريد ما اتعلمه

لانه ببساطة لايناسبني

ساعات ثقال لا املك فيها

غير تأملات ليست ذات جدوى

ولأنها كذلك

فانني اكثر من الحنين

......

الانتظار في ماريون اليوم

لايختلف عنه في شارع دجلة قبل خمسين عاما . ص7 - 8

 

 

 ما صمتَ عنه الانتظار تكفلت به النصوص ، حتى وان تجلى المشهد على حقيقته المرتقبة ، فالانتظار يبقى قائما فكأنه يردد مع بودلير قوله : رُفع الستار ومازلت انتظر !

فالانتظار هنا يتخطى آنيته ليستحيل الى انتظارات لاحصر لها حيث يقف الشاعر في الجانب الآخر من العالم مستعيدا السؤال الفلسفي الذي لايكتفي بما يكتشفه ولا يعوّل عليه طالما انه منغمس في لحظة الانتظار التي تتناسل اسئلتها بشراهة لامتناهية :

 

يجلس الغرباء فرادى

قبالة الساحل

ينتظرون زجاجة لاتأتي

ظهورهم مقوسة

.......

فمن الذي سيدلهم على بهجة المشهد المجاور ؟ ص 15

او :

 اعرف انني عما قريب

سأنزع هيئة التائه

لاغرق في تيه جديد . ص107

 

في نصوصه التي اشتملت عليها المجموعة يتقصىالشاعر صيرورة الحياة في تحولاتها وفي نسيجها العضوي في محاولة منه للخروج من النفق عبر رؤية تأملية توازي الواقع وتنحرف عنه في سطوة الإحتمالات وتجلياتها النفسية التي تستبد به وهو يحاول ان يقرأ مايحدث ، انها صنو المغامرة ودلالة منفتحة على ميثولوجيا التاريخ  تحاول لملمة اطراف المرئيات :

 

ماذا عن روحي ؟!

قيثارة تزف الى السماء نشيجا لا ينقطع

والناس بلا مأوى ماظلّت القرابين متواصلة

لا اقول : هيت لك ...

حياتي اقواس من ظلال الحروب والجوع

وفي الطريق اليها لا يرافقني غير ناي سومري .ص 86

 

واذا كان الانتظار عند باشلار فائضا زمنيا فان الشاعر هنا يدفعه الى لذة الاكتشاف وهو يحاورالعقائد والافكار المعطلة تلك المركونة على الرفوف وكأنها الغام مبثوثة ، وهنا اشارة الى الخوف الذي استوطن الناس في الحقبة الماضية او الذين صمتوا مقابل رشوة العقل :

 

هل  جاءوك ؟

انا لا اتحدث عن الاحتمالات

اذ تتقصد اهدار الوقت

هل جاءوك بعد ان وعدوا ؟

.......

اذا كانت الثورة تقبع في السجلات

فلماذا لاتبتكر شيئا آخر ؟

......

يحدث احيانا ان الشعب يتثاءب . ص52- 56

 *****

* الانتظار في ماريون مجموعة شعرية  للشاعر عبد الخالق كَيطان صدرت عن دار الفارابي ،بيروت ،2007

 

استراليا

ja_waai@yahoo.com

 

دفاتر