"من يصنع الديكتاتور؟" لسلام عبود
صدّام من بطون العقارب إلى مدائح المثقفين

 

شوقي نجم     

 

صدرت كتب كثيرة في العالم، تناولت شخصية الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وطفولته وعالمه السري وفظاظته في الحكم، وسلوكياته الهمجية وطغيانه وصعوده الى السلطة وتربيته وثقافته البعثية، و"رواياته" و"شعره" وماجداته وحاشيته ومقتلاته ومجازره. فقد بات صدام نموذجاً فظاً للديكتاتور العربي والعالمي، هذه ما يبيّنه الروائي والباحث العراقي سلام عبود في كتابه "من يصنع الديكتاتور؟ (صدام نموذجا)" وسبق ان اصدر في السياق نفسه كتاب "ثقافة العنف في العراق" (دار الجمل).
يتقصى عبود في كتابه، على نحو موثق وعميق، الأسباب التي أدت الى سقوط الرئيس العراقي السابق صدام حسين، من خلال رؤية بانورامية شاملة، يتجاوز فيها هذه القضية ليلامس الظروف النفسية والسياسية والاجتماعية التي أحاطت بالزلزال الكبير الذي هزّ العراق إبان الاجتياح الأميركي. ويتناول في الآن عينه رحلة حزب البعث من مرحلة التعسف والطغيان الى فترة المصالحة والبحث عن شراكة قائمة على توازن المصالح، وصولا الى اجتثاث هذا الحزب. ابلغ تعبير عن رحلة البعث وصدام، ما كتبه سلام عبود عن أحواله بالذات اذ يروي انه في يوم كالح من عام 1988 ارسلت مديرية الاستخبارات العسكرية، رسالة مقتضبة وغامضة الى أمه "تزفّ" اليها نبأ القبض عليه، وتنفيذ حكم الاعدام فيه، في حين أن ما جرى أنهم قتلوا شخصا ما، سهواً، بدلاً منه. مقدمة كافية لتدل على احوال النظام الصدامي وشبحه ورعبه وعبثيته في القتل والسياسة وكل شيء. يستعمل سلام عبود شخصية صدام ليقرأ الواقع العراقي وازدواج عقل السياسيين العراقيين الناشئ من سياسة تبادل أدوار القسوة والخنوع، أو يقرأ الواقع العراقي ليصل الى صدام. يسأل هل يخلق الديكتاتور نفسه بنفسه؟ ليجيب أن الذين يتحدثون عن الاستبداد الشرقي ينسبون الظاهر الى عوامل تاريخية موغلة في القدم. وتنشر بعض المراجع الاوروبية، الديكاتورية على رقعة جغرافية واسعة تشمل العالم كله عدا شمال غرب اوروبا. وهناك من يحاول ان ينظر بعيداً الى الوراء، من خلال المشروع العنفي الرجعي، بما في ذلك الاستبداد الديكتاتوري، الذي يعود الى عوامل سياسية تاريخية متراكمة، وليس الى عوامل جغرافية ونفسية واجتماعية وسياسية آنية فحسب. أما في كتب الأدب والسيرة الشخصية (غير المؤيدة للديكتاتور العراقي)، فإن صدام حسين مشروع ديكتاتوري فطري، فقد صوّر على أنه ديكتاتور جاهز الصنع منذ الطفولة. ففي رواية "عالم صدام حسين" لمهدي حيدر الذي قيل انه اسم مستعار، يظهر لنا الديكتاتور طفلاً مهملاً، منبوذاً يتسلى بملاعبة العقارب وبالنوم في آبار مظلمة مداعباً خيوط العنكبوت. مثل هذه الصور ظهرت في صفات صدام حسين الطفولية التي رسمها كون كولاج في كتابه "صدام... الحياة السرية". لا يبتعد المؤلف عن الأطروحات المعروفة إزاء تحليل أسباب قسوة صدام حسين كشخص، بإحالتها على قسوة حياته في السنوات الأولى لنشأته واليتم المبكر الذي تعرض له. فقد اظهر صدام طفلا شريراً يتسلى بتسخين قضبان حديد يبقر فيها بطون الحيوانات، ولا يتوانى عن وضع الافاعي في جيوب المعلمين الذي لا يكن لهم الود. مثل ذلك، ولكن على نحو أقل وحشية، نجده في كتاب "دولة الإذاعة"، لابراهيم الزبيدي، صديق طفولة صدام. الزبيدي هذا بعثي قديم، عمل مع الاميركيين في مشروع اعادة الديموقراطية الى العراق. وفي كتب اخرى يتحدثون ان صدام غادر طفولته مبكرا بسبب تعرضه للضرب على يد زوج والدته.
لكن هل كانت طفولة صدام ونشأته هما العامل الحاسم في جعله ديكتاتوراً، ام ان العامل السياسي هو الذي خلق من هذا الطفل المنبوذ البائس ظالما، "عظيم" الطغيان؟ ليس جميع الذين رصدوا حياة صدام حسين وصلوا الى ما وصل إليه الكتّاب الذين عرضهم سلام عبود، فالكاتب مارك بادون يرى غير ذلك في "قصة طاغية"، إذ يعتقد بوجود تغيير دراماتيكي في شخصية صدام حيّر عدداً كبيراً من المراقبين الأجانب، بما جعل تصرفاته وأفعاله تحيّر حتى خبراء علم النفس. يصر العراقيون الذين قابلهم مارك بادون على "ان الامر لا يتعلق بتحول في شخصيته بقدر ما هو قسوة كانت فيه منذ الطفولة". أمام هذا الاشكال وضع بادون السؤال الآتي: هل كانت فترة "العقلانية" التي تمتع بها صدام تخفي وراءها شخصية ديكتاتورية لا ترحم، ام انه تغير مع مرور الوقت؟ ويجيب بادون: "في اعتقادي ان الفرضية الثانية هي الصحيحة، اي ان السلطة هي التي افسدته". طبقا لذلك يرى مارك بادون "لو لم يستول صدام على هذا القدر الهائل من السلطات فلربما ظل رجلا معقولا". بمعنى أكثر دقة: إن "بروز سلطوية صدام ومازوشيته لم يكن حتميا".
ان أبرز نقاط الضعف التي رسمها بادون لصدام هي تقديره الايجابي لـ"مرحلة العقلانية!" في حياة الديكتاتور، الممتدة من ثورة 1958 حتى بداية مرحلة حكم البعث الثانية، اذ يرى أن كثيرين تحدثوا عن اعجابهم بذكاء صدام وانفتاح عقليته في ايام الشباب حينما كان ثوريا اشتراكيا. ويضيف راسما صورة "خلابة" لـ"صدام المثقف"، أنه قارئ نهم، تشمل قراءاته كل المجالات من الفيزياء الى الرواية، وله اهتمامات واسعة وولع خاص بالتاريخ العربي والعسكري، اضافة الى ولعه بسيرة حياة القادة. عند تمحيص هذا الجزء الزائف من شخصية صدام، نجد أنه رسم بأقلام اشخاص معروفين بولائهم السابق للديكتاتور: وفيق السامرائي وسعد البزاز وابراهيم الزبيدي اضافة إلى عبد الامير معلة في رواية "الأيام الطويلة" وغيرهم. فعند ضم ملاحظات البعثيين السابقين بعضها الى بعض، نجد أنهم يجمعون على ان النشأة الاولى لصدام هي التي زرعت بذرة الديكتاتور فيه، فقد كان ديكتاتورا مؤجلا في نظرهم، أو في أضعف الأحوال، كان مشروع طغيان. يشترك في هذا الرأي اولئك الذين جعلوا صدام ضحية لفلسفة خاله طلفاح القدرية، او الذين رأوا فيه ضحية للفقر واليتم والحياة العائلية الصعبة وقتل العقارب وبقر بطون الحيوانات، او ضحية لاغراء السلطة. فالجميع هنا يحاول القفز على مرحلة "العقلانية" و"الثورية الاشتراكية"، اي مرحلته البعثية ودورها في صنع تاريخه الدموي، وهذا هو سر الحيرة التي وقع فيها بادون وأصدقاؤه من علماء النفس الذين ادهشتهم تحولات صدام، وافترضوا او توهموا وجود حقبة "عقلانية"، "ثورية اشتراكية"، سبقت خروج صدام على الملأ ديكتاتورا.
ربما تكون طفولة صدام المعقدة وظروف نشأته هي التي رسمت لنا تلك الصورة ولونتها بألوان ديكتاتورية. الا ان صفات صدام تلك لم تكن، في نظر علم النفس، ذات قيمة واقعية ما لم تجد تربتها الملائمة التي تتنفس فيها. لذلك يرى البعض ان المشروع البعثي بدءا من تجربة مقاومة سلطة عبد الكريم قاسم، ثم مجيء البعث وسقوطه المريع عام 1963، وتعاقب حكومات سريعة هشة، وطابع حزب البعث وظروفه الداخلية الخاصة، مهدت لجعل هذا الطفل البائس اللاعب بالعقارب طاغيةً ميت الضمير. لهذا السبب يرى سلام عبود ان تقويم عبد الأمير معلة لشخصية روايته "الايام الطويلة"، على رغم فساد المحتوى، كان اكثر انسجاما، واكثر اخلاصاً لشخصية صدام الحقيقية والمشروع البعثي، مقارنة بتقويم البعثيين الذين خرجوا على صدام وسعوا الى خلق فجوة عقلية وتاريخية بين تكوّن الديكتاتور الطفل ونشأته وخروج الديكتاتور الكامل النضج.
يبين عبود ان صدام حسين، كديكتاتور، لم يحقق سماته الفردية الاستثنائية من دون وجود جيش من المثقفين والكتّاب قاموا بصناعة صفات الديكتاتور. لأن الديكتاتور لا يصنع صفاته كلها بنفسه، بل يصنعها له جهاز ارتزاقي، متحجر القلب، لا هدف له سوى تلفيق صورة كاذبة وخادعة عن الديكتاتور ومآثره السياسية والاجتماعية والعقلية، لكي تكون الصورة الوحيدة المعروضة امام المجتمع. فقد سعى جيش من المفسدين من المثقفين والأدباء الى تدعيم فرادة الديكتاتور ليس بكلمات المديح الشعرية وحدها، وانما ايضا بالتنظيرات الكاذبة الممجدة للقوة والحرب، كجزء اساسي من منطق العنف، الذي يقوم عليه بناء الديكتاتور النفسي ومشروعه السياسي. ولم يكتفوا بذلك، بل سعوا الى جعل الديكتاتور خبيرا فريداً وعالما بكل شيء، وراحوا يدعمون ذلك بالامثلة الحسية المستقاة من واقع الحياة ومن التاريخ.
يستنتج سلام عبود ان وضع صدام حسين خارج المشروع البعثي، وخارج المشروع القومي، والاهم خارج المشروع الدولي، لم يكن ممكنا له أن يقود الى انجاب ديكتاتور على هذا القدر من القسوة والفظاظة، وعلى هذه الدرجة من البأس وطوال فترة التحكم بالناس. حتى ذلك لم يكن كافياً لإنتاج صدام. فإلى جانب العوامل السياسية والاجتماعية والتاريخية والشخصية يحتاج الطغيان الى معاونين مباشرين لتحقيقه وتنفيذه. فقد احتاج طغيان واسع وطويل كطغيان صدام حسين الى جيش كبير من المعاونين الميتي الضمير. ان صناعة شخصية الديكتاتور لا تتطلب خلق صفاته وعلومه ومعارفه وقدراته الاستثنائية الكاذبة فحسب، بل تتطلب ايضا خلق صورة حسية، خارجية مظهرية براقة، تكمل الجانب الاستثنائي الروحي والعملي فيه، وتمنحه جاذبية تؤثر في الآخر. وذلك ما يعرف بالكاريزما.
نقطة لافتة يكتبها عبود وقد رواها ماركيز في كتابه "رائحة الجوافة" الذي لاحظ من خلال لقائه بعض ديكتاتوريي اميركا الجنوبية، ان هؤلاء تجمهم رابطة غريبة مشتركة: انهم جيمعا ابناء ارامل. أكان ماركيز يعلم بيتم صدام المبكر، الذي يثبت الظاهرة العالمية بمثال عربي آسيوي؟!

****

النهار

دفاتر