عبد الرزاق عبد الواحد يكتب عن سعدي يوسف!!!

 

عبد الخالق كيطان

 

شاعران من عصر سحيق...

عبد الرزاق عبد الواحد وسعدي يوسف...

معروفان جيداً بالنسبة للقارئ العراقي... والعربي أيضاً

الأول كان رمزاً للسلطة في الوطن

والثاني كان رمزاً لسلطة المنفى

كلاهما أحب رمزيته حتى العبادة فلم يتخل عنها بالرغم من تبدل الظروف.. هكذا يوغل الأول في دفاعه عن سيده الذي منحه سلطته القديمة حتى وهو، أي سيده، يقبع في جحر الفئران... والثاني يدافع أيضاً عن سلطته التي تهدمت بفعل السيد ذاته الذي انتهى وطوى بنهايته عقوداً من نفي المثقف العراقي..

ولا بأس في موقفي الأثنين، فكلاهما حر.. حتى لو كانت هذه الحرية مقرونة بدوافع ليست نزيهة: جاه في الوطن أو جاه في المنفى!!!

يكتب عبد الرزاق عبد الواحد عن سعدي يوسف مقالاً في توقيت مثير للشفقة: انهيار السلطتين... فماذا يريد هذا من ذاك؟؟؟

أمامنا وثيقة عبد الواحد، مقاله، ولا نملك من الثاني غير صمت بأزاء هذه الوثيقة، والصمت كلام في كثير من الأحيان..

لا يدخر عبد الرزاق عبد الواحد جهداً وهو يصف في مقاله جبن سعدي.. جبن يذكر للتدليل عليه مثال ومثالين.. فيما الأول بطل بالمعنى الكامل عند صاحبه، فهو الذي كان يقف ممتشقاً سيف العمود الشعري مدافعاً عن سلطته لسنوات طويلة فيما كان يقضي الثاني فيها نهاراته ولياليه بالنضال، الشعري أيضاً، ضد هذه السلطة ذاتها... الجبان الذي ارتضى لنفسه أن يقف ضد الديكتاتورية عارياً إلا من كلمة .. والبطل الذي استولى على مغانم هذه الديكتاتورية بكل بسالة!! بطل يسكن قصراً كبيراً على ضفاف دجلة.. مسدسه دائماً في حزامه، لا يدخل قاعة إلا ووقف جمهورها تحية وإجلالاً.. وجبان يدور بين البلدان بحثاً عن مكان آمن..

اليوم يقيم الشاعران في المنفى.. الثاني أدمن المنفى، وله فيه غايات وغايات.. بينما الأول حديث عهد يريد أن يلم عنده ما يتيسر من علاقات حميمة، حتى ولو كانت مع جبناء الماضي!!! الأول لا يهمه ذلك كثيراً، فعينه تتعدى الوطن، بل تعدته منذ زمان.. وله في ذلك تصريحات وتصريحات.. ولقد قالها للأول ذات يوم بعيد كما تشر مقالة هذا الأخير صراحة ذات لقاء عابر في القاهرة قبل أكثر من عشرين عاماً.. دعونا نقرأ:

"آخر مرة رأيته فيها كانت في معرض الكتاب في القاهرة قُبيل العدوان الثلاثيني بعامين . قلت : ألا ترجع للعراق يا سعدي ؟ .. لك ما لنا ، وعليك ما علينا .. وناضل إن شئت هناك ، داخل وطنك .
قال : عبد الرزاق .. أنت تفهمني . أنا ليس لديّ أيّ اعتراض سياسي . ما عدت أصلاً أفكر بالسياسة .إنما اعتراضي أساساً اعتراض إبداعي . أنا أخشي علي حريتي الإبداعية ، ولهذا لا أعود ! .
"*

القصة تفضح الشاعرين: الأول وهو يقوم بدور الوسيط بين السلطة ومنفييها.. والثاني وهو يتنكر لنضاله السياسي ويحصر منفاه بالحرية الابداعية، فهو لا يملك اعتراضاً سياسياً، على ذمة عبد الواحد طبعاً، وبالتالي لم يكن كما قلنا قبل قليل: جبان يدور بين البلدان بحثاً عن مكان آمن!!!

شاعران من عصر سحيق هما...

سحر الأول جمهوره بصوته القوي، الذي قلد فيه يوسف وهبي، كما يقول، وهو يرعد ويزبد ولكن خدعته لم تدم فتكشفت مواقفه التي أقل ما يقال عنها أنها مواقف شاعر مسعّر!! شاعر يقول للمذيعة التلفزيونية التي تدعوه للعودة إلى بلاده: من يضمن لي رأسي؟؟؟ فماذا فعل هذا الشاعر لكي يخاف على رأسه في بلاده؟؟؟

وسحر الثاني جمهوره بأغنية المنفى، الجبانة، على رأي عبد الواحد أيضاً، حتى اكتشفنا أنه لم يكن معنياً بالنضال ضد الديكتاتورية بقدر نضاله من أجل مكانة ما في ثقافة عربية تجيد صناعة الأوهام وخطابات الظلام.. وها هو أيضاً يرفض العودة إلى بلاده تحقيقاً للشعار الصادر من مواقف شاعر شعّار.

يتذكر الأول كيف كان نجماً في العراق، والبلدان العربية..

ويذكر الثاني كيف كان نجماً في سماء الثقافة العراقية الحرة..

يعيش الأول اليوم خارج بلاده منفياً ، في رأسه قصص وذكريات وبيانات ورغبة في ادراك دور عربي.. يقف الأول الآن في صفة الشاعر الذي يتغنى بأمجاد المقاومة..

ويدور الثاني نجماً في السماوات العربية المأسورة بفكرة الامبريالية والاستعمار والاحتلال والبطل القومي طبعاً.. وهو يقف بالتالي في صفة الشاعر الذي يتغنى بأمجاد المقاومة.

ها هما إذن...

شاعران من عصر سحيق..

يلتقيان في الزمن الواضح جداً..

ونقف نحن بين هذا وذاك...

نعرف جيداً من يكون الأول... وبالطبع نعرف من يكون الثاني...

****

 *موقع ألف ياء  بتاريخ 13/7/2008

 عبد الخالق كيطان: شاعر عراقي مقيم في أستراليا

www.abdalkalikkaten.com

 دفاتر