حظر تجوال على المسرح الوطني ببغداد

 

امتلأت قاعة المسرح الوطني بالذين جاءوا لمشاهدة مسرحية (حظر تجوال) متحدين ارهاب الظلاميين الذين يتربصون بالابرياء. ادباء وفنانون واكاديميون واعلاميون ومتابعون، شاهدوا مسرحية (حظر تجوال) التي عرضت ضمن الاحتفالية التأبينية، التي اقامتها دائرة السينما والمسرح استذكاراً للفنانين الراحلين.. المسرحي د.عوني كرومي والموسيقي انور الشيخلي، برعاية المستشار الفني في وزارة الثقافة نجيب العاني وحضور مدير عام الدائرة رياض عبدالحافظ المرسومي.
المسرحية من تأليف واخراج مهند هادي.. تمثيل رائد محسن وسمر قحطان
ادار الحفل الكاتب المسرحي عباس لطيف.. مدير الاعلام في دائرة السينما والمسرح مضيئاً شمعة تتحدى الخراب بقوة حضور هذا الحشد الجميل من جمهور غير مبال بالمفخخات الهوجاء والانتحاريين الموتورين الذين يجوبون بغداد.. للقضاء على الحياة فيها..
اهديت (حظر تجوال) الى روح د.عوني كرومي بكوميدياها السوداء التي تالق في ادائها رائد محسن وفاجأنا الممثل الشاب سمر قحطان بنضج مبكر، افاد منهما المخرج مهند هادي بتوزيع العرض على بؤر احتشدت في مكان يضيق عن الخمسة امتار، لكنه ساح الى نوافذ وابواب وشوارع وجسور، جمعت مأساة بغداد.. كلها.. على المسرح في صور وحوارات رائعة ركبها من الممثلين الاثنين حركت المكان واستوفت ابعاد الزمان من الماضي مروراً بالحاضر الى المستقبل من خلال (صباغ احذية) و(غسال سيارات) يعيشان الضيم العراقي من قاع الحياة.
(حظر تجوال) عرض شعبي ذو ابعاد هادفة تعاقبت بعده الكلمات الرسمية برشاقة استهلها المستشار العاني بالثناء على تضييف السينما والمسرح لنا كي نشهد عروضاً تذكر بمبدعين سنظل اوفياء لعطائهما، كرد حضاري على الارهاب تلاه المرسومي بتحدي الظلاميين عبر العودة الى التئام الشمل مذكراً بالحاجة الماسة لكل جهد خير يقتدي بتجربتي الراحلين المبدعين واخلاصهما لفنهما وتحدث د.ميمون الخالدي عن المشروع المسرحي لكرومي الذي لم يجد متنفساً لهواجسه فغادر العراق. واعلن جبار محيبس عن مهرجانات مقبلة لكرومي تحت شعار: (المسرح لا يقبل الا بالاستشهاد).
واستعرض الاستاذ صباح المندلاوي حميمية العلاقة الثقافية التي تربطه بالدكتور عوني في الكلمة التي القاها ثم قدمت القومية للفنون الشعبية لوحة معبرة عن المناسبة بعنوان (تذكر) عبارة عن مشهد لصف من الثكالى يحملن نوارس ميتة ترمز لاطفال العراق.. رقصاً على نغمات صوت كاظم الساهر وهو يغني الحزن العراقي المقيم.
عوداً على حظر تجوال صرح الفنان مهند هادي مؤلف المسرحية ومخرجها لـ(الصباح) بانه اختار صباغ احذية وغسال سيارات لانهما افقر ما يكون في المجتمع العراقي الحالي ومهنتيهما اكثر المهن جمعا للناس الذين يلتقون عندهما دائماً لذا ما كان يمكن للمسرحية ان تقوم ناهضة بهذه القوة لو اخترت عذابات فردين عراقيين بمستوى معرفي اوسع من هذين او يحترفان حرفتين اخريين.
اما البطل الثاني للمسرحية وهو الممثل سمر قحطان فيرى بان مسرحية حظر تجوال، هي تاكيد على منهج الصدق في المسرح وهي امتداد لتاسيسات ارساها الفنان عزيز خيون ود.عواطف نعيم وامثالهما، في مسرحيات: (لو) و(مطر يمه) و(النخلة والجيران) وكثير سواها مما يخاطب العراقي بلهجته داعياً الى مسرح عراقي خالص بالاقتراب من الهم العراقي والابتعاد عن النصوص الاجنبية التي نلبسها لباساً عراقياً فقد انتهى العهد الذي كان يجبرنا خلاله الخوف على ان نواري جرأتنا خلف نصوص اجنبية باعتبار المسرحية تشير الى مجتمع آخر ليس العراق.
وعن فكرة العمل وادهاشها للمشاهدين تحدث الفنان سلام السكيني قائلاً: باننا ارتأينا ان يكون العمل ساخرا ويلامس الجرح العراقي.
بعد العرض
الفنان د.ميمون الخالدي عد العرض (مسخرة) دون ان يبرر ذلك بمقوم نقدي مقنع اذ وقف على المنصة بغية استكمال التابينية بعد انتهاء العرض المسرحي قائلاً: (شهدنا مسخرتين .. الان .. هذا العرض ومغادرة الجمهور بعده، دون انتظار فقرات الحفل التأبيني وكأن حضورنا اسقاط فرض او لمتعة المشاهدة فقط دون التوقف عندما يمثله مبدعان مثل كرومي والشيخلي).
قوله هذا اثار جدلاً في الاوساط التي حضرت المسرحية اذ اخذت تفسيرات شتى لخصها الكاتب عباس لطيف بالرد على د.ميمون بان (حظر تجوال) مسرحية رائعة ولو لم تكن بالمستوى المتقدم لما نالت هذا الاهتمام في عروض سابقة داخل وخارج العراق ولما جعلناها ترتقي المسرح الوطني بكل قدسيته ومهابته.
الفنانة فاطمة الربيعي اعتبرت هذا العمل انموذجا رائعا في المسرح الشعبي الشاب الذي يستوفي حرفية النص الشعبي الحديث باخراج اكاديمي مسؤول.
بينما عبر الفنان عزيز عبد الصاحب عن فرحه بهذا العمل كونه مسرحية نفذ فيها المؤلف من شخصيتين بسيطتين تحترفان مهنتين فقيرتين الى موضوع عميق.. محاور تفحم السياسيين الذين تغافلوا عن الخراب وهو يعيث فساداً بالبلاد والعباد.
الفنان عبد الجبار الشرقاوي من زاويته راى انها خطوة متقدمة في مسيرة جيل سيحمل تطلعات المسرح العراقي الى المستقبل بشكل يعيد المسرح الشعبي الى جدية الموقف ولو من خلال الكوميديا وهذا ما فاخر به مدير المسارح الفنان احمد حسن موسى ومدير الفرقة الوطنية للتمثيل كاظم النصار.
عزز ذلك الفنان فتحي زين العابدين بانها ستزيح ركام التصورات المتخلفة عن العروض التجارية ابان النظام السابق، بنماذج متقدمة من الكوميديا الشعبية التي تعالج هموم المجتمع وهذا اولها واعدا بمواصلة النهج الرفيع من العمل المسرحي متى ما سمح الظرف الامني.
فكرة العمل
باختصار شديد فكرة (حظر تجوال) تدور بين مشردين اثنين (صباغ وغسال) يقطنان مكانا تعيسا ويعيشان حياة تعيسة في ما قبل 9 نيسان 2003 يزدادان رعبا بعد الاحتلال لانهما بلا ماوى ولا نقود.
يترفعان شرفا عن السرقة ابان فراغ السلطة وتجري المسرحية عبرهما وفق طراز راق من الكوميديا النابعة من عمق المأساة.

****

جريدة الصباح البغدادية بتاريخ 10 آب 2006

 

دفاتر