وقائع مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي
قليل
من الكلام، كثير من الحركة والموسيقى ..
ندوة التجريب وهوس المغايرة
القاهرة من قاسم محمد عباس
التوثيق والادبيات
تتواصل فعاليات المهرجان على مستوى تقديم العروض وعقد الندوات، حيث استكمل
يوم أمس الجزء الثاني من الندوة الرئيسية (أدبيات التأسيس للتجريب المسرحي ووثائقه)
. قدمت في هذا الجزء الذي أدار الحوار فيه الدكتور هاني مطاوع مجموعة من الاوراق
كان اولها ورقة د/ هناء عبد الفتاح المعنونة التجريب في الاخراج المسرحي عارضا فكرة
المخرج وقرينه عبر توثيق تجربة المسرح البولندي الجديد، مؤكدا على فكرة ان المؤلف
لم يعد هو مركز التجريب، وقدم عبد الفتاح عرضا تاريخيا لبدايات ما يسمى بحركة
الاصلاح التي نشطت اوائل القرن العشرين، وحدد مفاصل الحركات الجديدة التي ركزت على
سينوغرافية خشبة المسرح وتباين معمارها، ومن ثم دفعها باتجاه مكتشفات جديدة صاغت
العرض المسرحي الجديد.
وتحت عنوان : تصميم خشبة المسرح وطريقها الى الحداثة قدم الباحث أدريانا ريكوبتير
ورقة تضمنت الجذور الاولى للتجريب المسرحي مستفيدا من تلك المقدمات التي تعود الى
اواخر القرن التاسع عشر.
ريكوبيتر انطلق من خشبة المسرح من تصميمها وطريقها الى الحداثة مرورا بالعلاقة بين
الخشبة والاضاء، ومن ثم تلك العلاقة بين النص والتصميم.
وجاءت ورقة الجورجي أفنانديل فارسيما شفيلي بعنوان (ما يتعلق بمسائل التفسير)،ليقدم
تأصيلا لما عنى بكلمة الاخراج، اذ انبنت ورقته كاملة على شكسبير، كنص ادبي وشخصية،
متناولا طروحات كررها الدرس المسرحي حول شكسبير.
ومن عمان قدم الباحث عبد الكريم بن علي بن جواد ورقة حملت عنوان : ملامح التجريب
على البعد الاسطوري عند بيتر بروك، متخذا من المهابارتا مثالا تطبيقيا، حيث توقف
عند توظيف بروك للاسطورة في المسرح الحديث، وتحديدا تلك العودة الدرامية
للميثولوجيا الهندية.
وقدمت الباحثة الجزائرية ليلي بنت عائشة ورقة عنونتها بـ (التجريب في الاخراج
المسرحي والسينوغرافيا .. وثائق وادبيات) تعرضت بنت عائشة لتفرد الظاهرة الابداعية
المسرحية عن باقي حقول الابداع بما سمح ان يتجاوز بقية تلك الحقول الابداعية لما
يتضمنه من بنى فكرية وصيغ فنية ورؤى جمالية، الامر الذي شكل خطابا مختلفا حسب ما
ترى بنت عائشة .وتناولت بدايات هذا التغيير الذي اسس له كبار المسرحين في العالم،
ولم تتوقف بنت عائشة وانما تجولت في حقب تاريخية متعددة، وقدمت مساحات الانجاز في
تلك الحقب، لتحدد تلك المسافات الفاصلة بين التجريب وبين بدايات الخروج على
التقاليد .
ثم قدم بعد ذلك الباحث الفرنسي جون ميزوتاف بحثا في المحور ذاته لم يفلت من التوثيق
والجهد التأصيلي الذي طغى على مساحة كبيرة من أوراق هذه الندوة لينتهي الجزء الثاني
من الندوة بورقة من الكويت قدمها عبد الله حسن الغيث.
عروض مسرحية اجنبية
بهدف البحث عن تجليات للافكار التي قدمت في
ندوة التجريب، هناك ثمة قيمة مهيمنة على طبيعة العروض الاجنبية تعلقت كثيرا بمغامرة
الخروج نحو فضاءات التجريب، فبالاعتماد على الحوار المركز قدم المؤلف (لي هوني هوا)
نص : سانسكيم الذي اخرجه المخرج بيك جين لفرقة اونها المسرحية من كوريا، حيث بدا
المقترح الاخراجي هنا معتمدا على لغة الجسد الخاصة واشكال الملابس، مستفيدا من خصب
فكرة السانسكيم ذلك الاحتفال التقليدي لتنقية ارواح الموتى وبعثهم الى الجنة حسب
الموروث الكوري.
واعتمادا على وسيط أدبي مختلف من خلال اعداد مسرحي قام به المخرج خاندورشاه ألام
لقصيدة بنغلاديشية جاء عرض فرقة مسرح بنغلادش، الذي اقيم على الاستفادة من
الموروثات الشعبية، عبر شخصية روباي الذي اعتمد على ثيمة القصيدة الاساس والتي
حاكتها دراما العرض على نحو تجريبي اللمسة التي قدمت موروثات سحيقة ببصرية مغايرة
شكلت ربطا بين تلك العوالم وعذابات الراهن البشري.
العرض المسرحي النايجيري جمع بين المخرجين جوسفين ايجرس و دون بيدوراوباسكي لايجاد
مساحة من التجريب عن طريق نقل الجمهور لجسر الحياة، العرض النايجيري (وداعا مخلص،
او الجسر) عرض لمخاطر الانسان النايجيري حيث يحيا محفوفا بالمخاطر وتاركا كل شيء
للقوى السماوية.
وعبر 84 دقيقة هو زمن العرض الروماني (المتطفلة) من دون كلمات حيث غابت اللغة
المألوفة وانطلق اللون والجسد لتوثيق عذابات بشرية معاصرة، ومن رومانيا يجيء عرض
فرقة المسرح الايمائي (اديت) للمؤلف مالينا آندري .
ومن البانيا وبمزج كبير بين التشكيل والحركة البشرية جاء عمل (ميت اوحي) طارحا أزمة
اثنين من الجنرالات يتفرجان على خراب مدينة دمراها.
ومن المملكة المتحدة وللمخرج بارنابي ستون عرض (القمة)
ورغم تقليدية نصوص بريخت الا ان نص اوبرا البنسات الثلاثة كان العرض المركزي لفرقة
المسرح الجمهوري لوسيفارول .
عروض عربية ناقشت القمع ودمار الحروب ..
المسرح التجريبي العربي هذا العام في مواجهة خراب
العالم
الفرق المسرحية العربية المشاركة في مهرجان المسرح
التجريبي في الدورة 18 جمعتها نظرة عامة تركزت في الخراب الذي يحيط بالانسان
العربي، فقد قدمت فرقة عشتار الفلسطينية عرض (صفد شاتيلا من وإلى) وهو عمل صارخ ضد
الاحتلال الصهيوني، تركز العمل حول قرية عربية كانت بمثابة عالمنا العربي الذي قدم
بوصفه عالما يحيا على تخوم السلاح ولن يتوفر لهذا العالم ان يدخل عتبة الاستقرار .
واما لبنان ضيف شرف المهرجان، باعتبارها احدث دولة عربية تعرضت لحرب، فقد اتيح لها
ان تأخذ عرض الافتتاح وكان (النشيد) الذي قدم الحب المهدد، والحرية المسلوبة، اما
عرض العراق الذي سيقدم بعد أيام (نساء في الحرب) فقد اندرج ضمن هذه النظرة في
مواجهة خراب العالم المعاصر اذ اخذ الانسان العراقي حصته من الضياع والاغتراب،اما
العرض السعودي وهو لفرقة جمعية الثقافة والفنون (الباب الآخر) فكانت الحرية الغائبة
هي فكرة العمل الاساسية ولكن في اطار مغاير وحديث، في ظل سياق اجتماعي يحياه
الانسان السعودي المحاصر بصرامة مجتمع محافظ .
اما العرض اليمني الذي قدمته فرقة عدن (دائرة بلا عنوان) فقد توقف عند الدوامة
المعروفة في عالم محاصر بالعنف والظلم والاضطهاد، والدكتاتورية.
ويجيء (حمام بغدادي) لجواد الاسدي ليندرج ضمن هذا الموقف وان كانت فكرة العمل
المتعلقة بالتغيير الذي حصل في العراق قد قدمت هنا بقراءة مبتورة للحدث العراقي.
العرض الاردني (كارمن) كانت صورته اوضح وادق في حرب الخراب التي تحاصر الانسان
العربي، فقد قدمت صورة هذا الانسان المضطهد من جيرانه القوي وهنا الرسالة واضحة من
قبل الاردنيين.
السودان كان لها عرض (ماء وما ؟) عرض يتحدث عن شجرة مثلت الذات الانسانية في
مواجهاتها ازاء الخراب والاندثار. اما ليبيا فقد قدمت (قطارة ملح) التي تناولت
العذاب ذاته مجسدا في عمل مسرحي جديد .
(اوف دوز) عمل مسرحي من تونس عالج تحولات الانسان العربي الذي يتعرض عبر قسوة بشرية
تحوله وتمسخ جوهره، وتجعله في مواجهة مصير مجهول .
مسافر ليل) عمل مسرحي من البحرين يذهب بنا بعيدا في قطار ليلي يستعرض تلك الصور
السوداء من الحياة العربية،كذلك قدم العرض الجزائري صورة تنسجم مع قضايا الظلم
والقمع والضياع.
وفي مجمل هذه العروض المسرحية العربية يتوفر ان نستخلص الموضوعات الملحة الضاغطة
على الحياة العربية حيث تغيب الحرية، وتقمع الشعوب، ويدمر الانسان العربي ويحطم
مشروعه، انها مفارقة لم يتوقعها المشاهد الذي وجد ثمة اطاراً عريضاً جمع كل المشهد
المسرحي العربي في كلمات : نحن في مواجهة الخراب، لا حرية، لا كرامة، لا وجود.
مسرحيون في مهرجان
القاهرة يتحدثون عن العراق والمسرح العراقي
حضرنا مجموعة من العروض المسرحية خلال اليومين
المنصرمين ، العروض التي تتواصل ضمن فعاليات مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي،
واستطلعنا آراء مجموعة من المسرحيين المشاركين في المهرجان ممن ابدوا رغبتهم في
الحديث عن الظرف الذي يمر به المسرح والفن والحياة عموما في العراق. فتحدثوا لنا عن
قراءتهم للراهن العراقي ، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات يتوجب أن يتحملها المهتمون
والعاملون في الفن والمسرح ، ننشر في هذا الجزء آراء بعض هؤلاء وسنتوالى بنشر
البقية التي عكست صورة عميقة عن تواصل المثقف العربي الحقيقي مع قضية العراق.
ردم فجوة الطائفية
المخرج احمد عبد الحليم كان اول المتحدثين قائلا : أن يخرج العراق من منزلق
الطائفية ، ستكون هذه بداية الطريق الصحيحة ، لانه لو تفشى مرض الطائفية ستحل كارثة
بالمنطقة بأجمعها، لكنني اعتقد ان الشعب العراقي لو انتبه واستطاع اذابة الفوارق
التي ظهرت ، اعتقد ان العراق سيصبح من اهم الدول، وهنا نذكر الجميع ان العراق ليس
بدولة سهلة كما يتصور البعض.
وفيما يخص المثقفين العراقيين فيتوجب ان يتحملوا مسؤولياتهم الان في هذا الظرف، وان
يسهموا في ردم فجوة الطائفية، وان يذيبوا مسألة العرقيات، ويحذروا من التفتيت،
لانهم من دولة كانت تعد رابع قوة في العالم، فمأساة تعرض العراق لنهب الثروات ، كما
حدث مع نهب متاحفه وآثاره، يتحمل المثقفون مسؤولية كبيرة في تجاوز المحنة التي
يعيشها العراقيون.
فيما يخص المسرح العراقي ارى ان هناك مسرحا عراقيا يعبر ليس فقط عن معاناة
العراقيين، وانما يتبنى تقديم رسالة عبر عرضه المسرحي، ويتوجب ان تكون هذه الرسالة
دعوة الى التوحد والوقوف صفاً واحدا لمواجهة النكبات، وهم يبحثون عن الطريق للخروج
من محنتهم ، لان المثقف العراقي عظيم بعظمة شعب العراق وحضارته، ونحن العرب جميعا
نحتاج الى توحد العراقيين.
ندين بالفضل للمسرح
العراقي
المخرج السعودي عثمان فلاته
تحدث بإيجاز حول الحياة والمسرح في العراق قائلا :
يحيا المسرح العراقي في ظل ظروفه الحالية ماساة ومعاناة وظلماً كبيراً، لكنني آمل
ان تخلق هذه الظروف مرحلة مسرحية جديدة وتولد طاقات جديدة ، والمسرح في السعودية
يدين بالفضل للمسرح العراقي، نقل لنا الكثير من الطرائق والوسائل التي ساعدت على
تقديم تصور تجريبي لنا في المسرح، اعتقد انه على المثقف العراقي الآن ان ينهض بواقع
دوره ، كما يتوجب على المسرحيين النهوض بواقع مسرحي جديد ، فعروض المسرح العراقي
كانت دائما تطرح معاناة العراقيين ، والعراق اليوم يمر في وضع يدعو الى الأسف
حقيقة، واول ما يتوجب التوقف عنده هو التركيز على فكرة توحد العراقيين، فمعلوم ان
الحرب تولد ردة فعل ، وردة الفعل على خشبة المسرح تختلف عن ردة الفعل في الشارع
العراقي .
مأساة العراق مأساتنا
جميعا
اما الناقد الدكتور حسن
عطية من مصر ، فقد تحدث لنا قائلا :
ان ما نشاهده بشكل يومي من على شاشات الفضائيات بحاجة لوقفة منا لاعادة النظر فيما
حدث ، ويحتاج من الانسان العراقي مثل هذه الوقفة ، انا حزين جدا لما يجري في العراق
من موت، وحينما يضعف العراق على هذا النحو امر يدعو الى الأسى، وخوفي من هذا
التناحر الذي يقدمه الاعلام العربي بهذه الصورة، ولكن اقول ان العراق لو غدا ضعيفا
فهذا ضعف لنا جميعا. نتساءل هنا عن الدور الذي يمكن ان يقدمه الفنان والمثقف في
العراق ، اظن ان جزءا كبيرا من هذا الدور الان تحديدا هو تذويب اية مواقف وافكارمن
شانها اثارة الفوارق العرقية ، فمسألة اثارة التقسيمات العرقية والطائفية خطر حقيقي
في كل مكان، ولو استمر هذا الامرسيؤدي الى اضعاف هذا البلد، وهذا ما يجب ان يتوقف
عنده المثقف العراقي بوجه عام. والمسرح بشكل عام يجب ان يظهر لنا دوره على الرغم من
وجود عثرات تعيق تقديم اعمال مسرحية ، الا ان معاناة الشعب العراقي العميقة هذه
المدة ستولد ردود افعال وحراكاً فنياً جديداً، من شأنه تغيير مسار الحياة هناك.
*******
تنشر بالتزامن مع المدى البغدادية..