"غير صالح" للعراقي عدي رشيد في <أيام بيروت السينمائية>
بغداد البصريات.. بغداد الجمال الأدبي

نديم جرجورة

في إطار الدورة الرابعة ل<أيام بيروت السينمائية>، التي نظّمتها <جمعية بيروت دي سي> بين السادس عشر والثالث والعشرين من أيلول الجاري، عُرض الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج العراقي عدي رشيد <غير صالح> (العراق/ألمانيا، 35 ,2005 ملم، 68 دقيقة، بالألوان). تمثيل: يوسف العاني وسمر قحطان وميريام عبّاس وحيدر حلو وعواطف سلمان ومجد رشيد وباسم حامد. سيناريو: عدي رشيد وفارس حرّام. تصوير: زياد تركي وفريدريك باتييه. موسيقى: غبريال يارد.
لم تكن بغداد ديكوراً لحدث درامي، أراد عدي رشيد أن يروي تفاصيله الاجتماعية والإنسانية والسياسية في فيلمه الروائي الطويل الأول <غير صالح>. لم تكن مكاناً عابراً، أو لحظة زمنية متوقّفة عند مأزق وجودي، أو أزمة بقاء لأناس تائهين وسط أدغال الفوضى والموت والخراب والتمزّق. لم تكن مدينة عادية. لم تكن مسرحاً أو صورة أو قولاً. إنها، باختصار شديد، إحدى أبرز الشخصيات الدرامية، إن لم تكن الشخصية الأساسية الوحيدة، التي أعاد عدي رشيد التقاط نبضها الانفعالي والإنساني، مقدّماً إياها بكثير من الحبّ، وبكثير من الألم أيضاً. فهي، في انفلاشها على مساحة الصُوَر المتلاحقة لعراق مخضّب بالوجع والدم، تلعب أدواراً عدّة، لتروي حكايتها. وهي، في تقوقعها عند التخوم الواهية بين الوهم والواقع، تعيد بناء عمارتها الإنسانية والتاريخية والوجودية، لتقول انكسارها وخيبات ناسها.
ليست بغداد وحيدة، في فيلم يضجّ بالآلام والوحشة. إنها قائمة في فلك مفتوح على أسئلة معلّقة بين ماضي الجثث والخوف، وحاضر مسحوق تحت أقدام الجنود الأميركيين، وغدّ مشلّع على احتمالات الموت والجنون. تماماً كأولئك الناس المنذورين للضياع. إنها جزء من دائرة مغلقة على أشياء لا تنتهي، وعلى تفاصيل لا تعثر على منفذ لتحقّق حضورها في هذه البيئة الدموية والقاسية. هذه الأشياء كثيرة: حرب وقتل وآفاق مسدودة وانهيار أرواح وأحلام. والتفاصيل عديدة: الحب والسلام الذاتي (أولاً وأساساً) والطمأنينة والسكينة والعلاقات الجميلة. مع هذا، تبقى بغداد، كما صوّرها عدي رشيد، أجمل من أن تحاصرها كلمات نصّ يدّعي نقداً لفيلم، فيقع في بؤرة الانسحاق تحت وطأة حضورها المصوّر بجمالية بصرية مرتكزة على قوة الألوان المتناقضة في رسم ملامحها، وعلى قسوة الخراب النفسي والجسدي لناسها الجميلين.
بعد سقوط النظام البعثي العراقي، استباح الجيش الأميركي شوارع المدينة وأزقتها، محاولاً أن يدمّر روحها وأن يسحق عظامها. في هذه اللحظة الضائعة بين رغبة دفينة في الخروج من نفق القمع والحصار وسعي حثيث إلى لملمة الجراح المتنوّعة وإلى محاولة فهم ما حدث ويحدث، جال عدي رشيد في الفضاء الواسع لمدينته المسيّجة بأشكال شتّى من البؤس والجنون. يظهر البؤس في قدرة السينمائي على إعادة خلق اللغة المكسورة في نصّ أدبيّ، مع أن قوة النصّ أثّرت سلباً، إلى حدّ ما، على الجماليات الواضحة في التصوير وبناء بعض الشخصيات (الحبيبة المعذّبة، العجوز المنصت إلى نشرة الأخبار وإلى صدى الحكاية الوارد إليه من صمت طاغ في يومياته، المجنون، وغيرهم) والكتابة البصرية للسرد الدرامي واستخدام الموسيقى. ذلك أن إمعان رشيد في حماية أدبية النصّ، جعلت المتلقّي يحتار أمام هذه الثنائية: النصّ الأدبيّ في مقابل الجماليات.
إلى النص الأدبي وقوته الطاغية على المناخ السينمائي، بدت الشخصية الأولى (لن أعتبرها الشخصية الرئيسة، لاني أرى بغداد في هذا الحيّز الدرامي للفيلم)، التي تشتغل في صنع الأفلام وتصوّر الخراب الحاصل في النفوس والشوارع والمقبل من الأيام، متصنّعة في داخل الحبكة. كان يُمكن الاستغناء عن شخصية مخرج سينمائي في داخل فيلم سينمائي، طالما أن الفيلم بحدّ ذاته يريد اختراق الفوضى العراقية في بغداد كي يلتقط نبض المدينة وحيوات ناسها. إن الاستعانة بشخصية سينمائي ووضعها في سياق النصّ الأدبيّ، لم يكونا ضروريين، بقدر ما أثّرا سلباً في صنع الحكاية وسردها. هذا رأي شخصي بحت، لا علاقة له بتعليق نقدي، بل بشعوري كمتلقًّ عادي. ذلك أن الجماليات البصرية التي اشتغل عليها عدي رشيد في فيلمه الجميل هذا، والنبض الإنساني المفعم بالمرارة والقسوة، وهذا الكَمّ البديع من اللقطات المؤثّرة للناس والمدينة، جعلت <غير صالح> فيلماً مؤثّراً، لحساسية صانعه وفريق عمله، ولشفافية الذات الخاصّة بالمخرج، المفتوحة على وجعها وأسئلتها المعلّقة والملتبسة.

عن السفير البيروتية

دفاتر