مشكان شابير

المنحوتات المتمتعة بالديمومة تقدم وصفاً نصياً عن حياة المدن

  

بقايا أوائل المدن التي عرفتها البشرية هي من أهم الكنوز التي لا تزال خفية في أنحاء جنوب العراق، مثل مشكان شابير، ومنذ قرنين من الزمان لاتزال هذه المدن وما فيها من آثار تحير علماء الآثار. وبعض هذه المدن التي تتابعت عليها أكثر من 5 ألفيات ونصف من الزمان من الاستيطان البشري المتتابع، فإن بعض هذه البقايا لكل مدينة تتوزع على أكثر من ميل في القطر ومئة متر في الارتفاع فوق السهل الذي تتوسطه.

مدن مثل بابل وأور وأوروك ونيبور وكيش وكلها في الجزء الجنوبي من أرض العراق قدمت للعلماء ثروة من المعلومات عن الثقافة المدنية في مجتمع بلاد الرافدين. وبفضل المادة المستخدمة في الكتابة لدى مواطني تلك الدول، وهي الألواح الفخارية، التي تتمتع بالديمومة قدمت وصفا نصيا مفصلا عن المؤسسات السياسية والثقافية والدينية والاجتماعية في تلك المدن.

المشروع التنقيبي الذي أثمر اكتشاف مدينة مشكان شابير تبلور حين قرر العلماء مواجهة السؤال المتعلق بالتنظيم المدني وذلك بالبحث عن موقع أثري لم يستوطنه البشر سوى في فترة واحدة من الزمن.

والعثور على مثل هذه المدينة قصيرة العمر كان من شأن أن يوفر لمحة عن التخطيط الحضري للمدينة. وبتحليل هذا التخطيط المادي للمدينة. سيتمكن الباحثون من استخلاص نتائج عن نشوء هذه المدن وفيما إذا كان نتاجاً لإجراءات قهرية على يد السلطات الدينية والملكية أم نتاجا لإجماع توصلت إليه مختلف قطاعات المجتمع.

وبعد الكثير من التحليل للبيانات المتوفرة، اختار الباحثون موقعا اكتشفه الباحث الأميركي روبرت ماك ادامز من جامعة شيكاغو أواسط السبعينات. والزيارة الأولى للموقع التي قام بها الباحثان اليزابيث ستون وبول زيمانسكي تمت عام 1987 وفي ظروف غير مناسبة حيث تصادفت مع بدء الحرب العراقية الإيرانية ومع ذلك تمكنا من التأكد من احتواء الموقع على العديد من الأمور التي تدل فعلا على وجود مستوطنة بشرية قديمة.

الجدران والفخاريات والقبور، بل وحتى القنوات المائية القديمة كانت كلها مرئية للعيان على أرض يزيد قطرها على ميل. وبقي الموقع بدون أي أعمال تنقيب سنتين أخريين حين بدأت أولى العمليات.

تشير أولى الوثائق التاريخية التي تحدثت عن المدينة إلى أن مشكان شابير قرية صغيرة يسكنها رعاة الأغنام على أطراف بلاد الرافدين أواخر الألفية الثالثة قبل الميلاد. وربما كان النسيان مصير المدينة لو لم تصبح مسرحا للتطورات السياسية أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد.

فقبل وقت قصير من عام 2000 قبل الميلاد، انهارت امبراطورية كان مركزها مدينة أور وكانت تسيطر على كامل السهول جنوب العراق. وفي القرنين التاليين لذلك، تنافست عدة مدن لوراثة هيمنة أور ومن بينها مدينتا ايسين ولارسا. ومع الوقت تضخمت مشكان شابير من قرية إلى مدينة وأصبحت العاصمة الثانية لامبراطورية لارس.

لكن مع هزيمة ايسين بفعل بروز نجم بابل في عهد حمورابي وقدرة ذلك الملك على توحيد بلاد الرافدين تحت حكم مملكته فقدت مشكان شابير أهميتها الاستراتيجية وهجرت المدينة قريبا من العام 1720 قبل الميلاد وحل الخراب بالقنوات المائية التي كانت تقوم عليها حياة المدينة التجارية والاجتماعية. وهكذا عادت المدينة لتضيع تحت الرمال.

الوثائق التاريخية تتحدث عن مشكان شابير خلال حقبة ازدهارها ومجدها الوجيزة باعتبارها عاصمة ثانية لامبراطورية لارس ومدينة سياسية تشهد معظم النشاط الدبلوماسي للإمبراطورية كما كانت البوابة التجارية ومدخل التجارة إلى نهر دجلة كما كانت أيضا موقعا لمعبد نرغال إله الموت وأحد أقوى آلهة الديانات في بلاد الرافدين.

كشفت صور القمر الصناعي الفرنسي سبوت للاستشعار عن بعد في مايو 1988 وجود قاع قديم لنهر دجلة قرب موقع المدينة وهو ما يفسر كون المدينة بعيدة 20 ميلاً عن أقرب مجرى مائي معاصر الآن. كما أظهرت الصور الفضائية أيضاً وجود شبكة من القنوات المائية القديمة التي تخرج من ذلك المجرى القديم لدجلة وتقسم المدينة إلى عدة أجزار بعضها الماء عن بعضها.

أعمال التنقيب قدمت الكثير من المعلومات عن الحياة في المدينة. فمثل أي مدينة في بلاد الرافدين في تلك الحقبة، كانت مشكان شابير محاطة بسور مبني من القرميد فيه عدد من البوابات. اكتشفت حتى الآن ثلاث منها.

بوابتان كانتا مفتوحتين على طرق برية وأخرى تعبرها قناة مائية. مصراعا البوابة المائية كانا مثبتين على جانبي القناة، ربما لتنظيم تدفق الماء أمر تنظيم عبور القوارب والسفن داخل وخارج المدينة.

غير أن ما لم يكن متوقعاً هو أن المباني السكنية كانت بعيدة عن السور، فهناك فسحة تفصل السور عن المباني، باستثناء ستة مبان معزولة يبدو أنها كانت مستودعات، فالكثير من النصوص التاريخية تشير إلى أن تجارة البضائع كانت تمر قرب البوابات، وبالتالي ربما كانت تلك المساحات المفتوحة داخل الأسوار مكاناً للسوق.

المدينة كانت مقسمة إلى خمسة أحياء تفصلها عن بعضها القنوات المائية. منطقة مربعة كانت تتوسط المدينة تحاط بأربع مناطق أكبر حجماً إلى الشمال والشرق والجنوب والغرب. الحيان الكبيران، وهما الشمالي والشرقي، كانا أيضاً مقسمين بقنوات مائية، ومرفآن كبيران كانا يتوسطان اثنتين من نقاط تقاطع القنوات.

الكثير من بيوت المدينة كانت مبنية على امتداد القنوات على نحول جعل القنوات المائية جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي، ومع أن مشكان شابير لم تكن المدينةالوحيدة في بلاد الرافدين المخططة على هذا النحو، فإنها كانت صاحبة أكبر شبانة من القنوات المائية.

أما الشوارع فكان بعضها يمتد بموازات القنوات وبعضها تقطع الأحياء. وفي أحد هذه الشوارع لا يزال بالإمكان رؤية بقايا قرميد جسر يعبر فوق إحدى هذه القنوات، وقد أظهرت أعمال التنقيب في مدن أخرى أن الشوارع كانت تتفرع منها دروب أصغر بحيث تصل إلى باب كل بيت.

كما تظهر الصور الجوية علامات أخرى عديدة. فأحد الأسوار يحيط بجزء من الحي الغربي فيما يمر سور آخر عبر الجزء الجنوبي من الحي الأوسط. السوران يتشابهان الأسوار الداخلية في مدينة أور التي تحيط بالمعابد الرئيسية في المدينة.

معبد الإله نرغال كان مركز المدينة قاطبة. وكان المعبد من الارتفاع بحيث تمكن رؤيته من على أميال بعيدة كما كان رمزاً لقوة المدينة. ان بقايا المنصات القرميدية التي تبدو أنها كانت تحمل فوقها أكثر المباني الدينية أهمية فتوجد في المنطقة الجنوبية المفصولة عن باقي المدينة بقناة.

وفي هذه المواقع اكتشفت تماثيل لبشر وأسود وكلاب وخيول، وتماثيل الأسود كانت تزين هذه المعابد الصغيرة في مشكان شابير، غير أن التماثيل البشرية والحيوانية المعقدة والضخمة كانت توجد في معابد المدن الكبرى فقط مثل ايسين. كما تتضمن الوسطى أيضاً مقبرة المدينة وهي مفصولة عن غيرها بسور.  

عن البيان الاماراتية

دفاتر