الـعـــاريـــات الـجـــــمـــيـلات
لـجـــمـــيـل مـــلاعــــب
:
فــرشــــــاة نــهـــــمـة تـفــــتـرس جــســــد الأنـثــى ولا
تـــشــــبـع
شادي وهبة

نحو من
47 عارية مرسومة غالبيتها بالغواش وأقليتها بالاكريليك، كافية هذه المرة،
في "غاليري جانين ربيز"، ابتداء من اليوم اول تشرين الثاني حتى
الخامس والعشرين
منه، للكشف عن جوانب مستورة، لكن مضيئة ومثيرة، في تجربة جميل ملاعب
التشكيلية.
السر ليس في العري، كمادة استعراضية، إنما في تشكيل هذا العري، الذي
يضطلع بالدور
البطل في لوحات جميل ملاعب هذه، التي تم اختيارها من فترات زمنية
متباعدة ومراحل
مختلفة من تجربته الخاصة، ابتداء من أوائل السبعينات.
إذا كان المعرض يستهلم
ياسوناري كاواباتا في "جميلاته النائمات"، عنواناً شبقاً له ومدخلاً
للتعاطي
"الموضوعاتي"
مع السطوح ومكوّناتها وفضاءاتها، فإنه سرعان ما يشفط نزق الموضوع
وغواياته ليجبر عين الزائر على أن تتفاعل مع هؤلاء العاريات التفاعل
البصري الفني
الذي يخضع لمنطق الرؤية التشكيلية من حيث الأحجام والأشكال والخطوط
والضربات
والألوان.
لكن، هل يستطيع المتلقي أن يفصل بين التشكيل والموضوع الذي يشكّله؟
لا، بالطبع. فكأنكَ تطالب الحب أو الجنس بأن ينفصلا عن شخص المحبوب
وحضوره الجسدي.
جوهر المسألة أن عين هذا المتلقي تشقّ لنفسها الدروب نحو أسفار، هي
أيضاً فنية
وجمالية خالصة، إن من حيث المقاربة التأليفية والبنائية واللونية
للوحة أو من حيث
الحالات التي تشي بها. فاللوحة إذ تبدأ تتألف من لحظة التماس الجسدي
الذي ينشأ من
لقاء الفرشاة أو الريشة والسطح العاري نفسه، فإنها تخطو خطوات لا
يمكنها أن تتراجع
عنها. هي تنمو نمواً مستقبلياً يشبه نموّ العشب والنبات والورد
والشجر في الأرض،
وعلى امتداد سطحها، وفوق هذا السطح، ومن كل جهاته، وفي أحواله كلها.
أي ان هذه
اللوحة تواصل حياتها المتنامية باستمرار. حياتها هذه، لا تُحسَب فقط
باكتمال الوقت
الذي تتطلبه عملية الرسم، ولا هي تستسلم لمنطق الأفول الذي يلي لحظة
التعري، أو لدى
انتهاء فعل الحب، إنما تُحسَب ابتداء من ذلك الزمن بالذات. فكأن هذه
اللوحة لا
تكتفي بالعارية ذاتها ثم تقفل باب التلقي والتأويل، لأنها تبدأ
مسيرتها من حيث لحظة
الانتهاء المظنونة. أقصد أن ثمة جوعاً حقيقياً يثيره الرسم في أرجاء
اللوحة،
يطالبها بالنمو في المناطق المرئية من السطح، وتحت هذه المناطق
المرئية، وفوقها على
حد سواء. فرشاة جميل ملاعب، أو ريشته، هما في هذا المعنى، جشعتان
ومتطلبتان، ولا
تشبعان. عين المتلقي أيضاً. فها هنا العري في شقيه، المرئي والخفي،
المعلن والمضمر،
الخاضع لسلطة العين والمتحرر منها في آن واحد، ومعاً. فأيّ قيمة
مضافة للموضوع
العاري هذا، إذا لم يفسح المجال الرحب للتأويل البصري؟ المنطق
التأويلي، مستمد من
منطق التأليف والبناء واللون، مرةً، ومن منطق الحالات النفسية
المتفجرة، والناجمة
عنها، مرةً ثانية. فإذا كان الجسد الأنثوي العاري هو الموضوع، فإنه
مضطر، تشكيلياً،
لأن يليه أيضاً، وإلاّ أقفل النوافذ على رئتيه وعينيه، وحكم على
التنفس والرؤية
بالاختناق والتقوقع والموت. فليس العري محصوراً في هذه المرأة
العارية، إنما هو
يشيع في الأرجاء التشكيلية كلها، حتى ليصاب المتلقي بما يشبه
الإحساس بأن هناك
مناخاً عارياً يتخطى المعطى الحسي والبصري ليطال منطق العلاقة بين
السطح - المرآة
والعين التي تستلقي عليه. هذا لا يعني أن عاريات جميل ملاعب يستلقين
على حال عالية
ونهائية من الجنون الشعري والحلمي. ربما، بعضهنّ لسن سوى محض تجارب
عارضة، ويحتجن
أيضاً الى ضربات شبقة وماكرة، أو يحتجن الى ذكاء تشكيلي من نوع آخر،
أو الى ضربات
تمحو حضورهنّ الفجّ والظاهر. ربما.
أياً يكن، ليس من شكل استلقائي محدد دون
سواه، في هذا المعرض، وإن يكن الاستلقاء المتمدد على فراش أو على
كنبة هو السائد.
وليس من امرأة واحدة، وإن يكن المعرض مضافة واحدة. ثمة حصيلة مشتركة
للعمل على
موديل، ربما، ولأسفار متعددة خاض الرسام غمارها العاري. هنا يدان
مشبوكتان وراء
الرأس، وها هنا القدمان والساقان والفخذان، على انفراج استفزازي أو
على انضمام
كتوم، وها المنطقة التي يحلو للبعض أن يسمّيها محرمة - وليس من
محرَّم - وها البطن
وضواحيه والسرّة والنهدان والإبطان والذراعان واليدان والوجه برمته.
وها المشهد
العاري وجهاً لوجه، وعلى الظهر، وعلى الجانب، وعلى البطن، واتكاءً،
وجلوساً،
ووقوفاً، ومواربةً، وانحناءً، والعين بالعين، وهلمّ. ودائماً ثمة
هذه اليقظة التي
ترى، وتنادي، وتنتظر.
لا، ليس من استسلام للنوم في هذا المعرض. أي أنه ليس
عرياً "سلبياً" تتلقاه العين لتحياه وحدها، إنما هو عري "إيجابي"
يقيم تواصلاً مع
هذه العين فلا يتركها وحدها، غريبة وتائهة ومرذولة. بل أكاد أقول
إنه عري محرِّض،
استفزازي، مثير، ومستغيث بشهوة، وإن بدا أحياناً لامبالياً أو
استعراضياً. الأكيد
انه لا يكتفي من العري بأن ينوجد ويكون، ذلك أنه عري حيّ، نابض،
حارّ، نزق، شهواني،
وداعر. لكن، من دون إسفاف وتهافت وتساقط. البتة.
وهو بالألوان كلها، من الأبيض
الى الصلصالي، الى الترابي، الى البني، الى القرميدي، الى الأخضر
والأزرق والأحمر.
وليس من لوحة إلاّ فيها أكثر من لون، وجميعها تتألف وتتشكل تأليفاً
وتشكيلاً. أي
انها لوحة مبنية بناء محكماً، وقد لا تكتفي بالسطح العاري الذي يتخذ
لنفسه أحياناً
لوناً صلصالياً وترابياً ذا مسحة مثيرة جنسياً، ولا بالجسد العاري
نفسه، إنما تنهد
صوب التأليف الكامل للسطح حيث الفراش وتزييناته، وحيث التلفون في
انتظار أن يرن،
وحيث الباب المغلق في انتظار أن ينفتح، وحيث التزويقات وفن الأرابسك
والغيوم
الافتراضية، وحيث التأثيرات التي تأتي من آخرين، أجانب ومحليين،
وحيث بصمة جميل
ملاعب الشخصية التي لا تغيب عن إدراك العين. وهي هنا واضحة الملامح
والمعالم. وهو
معرض على مستويات ودرجات، بدءاً بدراسة أكاديمية، مروراً بالنسج على
منوال، وصولاً
الى درجات الخبرة المتمرسة بالسطح ودواعيه تأليفاً وبناءً ولوناً.
وهو معرض
يجوّع العين، ويأخذ بها الى نهم يفترس ولا يشبع.
(•) يوقّع الرسام كتابه الجديد "سيرة ذاتية" عن كل مراحل أعماله الفنية، خلال حفل افتتاح المعرض الذي تقيمه الغاليري.

عن النهار اللبنانية