هادي
ماهود يزاوج ما بين الواقع والحلم عبر ثمان وثلاثين لوحة
محمد درويش علي
(ناحلٌ كالكرة يسري) تولد لدي هذا الانطباع عن هادي
ماهود، الفنان التشكيلي وانا أرنو اليه، وهو يتحدث عن معرضه الشخصي الثاني، الذي هو
موضوع كتابتي، تحدث بطريقة انفعالية مستترة وكأن لديه كلاماً آخر، اكبر من اللوحات
الثماني والثلاثين التي ضمها المعرض، لم استطع ان اقف امام هذا الخراب الذي طال كل
مكان، حتى كاد يصل الى ارواحنا، لولا ذلك النقاء والاصرار اللذان يحركان سواكننا.
أردت ان اقول شيئا، وكانت هذه اللوحات".
هذا ما قاله هادي ماهود، وما يقوله في معارضه القادمة اكثر
من هذا.
جسد
هادي ماهود في لوحاته، جزءا مهما من البيئة الجنوبية المتمثلة بالاهوار، وطبيعة
الحياة فيها، ليس بالطريقة الفوتوغرافية في التعبير، وانما من خلال ابراز، الجوانب
المثيرة فيها، واعادة صياغتها وفق رؤية فنية ومنح الجوانب تلك طاقة للحلم يرنو
اليها المتلقي من خلالها، وبرغم وجود تصريح مباشر في بعض اللوحات، الا انه جعل
المتلقي يأخذ بأكثر من خيار في تفسيره لها، وعمل وفق ثنائية الخراب، الجمال،
البناء، الهدم.
حملت اللوحات ابعادا ودلالات ومنحت المتلقي فسحة من خيال
باتجاه تحريك الواقع الى منطقة الامل، يجعله يشعر بتفاؤله، وان الخراب مصيره
الزوال، وبديله الجمال، والهدم لا يبقى على حاله، بل يطوله البناء، وان الموت ببعده
المعروف هو حالة طبيعية، ولكن حينما يأتي بفعل فاعل لتعطيل حركة الحياة، فان ذلك
يحل محله الميلاد بكل معانيه وابتهاجاته.
ومثلما يحصل تباين في الواقع، حصل التباين في اللوحات وهو
تباين كان محسوبا لمصلحة اللوحة او اللوحات التي عكست هذا التباين.
ففي احدى اللوحات التي اعدها افضل ما موجود في المعرض، كان
السواد يؤطر كل شيء، ويلقي بحزنه وقتامته على جو اللوحة، العام.
اسماك، جذور، ممتدة في الماء، أي ماء الهور، كلها كانت
تعاني الضياع، وتبحث عن الالفة، وسط ركام الخراب.
المتلقي لهذه اللوحة، او ما تلقيته انا، هو الجو العام الذي
يغلفنا، منذ ما يقرب الاربع سنوات، السواد في اللوحة كان اشبه بدخان بناية محترقة،
والاسماك هي اجساد تبحث عن خلاصها من الموت، والجذور، ربما هي الخلاص الذي يأتينا
عبرها، وهي تمتد الى اعماق سحيقة لتولد الخضار.
فضلا عن اللود الاسود، كان هنالك اللون الاحمر الذي أطر
عدداً آخر من اللوحات، وكان طاغيا بشكل واضح.
"هنالك لوحات كتبتها في الحلم" حينما دققت في اللوحات وجدت
لوحة فيها رجال ونساء ينتظرون في طوابير، تغلفهم الحيرة، من يرنو اليهم يشعر بأنهم
بانتظار مجهول معلوم وكان كل واحد من هؤلاء المنتظرين هو عالم خاص، من الخيبة
والاندثار والبحث عن الخلاص، او ان كل واحد كان بانتظار (غودو) عائداً اليه.
جسد هذا الحلم اللوحة خرابا وجوديا عاما، تمثل في لحظة،
الانتظار، والانتظار هنا يكلف ما تكلفه الحروب، كما يقول الشاعر عبد الرحمن طهمازي
في احدى قصائده، اذا المنتظر مجهول فإن المنتظر هنا، برغم معلوميته، مجهول هو
الاخر، انه يعاني محاطا بالضباب والاحمر، ربما بالموت الضمني وهو يتقدم صوب مجهوله.
ثمة لوحة اخرى، كانت فيها، "جاموسة"، بقرنين كبيرين مهيمنة
عليها، وكانت رمزا لاستمرارية ما، في البيئة التي تهاجر منها، وتأتي اليها طيور،
وتسكنها مشاحيف واسماك ومياه، وطيبة وغربة، ووحشة وفظاظة ان في اللوحة هذه نوعاً من
المخاتلة الفنية تتمثل في بساطة الطرح للوهلة الاولى، لانها تجعل البيئة وما فيها،
تمنح نفسها للمتلقي، ولكن المشكلة ليست هنا، بقدر ما هي بعد اللوحة، أي ما وراء
النص كما يقول امبرتو ايكو في قراءته السينمائية أي العلاماتية، للنص الادبي، ان ما
وراء اللوحة، يختبئ الكثير من المضامين، والافكار التي هي تجسيد للهم، وتجفيف
الحياة الذي ما زال مستمرا، برغم التغيير.
فاللوحة تقول ان الحياة ليست في الهور حسب، وانما في
مفاصلنا الكثيرة التي ما زالت جافة، جفاف الهور ايام زمان!
ثلاثة كولاجات
ثلاث لوحات كولاجية، ضمها المعرض، لم تخرج عن الاطار العام
الذي رسمه الفنان هادي ماهود، فكان الابيض والاصفر والاحمر، وصور وضعت بطرق مغايرة،
تروم ايصال فكرة التباين الى المتلقي.
ان هذه المغايرة والتباين لم يستطيعا ان يغيرا الجمالية
التي كانت عليها الكولاجات، فالوجوه برغم تقطعها، واندثارها تحت الوان اخرى، وربما
لون رمادي فاتح، كانت تومض بحياة من نوع آخر، حياة منكسرة تحاول اعادة الوجود
اليها. مثلما فعل هادي ماهود مع لوحاته الاخرى، فعل مع لوحاته هذه (كولاجاته)
ومنحها ذلك البعد الذي كان يدنو ويقترب منا.
ملاحظات عامة
لقد كانت المهيمنات على اللوحات الثماني والثلاثين هي الماء
والاسماك،والغرابة المتجسدة في كل شيء منها، غرابة اللون وغرابة الثيمة، وغرابة
الشكل، وغرابة التفاؤل، ولم تستطع غير لوحتين او ثلاث من الخلاص من هيمنة الاسماك
التي كان يجد فيها الفنان ماهود، بعدا سومريا ومثالا حياة للحياة عبر العصور، وكانت
رسوماته هذه هي استدعاء لمعايشة كان يقوم بها باللا شعور في طفولته، وتمركزت لديه،
حتى طفحت، وخرجت الى متلقيه بهذه الصورة التي كان عليها عبر معرضه الشخصي الثاني،
الذي احتضنته قاعة مدارات في الوزيرية.
شهادة الفنان هادي ماهود
العب في طفولة مرحة ابصق الرتابة والنظام، اتصعلك في طرقات
الفكر المعلقة على باب المنفى، ذلك التيه الابدي الذي لازم الكثيرين، اجمل وجه
امرأة جعلها سومرية، انحت فيها الاف المشاحيف أصف فيها شعرها القصبي اللون، وبرديها
في ميسانه ثكلا. استدارة الوجه كخبزة السياح، لا أقول كالقمر.
ربما أداعب قلقي بقرن جاموس وحشي او اترك ضالتي لبقايا زواج
عبثي بين قصة جنوبية وبردي سومري هناك حيث تلد الاسماك تلد الطيور المهاجرة تبحث
وتبحث عن وطن للغربة عن مياه لا تشبهها زرقة ولا تشبهها خضرة.
احلم بك كل مساء وكل فجر.. رائحة الحطب المحمول على رؤوس
النسوة صباح مساء.
عن المدى البغدادية