كلمات في معرض الفنان طالب مكي

د . جواد الزيدي


أراد الفنان طالب مكي تأكيد حضوره التصويري والوقوف على تجربته كاملة غير منقوصة تحمل غبار سنواته التي خلت من خلال معرضه الاستعادي الذي احتضنته اروقة قاعة مدارات وجدرانها ،بعد ان تعرفنا عليه نحاتاً من طراز خاص ينتمي الى جيل مابعد الريادات النحتية حيث إسلوبيته في الاشتغال وتقنياته على المواد المختلفة الدالة على شخصيته منذ لحظة اللقاء الاولى مع تلك الاعمال.
 

وقد: استطاع من خلال هذا التكنيك ان يتلمس منهجه الذي يحيل الى خصوصية في انتاج الخطاب ،الذي عمد فيه الى تغريب الاشكال النحتية والمصورة بما تقدمه رؤية المزاوجة بين الانسان وما يحيط به ،حين صوره با ربعة اطراف مع الاحتفاظ  بهيئة الوجوه الآدمية في بعض الاحيان طبقاً لاشتغالات رمزية تعكس الرغبة الجامعة للإ نسان الذي تحول هيئته المعروفه وتخرجه عن كياسته الى مناطق بعيدة تنتمي الى تماثلات حيوانية .ان هذا الاقدام على تغريب الشكل الخارجي لمنحوتاته تعد محاولة منه لاخفاء طبيعة مادته الاولية من خلال حزوزعلى المظهر الخارجي التي اصبحت السمة الوحيدة حين تلتقي عندها مواد البرونز والخشب والجبس. وفي هذا المعرض تلمست رغبة مكي السرية الكامنة في منح معرضه صفة توثيقية في جزء كبير من اعماله الزيتية تحديداً ، اذظهرت اشكال منحوتاته المعروضة ا باجناسية الرسم التي تمثل وجوهه هو او وجوه محيطيه المتغيرة ذات السمات الحادة بهياًت متعددة ومتراكبة في احيان اخرى او الصقت عليها قرون ثور او ملامح حيوانية اخرى جزء من الفهم السابق الذي أشرنا اليه ولتفعيل دور الدلالة في العمل الفني واخضاعها لمناطق التأ ويل الجمالي عبر هذه الاشارات والمسارب الدلالية ،التي تفتح افقاً جديداً لقراءة العمل الفني وتنحى به عن مناطق المباشرة في التعبير ،تلك التي تطيح بالمشروع الرؤيوي الخلاق .هذا التداخل الاجناسي لم يفك الاشتباك بينه حتى نهاية محطاته البصرية والتزامه قناعات تعكسها معطيات واقع خاص خلال مسيرته الفنية الطويلة المعفرة برائحة الزيت واشعاعات البرونز احسسنا بها ونحن نصطف بجانب اعماله وامامها وهي تنفث تلك الروائح على إنوفنا. وقد حاول الفنان عدم مغادرة منطقة النحت والاحتفاء بها في هذا القسم من معرضه ،حيث ان منظومته اللونية إستعارت مؤثرات الوان النحت الزرقاء الداكنة والبرونزية والبيضاء احياناً اخرى تعالقاً مع خامة النحت المستخدمة في صياغة الخطاب البصري ، الاان الجزء الثالث الذي يمثل منطقة الرسم المفاهيمي يعكس جوهر تجربة الرسم لديه من خلال قدرته الفائفة بعيداً عن مناخ المحاكاة اوالتوثيق ،بل صياغة حقيقية تنم عن رؤية متقدة تحاول ان تقدم الكثير عما يعتمر بداخلها قاصدة اجتراح موضوعات أثيرة تتخذ من الانسان محوراً رئيساً لها ،بوصفه صورة عاكسة لطبعية الوجود وهو المحرك للقوى الطبيعية المحيطة به ،ولكن تجلياته على صعيد السطح التصويري اختلفت بحسب اختيار طريقة التعبير لموضوعته وتجسيدها ضمن مذهب فني يعبر عنها بسطح موشح بالوان تعبيرية متالقة ضاجة بالحركة محاولة الامساك بعين المتلقي منذ اللحظة الاولى على اقل تقدير اوهي تدرج اولي يمكن ان يديم صلاته مع جوهر العمل الفني في المراحل اللاحقة فاضحة ذلك مقدرة فائقة في الانشاء واحكام السيطرة على المساحة المصورة في ضوء حركة الكتل والشخوص ومن ثم صياغة علاقات بنائية ولونية داخل المشهد المصور الذي يقترب من السوربالية مرة ويغوص داخل المنهج التعبيري مرة اخرى مستفيداً وموظفاً عدداً من الرموز العراقية الفاعلة في حياتنا ومعالجتها جمالياً بمقدمات نظرية تتمظهر على الشكل الخارجي العياني .ان المعرض الا ستعادي الذي قدمه الفنان طالب مكي كان حواراً هادئاً وشفافاً وصريحاً ايضاً كما هي حركته داخل الدائرة، ولكنه يشبه عناده وتبني المنطقة الموغلة في نسق الصعوبات سواء كان ذلك في منحوتاته او لوحاته المصورة ودعوة لمشاهدة نقوش الزمن وخربشاته واثرها في تجربته الفنية بشقيها النحتي والتصويري واثر دفاعه عن خطابه الجمالي والفكري الذي امن به طويلاً حين يلتزم الصمت مرة تعوض بانفعالات داخلية مريرة تتجسد برؤية مغايرة ومتجددة .      

عن الصباح البغدادية

دفاتر