الفكرة الملتبسة.. في (العرس الوحشي)
 

أ. د. عقيل مهدي يوسف


العرس الوحشي /
اعداد فلاح شاكر
اخراج احمد حسن موسى
تقديم الفرقة القومية
اقترح مخرج العرض احمد حسن موسى، خطة دائرية، فيها صناديق تخنق ابطال العرض: الام ، والابن. في بيئة مبرقعة بشباك حربية تغطى فيها الملاجئ، والاسلحة، للتمويه.. ويبرز "طست" غسيل، ليومي بالتطهر من إثم ما، نتعرف عليه، لاحقاً، باعتداء ثلة من جنود المارينز على فتاة، لتحمل سفاحاً، بابن "مسخ" يراودها عن نفسها وهو يتحسس مراهقته، واحساسه بالضعة والهوان او النبذ والاقصاء من قبل الام، فكأنه ينفس عن مكبوتاته، وعن مركب نقصه، بالانتقام.
تجد في خطاطة التأليف لفلاح شاكر – ثيمة Theme مركزية في كتاباته، يمكن تسميتها بثيمة (الالتباس) وغالبا ما تخص امرأة ما، في وضع حرج، ومتذبذب، بين زوج مفقود، وآخر، يأتي مثل قدر ماحق ليحل مكانه، ثلاثية المصائر هذه بين الزوج والزوجة والثالث المفجر للازمة، باتت في مسرحية العرس الوحشي، ثنائية: بين أم، وابن، يتحمل فيها الابن وزر الجناية التي وسمها الجنود على رحم أم، هي أمه، عن طريق الاغتصاب، وهنا تضعف صدقية الاطروحة في الوضعية الاستهلالية، وكذلك في المقدمة المنطقية للعرض، لانتفاء فعل الارادة عن كائن وجد نفسه في براثن مأزق عجيب، مع أم، لا تحمل شيئاً، الا شحيحاً من حب الانثى لوليدها، بل تجعله سبب نكبتها، في حين انه نتيجة لا حول له، في صنع هذا المصير الاسود الذي آلت اليه الامور، لذلك تتعثر ثيمة الالتباس النمطية للكاتب هنا، في عرض، يقام فيه عرس وحشي، لرجل ضئيل مقهور (مثله رائد محسن) مع ام منتقمة من طراز ميديا في المسرح اليوناني (مثلتها شذى سالم).
اتخذت الحوارات سياقات لغوية ملتصقة بمرجعيات غنائية من البيان والبديع والمعاني المباشرة، الاشهارية، للافكار والنوايا والرغائب التي يفترض ان تكون مكبوتة غير مفضوحة.
وفرز الصراع على المستوى المرئي المباشر، كائنا يمثل جهة الشر بعد غياب الفاعل (وهم جنود المارينز كما يفترض العرض)، ولم يتبق من هذا الفاعل الجمعي، سوى اثره، الذي يحمل تبعاته كائن كسيح، مثل طفل خرج في عالم الكبار الناضجين، وام شبه مجنونة توشك على اقتراف جريمة.
تشكلت مستويات الصراع، في تكرار عملية الخنق، والغطس في الماء حد الاختناق الحقيقي لا المجازي، وفي معاودة انطباق الصندوقين، تارة على الام، والاخرى على الابن، مرة تكون هي الفاعلة، واخرى يكون هو الفاعل. ومرر الصراع عبر بعد فسلجي، مثله جسد الممثل والممثلة، بحركات عريضة، وهرولة راكضة، متقطعة الانفاس، ليحتل واجهة المشهد وهو يزهر بآثار لسعات البعوض، والكدمات، والعيوب او النواقص الخلقية (الوراثية) على هاتيك الاجساد المذلة.
كان التوسل بالمباشرة، هو الخطاب المكدس لاعلان المستور المنكشف، منذ مشهد الاستهلال مروراً عبر تضاعيف العرض ومفرداته المشهدية، واوصل مكون التمثيل بايحاء الممثلة، وهي تشكل دورها، وكأنها تتخذ بدلا من تعاطفها مع الابن الى ما يفترض به ان يكون من ميل فطري الى ميل آخر، تنبثق منه نفحات جنسية يجير عاطفة ام مبتلاة ويدمغه بالغريزة الشبقية العمياء، على حساب مشاعر الامومة.
اعطت سينوغرافيا (فلاح ابراهيم) نسقاً، ودلالات واضحة، لهذا الفضاء المحاصر، والمحشو ببقايا ذاكرة العسكر المحتل الغاضب.
وتساوقت الموسيقى مع تهويل مأساوي لمصائر تتخطى احيانا مصائر كائنين اثنين مقطوعين عن العالم، وغذتها بالروح الشمولي وان لمسافة محسوبة، فرضتها مقولة العرض باضاءة ليلية قاتمة.
ولم يبرر العرض تلك العلاقة الغامضة التي تربط الابن بذلك الصندوق المعلق، الذي يمثل الكنز، وحين ينزل من عليائه نتبين انه حامل ارثاً عزيزاً، متمثلاً بعباءة عربية وعقال ولم تفوت المرأة فرصتها، في خنق ابنها النغل في الصندوق، وهي تشنق نفسها بالعقال ذاته، لتمحو العار، عارها، وعار ابنها اللقيط، وربما عار ذلك الذي تسبب في هذا الخراب.
وظفت فطنة المخرج، المكان الدرامي، وزمنية العرض الدائرية، بدراية مشهدية، مؤثرة في تحفيزاتها البصرية والسمعية وتحمل المخرج ايضا مسؤولية اختياره لهذا التاويل، وتغيير نسق "النص" وحذف او تغيير مقاطع كاملة منه،ليبتعد "خطوتين" عن نص المعد فلاح شاكر، وعن نص الرواية الاصلي للمؤلف اليان كفلك وليجد في مدخله هذا وسيلة للتعبير عن واقعه الاجتماعي ، كما يتخيله مطروحاً تحت نير الاحتلال، فاكثر من دوامة تأثير دوائره المقفلة ليشمل الجميع، موت ابطال العرض واحباط الصالة بهذا المصير المفجع، والصادم والمميت.

عن المدى البغدادية

دفاتر