دكتاتورية السينما في مسرح متناغم                             

                                        مقداد عبدالرضا

حين توجه احد الكتاب الى الى انكمار بركمان يسأله عما اذا كان قد تعب من السينما , كان جوابه ذا علاقة بالمسرح الذي واصل نشاطه فيه خلال اربعة عقود -   ليس هذا هو المقصود ,, المسرح يمثل لي طريقة سحرية في مرافقة الناس والاتصال بهم , الفلم يسبب لي المتاعب ,, يتعب جسدي ,, هو عمل فيه نوع من الدكتاتورية ,, كل شىء فيه ياتي منك ,, كل شىء وفي كل لحظة ,, طاقم العمل نفسه يعتمد على مشاعرك وردود افعالك ,, ربما كنت متعبا في لحظة ما , وآنذاك يكون كل شىء قد صار صعبا ..

كان المسرح مختلفا عن السينما في نظر بركمان المخرج السويدي الذي عمل في المسرح اصلا وانجز اعمالا كبيرة ذات مردود ادبي متفق عليه ( البخيل ,, عدو الشعب ,, الطريق الى دمشق , الشقيقات الثلاثة ) .. لقد حاول ان يميز المسرح بتلك البقعة السحرية في الفضاء المسرحي , وهي صفة لها علاقة بالطاقة التي من الممكن ان يكون عليها الممثل .. ليس لذلك علاقة بشكل المكان , وليس لها صلة بمسرح على وجه التعيين , البقعة او النقطة السحرية موجودة في كل المسارح , علينا نحن ان نجدها , حيث يوضع الممثل بأحسن مايمكن وبصورة اكثر فعالية ..

-تأثيرات الاقتراب والابتعاد ..

يقول الكاتب فردريك ماركر :

ان بركمان لايود النظر الى الخلف , فعلاقته محصورة بجو ومناخ العمل والجو الحميمي المشترك لمجموعة الممثلين على المسرح ..

الفلم واجب ثقيل ,, هكذا يعلق بركمان , اما المسرح فهو دعوة اخرى ,, الذهاب الى المسرح صباحا ,, غرفة التمارين ,, ضجيج الممثلين ومصاحبتهم والعمل والجلوس معهم , كيفية الاصغاء والتعلم من كلمات المؤلف المسرحي والوصول الى موقفه بعد ذلك , هذا مايجعلني امتلىء شعورا بالغبطة , انها الطريقة الوحيدة لان يكون المرء حيا , وحين اكتشف ان الممثلين الذين يعملون معي ويفكرون بهذه الطريقة فسوف اقيم في القاعة ولن اغادرها , لن اغادر المسرح الى ان اجد نفسي مرميا الى الخارج .. مايجعل المسرح والعمل فيه لصيقا بالحياة ومستمرا فيها , هو الحياة الطبيعية التي تمد المسرح , حتى اثناء العمل بمادة انسانية حرة ومنشطة ,, انك لو شعرت في المسرح بأنك على غير مايرام , تستطيع ان تصرح بذلك للممثلين , تدعوهم للخروج والسير في اشوارع , الذهاب الى المتحف , لن تتحرج في اخبارهم ,, ان هذا اليوم سىء بالنسبة لي , وغدا او بعد اسبوع ستعاود العمل ,, لكن صناعة الافلام لاتسمح بهذا , عليك صنع ثلاث دقائق سينمائية ويجب ان تكون جيدة ,, هذا ارهاق على مااظن ..

كان بركمان يتحدث عن المسرح باعتباره معمارا للجميع , والمقصود انه متاح العمل فيه للجميع ,, مرافقة الناس والاتصال بهم , تشعر باليقظة وبشىء من التوتر , لايجب نقل التوتر الى الممثلين لان ذلك كفيل باحباطهم وتوقف رغبتهم في مواصلة التمرين, قل لهم ببساطة ,, اطفالي , لنسترح قليلا , ليستمع بعضنا الى البعض , لان التمثيل ليس انا , انه انت , ان تكون في المسرح , هذا غلط فادح , ففي اللحظة التي ينسى فيها اثنان من الممثلين نفسيها ويبدأ احدهما بالاخذ من الاخر , ستكون الاثارة والروعة على اشدهما في الاداء ,, السر يكمن هنا ,, ان الفن بكل اجناسه حاضر لدى بركمان ,, دائما ماكان يردد ,, موسيقى ,, باليه ,, رقص الباليه هو تمثيل حركة ,, حركات الممثلين ,, الانتقال من هذه الاريكة الى ذلك المقعد , العودة ,, التوقف ,, تحريك الراس باتجاه الجمهور , اليد تتحرك ايضا ولكن باقتصاد , الجسد باكمله , هذا مااطلق عليه موسيقى او رقص باليه ,, كيوكرافيا , احاول ان اوصل للممثل ان يبحث عن كل ذلك بنفسه ,, خلينا نتعاون ,, نقترب اكثر ,, شىء من اللذة , انك قريب جدا من الممثل ..

يشعر المرء ان بركمان يعطي اولوية ثابتة للايقاع ,, كيف يمكن البرهنة وتصديق ذلك ؟ ,, بالنسبة له ,, وذلك درس تفصيلي,, الايقاع مهم مطلقا , لابد انه الاكثر اهمية في الوجود , بدون مانفكر به , فهو وجود حياتنا برمتها ,, انواع مختلفة من الايقاعات هي ماترافقنا ونحن نحيا , نتنفس ,, دقات القلب ,, حركة العين , دورة الليل والنهار , الدمار واعادة اعمار الانسان من جديد ,, هذا هو الايقاع , انه مبثوث في كل شىء , لذا فالعمل في المسرح ملزم بالايقاع ,,

يجب على عملنا ان يندرج ويتسلسل قدما نحو الايقاع الخاص بالمسرحية التي نزاول العمل فيها ,, الايقاع الخاص بالنص ,, من الصعوبة بمكان العمل في مسرحية مترجمة , فاذا لم يفهم المترجم ايقاع الاصل ,, وهذا مايحدث عادة ,, فالنتيجة هي الاخفاق او ربما الكارثة ,, لانك انذاك تقوم بمحاربة النص ومعاداته .....                                       

 Muqdad_madlom@yahoo.com

دفاتر