عروض جادة في زمن الاحتلال
أ.د. عقيل مهدي يوسف
أبدع المخرجون المسرحيون
العراقيون، وما زالوا، كثيراً من العروض
الجادة، وكانت كليات الفن ومعاهده،
والمؤسسات الرسمية، والفرق الاهلية، والشبابية
والهواة، تشتغل كل باتجاهها، لرفد
الجمهور بفنون المسرح، وكانت تجرى مهرجانات،
وملتقيات، ومؤتمرات، وتكتب الرسائل
والاطاريح، لتكريس الفهم النظري والتطبيقي،
للحصيلة المسرحية.. وتقديم
التوصيات، والمقترحات بشأنها، وحين انعطف المسرح الرسمي
تحت وطأة التسيير الذاتي، باتجاه
شباك التذاكر، لتغطية اجور الموظفين والمنتسبين،
ظهرت مشكلة ما سمي بالمسرح
التجاري، فضلاً عن بروز ظاهرة مغادرة المخرجين والنقاد
وبعض الحرفيين العراق، لتضعف من
شكيمة المسرح الجاد،
وتترك الفرصة سانحة
لمسرح التسلية (الفجة) العابرة،
وقد عبّر الجادون من المثقفين والمتخصصين في فنون
المسرح، تارة باعمال اكاديمية،
وتجريبية، واخرى، بالاندفاع الى تكريس الخطاب
الايديولوجي، الذي يتخذ من المسرح
وسيلة، على حساب فنيته، تحت الحاج ظروف عصيبة،
قاهرة. وبعد تغيير النظام، قدمت
عروض، تعتبر امتداداً للزمن السابق، واعيد انتاجها،
ثانية وثالثة، وظهرت عروض بمواقف
محتقنة تحت عصف الحروب، ومعبرة عن عذابات مجتمعية،
تحمل صفة "الصدمة" عن جلادين وغزاة
"مرّوا من هنا" لجماعة ناجين وعودة من نمط آخر،
للمسرح الديني، مثل (محنة الصدر)
من اخراج جماعي، وتأليف فلاح شاكر، و(ثورة
الحسين)- جواد الحسب مخرجاً او
نصوص اسطورية (جلجامش)- فتحي زين العابدين
مخرجاً.
ونشط (مثال غازي) مؤلفاً، لمثل هذه
النصوص التي تحاول ان تتلقف الوعي
وبقاياه، وشظاياه، بعد الاحتلال،
ومقارنة السالف باللاحق من الحوادث وبواعثها،
ومحاولة الاهتداء الى تفسير ما،
لهذا الاحتراب القائم في الشارع العراقي، بين
الانسان واخيه، وبينه ونفسه، ودور
الآخر في تأجيج دموية الصراع التناحري، والثانوي
بين مكونات المجتمع مثل: مكانك
ايها السيد- اخراج عماد محمد، وبيادق، اخراج سنان
محسن واعيدت اسماء عالمية مسرحياً،
مثل (هاندكة)، (دورينمات)، (لوركا)، (هيجو)،
بيتر فايس، بكت، باسماء مثل خريف
الجنرالات اخراج ابراهيم حنون، والموت والعذراء-
ياسر البراك، ونيوتردام للراحل
كريم جثير و(اعتذر استاذي) و(نساء لوركا) لعواطف
نعيم، واخراج هيثم عبد الرزاق
للاولى، والكترا ترثي الجواهري اخراج مشتاق المعموري
وحريق البنفسج اخراج حيدر منعثر،
ونساء في الحرب، اخراج جواد الاسدي، وفي المرة
الثانية من اخراج (كاظم نصار).
وقدمت جماعة مردوخ (نار من السماء)
تحت اخراج
طلعت السماوي وعلي طالب، و(البستوكة) من
اخراج فخري العقيدي. كما تم اصدار عدد من
الكتب المسرحية وعقدت دورتان
لمهرجان مسرح الطفل في المسرح الوطني، وقدمت عروض بهذا
النطاق: مملكة النخل لخضير الساري،
وعالم فيتامينات- د. حسين علي هارف، ورود وسر
العنقود- اخراج حسين علي.
شيء يدعو الى الغبطة، بعد ان
انهارت اركان المسرح،
فالخشبة باتت محروقة وغابت
المؤسسات ومنها النقابة، وضاع الجمهور في زحمة همومه
المصيرية والحياتية، وبقي النشاط
النقدي متصاعداً على المستوى المقروء والمرئي
والمسموع وتدل العروض على ردود
الافعال التي اعتورت الفنان المسرحي العراقي بعد ما
تلقى من صدمات خارجية، اضطرته
للعودة الى ذاكرته الشخصية المألوفة او الى ذاكرة
قديمة تاريخية او اسطورية، او وعي
جديد، يحاول الالمام باطراف قديمة، وماثلة،
ومستقبلية، بعد هذا الاحتلال المر،
والمدمر للوصول الى ممر آمن للخلاص من المأزق
وسافرت وفود مسرحية الى بلدان
عربية منها: الاردن، ومصر، وسوريا، وتونس، واخرى الى
بلدان اجنبية منها المانيا،
اسبانيا، تركيا وحاولت مؤسسة "المدى" مشكورة ان ترعى
عروضاً مسرحية اكاديمية مرموقة،
ودفعت الحركة الثقافية قدماً، ومن فيها، كلية
الفنون الجميلة، ممثلة بمسرحية
(البدوي والمستشرق) للدكتور عقيل مهدي والفرقة
القومية بمسرحية (العرس الوحشي)
اخراج احمد حسن موسى وانفتحت كذلك على عروض من مسرح
المحافظات وكذلك عروض العاصمة
المتميزة ابداعياً، وفكرياً، وجمالياً، وتكريم
الفنانين من اجيال مختلفة.
عن المدى البغدادية