فلليني قبل سكونه الابدي

                                                              مقداد عبدالرضا

 

في حوار اجراه جوفياني كرازيني مع المخرج الراحل فيدريكو فلليني قبل رحيله بفترة ,  يعطي دروسا غنية في الحياة وفي وجهات النظر الثقافية والفنية ,, لقد كان فلليني في العقد الاخير من عمره حينما اجري هذا الحوار .

                                رائحة الشيخوخة

 كرازيني : لابد للزمن ان يكون احد وساوسك الملحة .

فلليني: الزمن ,, انني ابدا اكرر هذه المفردة مع نفسي حتى تقتنع بالقوة التعسفية للزمن ,, وحتى لاأنسى ذلك فأنني احاول الانصات لروحي وأعرف فيما اذا كان ثمة شىء قد تغير ,, انكسر او تصدع ,, او بعبارة اخرى ,, كيف يفكر رجل جاوز الستين من زمنه ؟ ,, حينما جئت الى روما لاول مرة اقمت في نزل وسط المدينة ,, جاري من روما قد تعدى الاربعين من العمر , كان غرائبي الطبع ,, يحاول جاهدا الاهتمام بمظهره من اجل ان يبدو اكثر شبابا ,, يمضي جل وقته عند الحلاق ,, يستخدم اقنعة التجميل الشمعية ,, وفي ايام الاحاد يمضي اليوم بأكمله مستلقيا فوق سريره ,, وعندما يحل المساء يخلد الى النوم واضعا شريحتي لحم نيىء على خديه ,, يربطهما بمطاط ,, عند الصباح كنت المحه يخرج من غرفته بكامل اناقته ,, يغلق الباب خلفه ,, يقف لحظات دون حراك واضعا يده فوق اكرة الباب ,, ثم فجأة يفتح الباب ويدفع برأسه الى الغرفة ثم يأخذ نفسا عميقا .. دفعني فضولي لأسأله ذات مرة لماذا يمارس هذا الطقس ؟,, في البداية رفض الاجابة ,, لكنه بعد ان شعر بأن فضولي قد بدأ يزعجه قال لي ,, انني ادفع برأسي الى داخل الغرفة لاشم فيما اذا كانت هناك رائحة شيخوخة ,, لقد دعاني لاجرب ذلك بنفسي ,, اغلق الباب بهدوء وفجأة فتحه وطلب مني ان ادخل رأسي لاشم هواء الغرفة ,, قال ,, هل تشم رائحة النتانة ؟.. حملت هذا الكابوس طويلا معي ,, حتى انه استولى على تماما اذ كنت في بعض الاحيان افتح باب غرفتي بسرعة وأستنشق هواءها ,, ..

                                  الشعور بالخوف

 ( يلاحظ كرازيني ان هناك كمية هائلة من الرسومات والتخطيطات المتنوعة فوق مكتب فلليني مما اثار استغرابه )

كرازيني : لم كل هذا الكم الهائل من الرسومات والتخطيطات فوق المكتب ؟

فلليني : في بداية كل فيلم امضي وقتا طويلا على مكتبي ارسم بعبث ,, رسومات لأشياء مختلفة  منها قبيحة جدا ( صدور نساء ومؤخراتهن ) انها طريقتي لتعقب الفيلم التي تكاد تشبه لعبة الخروج من المتاهه ..

كرازيني : هل تعتقد انك حققت نجاحا بأنتقالك من رسم الكاريكتير الى السينما ؟ هل هناك خيط يربطهما ؟ لنحاول تسليط الضوء عليهما بدءا من ولادتك عام 1920 تحت برج الجدي .. هل تؤمن بالابراج ؟..

فلليني : انني ميال لأى شىء يحفز الخيال ويعطيني رؤيا رائعة للعالم ,, اظن ان عالم الابراج هو نظام محفز وطريقة مثيرة لاطلاق المخيلة وأعطائها معان خاصة بها , لكن التيقن بها هو نوع من هراء .. اذا كان الانسان يؤمن في السابق بهذا السخف فأعتقد ان زمننا هذا لايسمح بهذا على الاطلاق ,, بالنسبة لي هناك الكثير من الاشياء لم تتغير وكذلك الناس بشكل عام , مازلنا نعيش احلاما هي نفسها قبل الاف السنين .. المخاوف نفسها , احب ان اكون خائفا , هذا شعور حسي يمنحني الكثير من السعادة ,, اميل ابدا الى كل شىء يخلق في داخلي الخوف ,, الخوف هو شعور صحي لامفر منه كي تبدو الحياة اكثر جمالا , ان يتخلى المرء عن مخاوفه يعني وجود الكثير من اللامبالاة ,, المجانين لايشعرون بالخوف وكذلك سوبرمان ,, انا لااتابع الابراج في الصحف اليومية لاعرف من الذي سألتقي به بعد الظهر , ولا اقلب العملة وجها وقفا لاقرر نوع الربطة التي سأضعها في عنقي , لااخفيك سرا اذا ماقلت لك انني اشعر بالاطمئنان للاشياء الغامضة والتي لااعرفها , ان اغلب الاشياء المحفزة بالنسبة لي هي المواقف الغير اعتيادية ,, الاشياء التي لم نسمع عنها من قبل والتي تتسم بالروعة والغرابة ,, اشياء كثيرة تستوقفني في الشارع واترك لنفسي تأملها ,, في طفولتي كنت اقيم علاقة بين الالوان والاصوات , خوار ثور في حديقة , بساط احمر غامق يطير فوق راسي , يقترب كثيرا مني , يدخل اذني اليمنى , ثلاث دقات لناقوس تصل وتدخل الى راسي , تستمر هذه الحال طويلا , اتساءل الان , كيف كانت هذه الاشياء تحدث في وقت واحد ؟

كرازيني : في سني شبابك ,, هل كنت تشاهد افلاما كوميدية ؟

فلليني : لم تكن كريتا كاربو ولا كاري كوبر ولا حتى توم مكس مثيرين مثل باستر كيتن ولوريل وهاردي , لم اكن اطيق همفري بوكارد , ولا ادري لماذا يكون الانسان في حالة غضب ؟ بوكارد كان يرتدي معطفه المطري حتى في سريره , انه ثقيل , وفي الكثير من الاحيان يكون منشغلا بقضايا تثير الرعب والفزع ,, اما الاخوان ماركس , فقد اذهلاني حقا , احسست بأنهم اجدادي الروحيين , احببت باستر كيتن اكثر من تشابلن ,, تشابلن كان يثير بداخلي الشك والريبة وعدم الثقة ,, كيتن له صفتان احببتهما جدا , اسنان جرذ , وعينا قطة , اعترف ان تشابلن ممثل كبير , لكن كيتن لايخدعك على الاطلاق , عاطفته , كفاحه , مصائبه , كل هذه الاشياء لم تكن تحدث من اجل تصحيح خطأ او ظلم وقع , في افلامه لم يكن يحاول اثارتك او اثارة السخط والنقمة لديك , قوته الرئيسية تكمن في وجهه , انه حقا شخصية كوميدية مثيرة ..

كرازيني : مامدى علاقتك بالضوء ؟

فلليني : لقد تحدثت عن الضوء مرارا , حينما ادخل الى غرفتي تبدأ لعبتي الاثيرة الى نفسي وهي اللعب بالضوء , انه يحيلني الى طفل , اندهش من الظلال التي يلقيها الضوء ,, الضوء ايديولوجيا , مشاعر , لون , نغمة , عمق تفكير , سرد حكاية , يقلل , يلغي , يخلق , يعزز فكرة , يعطي للفنتازيا والاحلام صفة حقائق يمكن تصديقها والقبول بها , انه يضيف معنى لافلامي , يكشف وجهها او يلغيه , يخلق تعبيرا غير موجود في الاصل , يطيح بالرتابة , يحدد اناقة وجمال التكوين , الضوء هو المؤثر الاول في كل المرئيات ومؤثراتها ...

كرازيني : ما الاحلام لديك ؟

فلليني : يونغ ساعدني كثيرا وله دور كبير في تطوير قدراتي الفكرية واكتشاف نظرية الحياة وبخاصة في فلم ( 5/8 ) ودفع بي لاكتشاف الكثير من التضاريس التي كانت عصية , كنت اظن انني اعاني من نقطة ضعف كبيرة , هي عدم المامي بشكل عام بأي شيء ,, اية ضرورة ان تكون لدى معلومات عامة عن اى شىء ؟ قراءة يونغ حررتني من الشعور بالذنب وعقدة الدونية والوضاعة التي كنت اسجن نفسي فيها فيما مضى ...

كرازيني : هل تعتقد ان الطبيب النفسي قادر ان يخلق السعادة ؟

فلليني : لااعرف تماما كيف اجيبك على هذا السؤال لانني لااعرف بالضبط معنى السعادة , اظن انه من الضروري تدريس مادة التحليل النفسي في المدارس , انه علم بات تدريسه ملحا مثل بقية العلوم الاخرى , لانه من بين المغامرات الاكثر استحقاقا للخوض فيها هي مغامرة الرحلة التي تكمن في اعماقك الداخلية لاكتشاف المجهول فيها ...

كرازيني : هل يلغي يونغ دور فرويد لديك ؟

فلليني : لاقدرة لي على اعطائك ردا علميا او نقديا حول هذين المفكرين , لقد جاءا بالكثير فيما يخص النفس البشرية , نحن نشارك ونتلقى افكارهما بشكل واسع , قرات القليل عن فرويد , ولربما كان افضل من يونع من الناحية الادبية , ولكن صلابته التي انا شخصيا معجب بها تحيلني للشعور بعدم الارتياح , فرويد معلم جيد , تعجبني كفاءته وثقته بنفسه , لكن يونغ رفيق درب طويل , اخ وحكيم , عالم وعراف , اقل غرورا بنفسه وبالاكتشافات التي توصل اليها ,, بالنسبة لفرويد فانه يريد ان يفسر لنا ماهيتنا , كينونتنا لندرك انفسنا جيدا , لنراها باعيننا ,, احب تواضع يونغ العلمي في مواجهة لغز الحياة , لاتسلط في افكاره وفلسفته , انه يقترح فقط , يثري ويطور انفسنا , يعطينا مساحة اكبر للحلم والتصور اليقظ ..

كرازيني : الكثير من الشباب متاثر بك ويحبونك ,, ما رايك بهم ؟

فلليني : اكاد لااعرفهم ولاحتى اعرف اين هم وماذا يفعلون , لاارى فيهم شيئا مثيرا بالنسبة لي , اتساءل دائما , ماذا حل بزماننا هذا من سوء ؟ , انهم مغرورون , ويبدو انهم قدموا بسفن فضائية , كانهم يعرفون كل شىء وهم اصلا فارغون من اى شىء ,, ماحصل بين عامي 1950-1970 كان امرا فضيعا , فارق كبير , جيل عاقل وحكيم يسلم الرسالة الى جيل قد توقف عن ممارسة لعبة الحياة الحقة , انه من غير المعقول ان نضع زمام امورنا بيد شباب نعتبرهم مصدر حقائق ..

كرازيني : الا ترى ان الارهاب بدرجة معينة سيكون المحصلة الاخيرة ؟

فلليني : الموقف برمته لايبدو بسيطا , ان الارهاب حقيقة حاولت دراستها وفهمها , كيف يمكن لشاب ان يطلق النار على راس انسان لايعرفه , كيف يتسنى له ان يواصل حياته وهو يحمل هذه الجريمة ؟ لقد اعتدنا على نمط من التفكير , التفكير بان الحرب تبرر القتل , حتى ان بعض الشعراء يفعلون ذلك , ان اى قتل مهما كان نوعه او طريقته يكون الوحشية بعينها , انا لااحترم الانسان الذي بحجة احترام المنظور التاريخي يخبرنا بضرورة الاحجام عن شجب الارهاب لان بعض الجرائم تعد اعمالا وطنية في المستقبل , لااملك اي منظور تاريخي , والمنظور التاريخي برمته لا اهمية له بالنسبة لي ,, انني اهتم بالحياة يوما بيوم , اهتم بما استطيع انجازه طالما انا على قيد الحياة ......

 *-******************

دفاتر