شمس منتصف الليل أو مهرجان المنبوذين
عبد الامير الخطيب
هلسنكي
فنلندا
كان القطار المتجه من هلسنكي الى
روفانيمي المدينة الاكثر تطرفا الى شمال
فنلندا والتي تعتبر حدود القطب
المنجمد الشمالي، يتحرك بنا الى مدينه صغير جدا
يسكنها حوالي 9 الاف نسمة حسب ما
قدمها لنا مضيفينا، هذه المدينة اسمها صودانكولا
المدينة التي استقرينا بها طوال
اربعة ايام مهرجان عالمي للفلم يقام سنويا تحت اسم
(مهرجان افلام شمس منتصف الليل).
كانت الشمس مشرقة في ااساعة الثانية عشرة ليلا
حقا، استمتعنا بمنظر الشمس بين
الاشجار، المنعكسة على البحيرة المجانبة للفندق الذي
سكنا فية،كثيرون هم الذين حظروا
الى هذا المهرجان الغريب الاليف والقريب جدا الى
قلبي، اسماء معروفة عالميا من
مخرجي السينما العالمية المعاصرين اسماء لها تاثير
كبير على الحياة الثقافية في
عالمنا المعاصر الذي نسي او تناسى تاثير الفن والادب
والسينما وباقي المنتج الفوقي
للانسان.
من ايران، ايطاليا، فرنسا،
اسبانيا،
الولايات المتحدة الامريكية ومن المانيا
سويسرا واشياء قديمة اخرى عرضت هنا في هذه
المينة الصغيرة والمتطرفة صوب
القطب المنجمد الشمالي كما اسلفت، لهذا العالم العجيب
حضور متميز وتقدير استثنائي لنوعية
المنتج الثقافي، هذا المهرجان غريب حقا في
سلوكياته
وفي طرق عرض الافلام حيث تعرض بعض
الافلام المهمة في خيام والتعامل مع الضيوف
والجمهور العريض الذي حضر من بعد
1200 كيلومتر جنوب فنلندا لكي يحضر اماسي هذا
المهرجان ويشاهد أشخاصاً لهم تاثير
بالغ ولكنهم كالمنبوذين في هذا العالم.
قد
اعطي لنفسي الحق بتسمية هذا
المهرجان السينمائي المهم ب(مهرجان المنبوذين) لان
المخرجين والمنتجين ومن حضر الى
هذا المهرجان كانوا من المطرودين المطاردين من قبل
حكوماتهم ومن قبل اصحاب رؤس
الاموال ايضا، نعم فاغلب من حضر كان من اليساريين ومن
المحددين والمهمشين في اوساط
مهرجانات الافلام التجارية من امثال مهرجان اوسكار
وغيره.
نعم فان في عالمنا المعاصر من يعمل
من اجل ثقافة نقية ترينا حقيقة
الانسان كما هي لا كما يتصورها
منتجي هوليوود او بوليوود او باقي مدن الانتاج
السينمائي التجارية، قد لا يصدق
احد بان الانسان لا يزال يراقب تطوره العقلي
والذهني، وقد لا يصدق احد ان هناك
من ياخذ المسؤولية على عاتقه في الدفاع عن ارث
الانسان كانسان في عالم ملئ
بالدعوات الى الرجوع الى حيوانية الانسان، الدعوات
كثيرة الى الرجوع الى حيوانية
الانسان من خلال الفكر المتجذر في مخ الامريكان
والذين يؤكدون انه الفكر الاكثر
نجاعة والاكثر مصداقية في عالم اليوم من خلال
الحروب التي اصبحت من اوسخ واقذر
المشاريع التحارية هذا اليوم.
صودانكولا مكان
يجتمع فية اليساريون والعاملون صوب
الانسانية، فالافلام التي اتيح لي ان اشاهدها هي
افلام مختلفة تماما عن افلام
هوليوود وغيرها والمتعة في مشاهدتها ليست الاثارة ولا
العواطف ولا قضاء وقت فراغ طيب، بل
هو الاحساس العميق بأنسانيتي انا، هذه الانسانية
المشرفة على الانقراض، اذن فهذا
المهرجان هو بصيص الامل الذي كنت ابحث عنه منذ زمان
لا اعرفة بالتحديد.
المخرج الايراني المعروف عالميا
والغير معروف في ايران عباس
كيارستمي حضر المهرجان واقام اكثر
من ندوة ومؤتمر صحفي، وحين سؤل عن عدم انتشاره
وشهرته في ايران، اجاب باقتضاب،
دولة ايران تحترمني كثيرا ولكنها لا ترغب بعرض
افلامي في دور السينما الايرنية
ولا حتى في قنوات التلفزيون، لكن دولة ايران
تحترمني وتدعني اخرج بعض الوقت
خارج ايران.
المخرج الاسرائيلي المناهض لسياسة
اسرائيل والمناصر للقضية
الفلسطينية المعروف في الاوساط السينمائية والثقافية
العالمية المعاصر أموس غيتاي حضر
وكان الناقد الاقوى والاوضح الى حكومتة، هذا
المخرج الذي تمنع افلامه من
التداول داخل اسرئيل شاهدت له فلم هو واحد من اجرء
الافلام التي شاهدتها لاسرائيلي.
اسم الفلم بيت يتناول قصة اغتصاب بيت في شرق القدس
اثناء الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين
سنة 1948، حيث يؤخذ من فلسطيني ويعطى الى يهودي
جزائري، وثم يوخذ من هذا الجزائري
ليسلم بالقوة الى شخص مهم في الجيش الاسرائيلي،
يعود الفلسطيني بعد انتهاء شدة
الحرب الى بيته، لكنه يقابل عنف وصلف حرس محتل
البيت، يستاجر بيت في القدس
الغربية ليكون على مقربة من بيته القديم، ولكي يقيم
حواراً إنسانياً مع محتل البيت
"هكذا فكر الرجل" لكنه يقرر الانتحار جنب بيته
القديم.
اموس غيتاي يعتبر من المخرجين
المهمين في افلام التوثيق (هنا لا اعني
الافلام الوثائقية) فهذا المخرج
يعتمد قصة حقيقية حدثت، عاشها هو بوقائع وتفاصيل
تدفعة الى توثيق مايريد عمله،
ففلمه الاخير عن حرب سنه 1973 في الجولان حقيقة عاشها
هو بنفسه، قال في ندوة من ندوات
هذا المهرجان: ساقني الجيش الأسرائيلي قسرا الىحرب
الجولان، وكنت مجبر على البقاء
طيلة الحرب اعني ايام الحرب وماقبلها من تحضير
وبعدها من نهاية.
اموس غيتاي، رجل فكر اكثر منه مخرج
سينمائي بالمعنى التقليدي،
فهذا الرجل يفلسف عمله ويعتبر
العمل الثقافي وظيفة فكرية اولا وواجب انساني للانسان
على الارض، وفصله الواضح بين الفلم
الوثائقي والفلم الروائي، حيث يعتبر ان هناك
اختلافات اخلاقية وعملية بين الفلم
الروائي والفلم الوثائقي.
المخرج العربي
الاسرائيلي اليا سليمان جاء الى
هنا محملاً بالهم الفلسطيني عرض على الجمهور فقط
أفلاماً لها علاقة بالواقع
الفلسطيني والهم الفلسطيني ولكن بالنظر من ثقب اخر يختلف
عن ثقب الاعلام العربي، جدير
بالذكر فان ايليا سليمان هومن حصل على جائزة مهرجان
كان السينمائي الدولي الذي يقام
سنويا في فرنسا عن فلمه الموسوم يد
الاهية.
مخرجون اخرون حضروا بثقلهم الفكري
وانتاجهم الغني والسمين الى هذا
المهرجان منهم المخرج الشاب التركي
اتشين الذي يعيش في المانيا، عرض التركي اتشين
فلما هو من اخر انتاجاته، عن قصة
للاجئة كردية تسلمها السلطات الالمانية للسلطات
التركية، ناقش في هذا الفلم قضية
تكاد تكون من اخطر القضايا بين الاتحاد الاوربي
وتركيا، هذا الفلم اتيح لي ان
اشاهدة واتاثر به بعمق لا لانه متقن ومحبك فقط بل
لانه ذاكرة حية مستمرة لقضية
اللاجئين في عالم اليوم. هذا الفلم الذي طال لاكثر من
ساعتين وهو انتاج 2007 كان يعالج
عمق المعنى ان يكون الانسان لاجئا، على الرغم من
ان مدخل الفلم حاول ان يكون بعيدا
عن القضية الاساسية الا ان المخرج بذكائه وعمق
تجربته الانسانيه عرف كيفية توصيل
الفكرة وعرف باتقان ان يقول ما اراد
قوله.
رحلتي كانت ممتعة مع هذا المهرجان،
وكان لي تجربة غنية على صعيد حضور
مهرجان للافلام الروائية
والتسجيلية والوثائقية الطويلة، التقيت فيها ناساً كنت
لفترة طويلة اخشى ان التقيهم، لاني
أؤمن بعمق اني اجل الكثير، وكنت اتردد وابتعد عن
هكذا لقاءات لاني اخشى الوقوع في
مطبات قد لا احسد نفسي عليها تباعا.
ان تمتلئ
بالحياة، يعني بالضرورة انك معافى
نفسيا.
مهرجان شمس منتصف الليل اقيم من
الفترة 14الى
17 حزيران
*****
المدى