الفنان النحات عباس جابر

مخلوقات نحتية تجسد تفاصيل يوميات الواقع العراقي

 

العمارة/ماجد البلداوي

 

 أثار معرض تشكيلي للفنان النحات عباس جابر جدلا واسعا في الأوساط الفنية والثقافية والسياسية في محافظة  ميسان نظرا لما تضمنه من موضوعات مهمة عالجها الفنان برؤية إبداعية جسدت واقع الحياة العراقية بكل مراراتها وحالاتها ومعانتها.

ان الفنان عباس جابر يحاول من خلال أعماله النحتية هذه أن يطرح لنا الواقع العراقي بكل مفرداته عبر مخلوقات طينية جديدة أراد لها ان تتحدث بلغة الصراخ ..، فنجد الإنسان العراقي المستلب وهو يكشف ما استبطن من معاناة إنسانية يتجسدها الخوف والقلق والمرض والجوع ..، وعندما تتصفح معروضات الفنان عباس التي ضمها معرضه الشخصي تجد الحياة العراقية على حقيقتها بلا رتوش أو زيف وقد صورها تصويرا دقيقا .. تجد الشاعر وهو ينزف دماء قصائده والرسام وقد تحولت فرشاته الفنية بيده إلى مبضع جراح مجنون والإنسان المحبط البسيط وقد تناهبته الهواجس وعبثت بأحشائه القوارض.. أنها كوميديا الخوف من المجهول..، وكرنفال الدم الذي صار يغطي وجوه الكائنات ..،

ان عباس جابر فنان فطري يفسر الحياة بسليقته الذكية عبر جهازه المفاهيمي الذي يؤول الأشياء بفطرة حساسة وعقل متبصر ليحاول إعادة مزج الطين بتكوينات غرائبية جديدة .. ويقيم معها حوارات خاصة بلغة أشبه ما تكون لغة للصراخ والتمرد على المألوف ..، فهو يشبعها حركة وحيوية لتنطق بصوتها الطيني العالي ..، لذلك عندما تقترب من نماذج مخلوقاته الطينية تستشعر تلك الحرارة والحركات الرافضة بأسلوب يمتزج فيه الواقع بالخيال الأسطوري .. في محاول منه لأسطرة الواقع اليومي .

أن المعرض الشخصي الذي أقامه الفنان عباس جابر على قاعة دار القصة العراقية يضم (25) منحوتة من الطين المشوي تتحدث جميعها بنبرة صوت واحدة يوحدها الهم اليومي وحقيقة لشعور بالخوف من القادم.

وفي تصريح للفنان عباس جابر قال:" أردت من هذا المعرض ان أطلق صرخة عالية بصوت الفن ضد كل المحاولات التي تهدف لتفتيت وحدة أبناء الشعب العراقي وزرع الفتنة بين مكوناته الاجتماعية المتآلفة منذ أقدم العصور.

 وأضاف:" لقد جسدت من خلال هذه التماثيل معاناة العراقيين وهو يواجهون الموت والانفجارات وعمليات العنف التي سحقت الشارع العراقي، ولذلك فان المعرض هو صرخة احتجاج  واستغاثة أوجهها لكل الخيرين والمنصفين في العالم لإيقاف الموت المجاني والعنف الدموي بحق هذا الشعب المبتلى بالحروب والحصارات والكوارث.

وعن تجربته الفنية قال جابر:" لعل بيئة الجنوب حيث ميسان والماء والطين مفردات فتحت عيني عليها منذ طفولتي فوجدت الأطفال وهم يعجنون التراب بماء النهر ليصنعوا أشكالا خرافية ويسمونها بأسماء ما ..، وبعد ذلك شاهدت والدتي عندما تحضر لخبز التنور فتخلط الطحين بالماء فتصنع عجينا طيعا على شكل كرات..، فأنطبعت في ذاكرتي تلك الصور الفنية البسيطة لتكون منطلقي في التعامل مع الطين . وتقشير الخشب وحفرها بأشكال مختلفة ..، فتولعت هواجسي بتحوير الأشياء .. فتمكنت من النحت  على نواة التمر والرز والعدس ونواة النبق .

جدير بالذكر ان عباس جابر المولود في محافظة ميسان (1954) أقام العديد من المعارض النحتية فأثار إعجاب الزائرين والنقاد التشكيليين ..، وذات يوم قال عنه مخرج فرنسي زار مدينة العمارة لتصوير فيلم عن واقع الاهوار: (أن هذا الفنان سومري النسب روحا وشكلا لكنه مغمور ).

 *******

دفاتر