رحيل مارسيل مارسو رائد الميمودراما

شاعــر الصمــت

اروى عيتاني

84 عاما. رحل بيب الذي عايش معنا عالما ساخرا، من فرط سخريته ملاته التراجيديا. عندما سئل مارسيل، في احدى المقابلات، عن الموت والانتحار والشيخوخة، اكتفى بشهقة كبيرة، ورفع يده رافضا التعقيب، لانها مواضيع لم يفكر بالاجابة عنها قط، وهو بيب، او دون كيشوت الجديد، كما اطلق على نفسه، الذي ذهب لمحاربة طواحين هواء عصرنا هذا، ولمساعدة الناس على التعرف على حقيقتهم، دون التفكير في نهايات مأساوية.
في الحديث عنه وعن حياته، لا يسعنا سوى الوقوف اعجابا واندهاشا لعملاق، بالرغم من ضآلة جسده، وخفة وجوده، بعد ان استطاع تجسيد حلمه وتقديمه الينا، والاهم، هو انه شاركنا به دون ان يمنع عنا التفاصيل.
هو مارسيل مانغل، ابن الجزار اليهودي، ولد في ستراسبورغ، وترك فرنسا اثناء الحرب العالمية الثانية والغزو الالماني، غير ان والده وقع في الاسر عام 1944 وتوفي في معتقلات اوشفيتز. انخرط في جيش المقاومة الفرنسية، في الـ 1942 في ليموج، وهناك اختار لقب مارسو، نسبة للجنرال الثوري مارسو، بعد وقوع فرنسا في ايدي الالمان، ويقول عن لقبه «اخترت مارسو نسبة لقصيدة لفيكتور هوغو تكلم بها عن الجنرال مارسو في منطقة الراين المنطقة حيث ولدت»
تزوج 3 مرات في حياته وانجب 4 أولاد.
دخل الى كلية الفنون التطبيقية في ليموج، ودرس الرسم الذي بقي يمارسه في ما بعد. تتلمذ على ايدي شارل دولان وجان لوي بارو و«المعلم» اتيان دوكرو الذي وضع قوانين فن الايماء والذي وصف مارسيل اسلوبه بـ«الجامد المتحرك».
ولادة بيب
«ان الكلام ليس مهما للتعبير عن ما في قلوبنا» لطالما جاهر مارسو بهذا القول وولدت معه الـ«ميمودراما» التي اعطى من خلالها شكلا لافكاره (التراجيدية) من خلال الحركة. في 22 آذار ,1947 وفي مناسبة الاحتفال بعيده الـ,24 خرجت شخصية بيب الى النور، هو ايضا بيارو الحالم «اورلوبرلو الشاحب» صاحب العيون السوداء الحزينة، والفم ذي الخط الاحمر، والوردة المضحكة على القبعة، الشبيه بدون كيشوت، هو بيب الذي لم يعد يفارق مارسو، وهي مزيج من دوبورو وشابلن، كشخصية شارلو التي التصقت بشارلي شابلن. بيب كان الوجه الذي عبر من خلاله عن الحياة والمجتمع المعاصر وناحيته التراجيدية.
مارسو المعلم
مارسو نجح في «تحويل اللامرئي الى مرئي» كما شرح عمله، وكما وصف «اذا اردت ان تقوم بإيماء الريح، يجب ان تصبح العاصفة، وإذا اردت ان تقوم بإيماء سمكة، يجب ان ترمي نفسك في البحر».
هذا ما عمل عليه مع طلابه، في مدرسة الايماء التي افتتحها في الـ.1978 اراد في التدريس ان يضيف على قواعد المعلم دوكرو، وان يعلم اسلوبه الشخصي. هذه المدرسة اقامها بمساعدة الرئيس جاك شيراك، رئيس بلدية باريس آنذاك، وبدا بـ40 تلميذا فقط، منهم سارة مانغانو الراقصة والفنانة الشهيرة، والمهرج الشهير بيار ايف ماسيب، الذين باتوا اعضاء اساسيين في فرقته في ما بعد، وسافروا معه في معظم جولاته. كان يعلم اسلوبه الشخصي، الايماء المسرحي، بالاضافة للايماء التقليدي لدوكرو، والتمثيل والاكروبات والباليه. لم يكن الهدف من هذه المدرسة هو تخليدا لشخصه بل محاولة خلق صمت درامي جديد للقرن القادم. لم يرد يوما ان يتخلد كبطل شبابي، بل ان يترك قواعد الايماء للجيل الجديد لانه كما يقول «عندما نتخلى عن القواعد والاسس يموت الفن».
مارسو إذا تكلم
مهنيا، على المسرح اختار الصمت. لم يكن يحب الكلمات المباشرة. لكنه، مع الكاتب وليام فيفيلد الاميركي، قام بتسجيل لقاء حواري اشتهر جدا، نظرا لندرة طلاته وكلماته. اللقاء تم في الـ1968 بين مارسو والكاتب اثناء مهرجان بوردو. وتعاقبت اللقاءات حتى الـ.1971 في هذا الحوار، شاعر الصمت كما وصفوه، بدا اكثر الرجال بلاغة. حين تحدث عن بداياته، وعشقه للمسرح، ولشارلي شابلن، ولباستن كيتون ولوريل وهاردي ابطال السينما الصامتة الذين اثروا في تطور شخصيته الدرامية الايمائية. في المقابلة، كان قليل الحركة. اكتفى بحركة بسيطة من يده لترتيب شعره او اثناء شرح فكرة معينة. لدى تحريكه تقاسيم وجهه في الكلام، لا ترى فرقا بين رؤيته يتكلم وبين الاستماع اليه. صوته يوحي بشخصيته، والسبب انه صوت خام، غير ممثل لممثل.
في العديد من المناسبات قيل عنه انه اكتشف واعاد اقتباس ايماء دوكرو، اكثر من كونه ابتدع هذا الفن. لكن لا  

شك انه غير تاريخ الايماء، بعد ان اوجد تركيبة ايمائية روائية، تكلم من خلالها عن حلقة الحياة الشاعرية للفرد التي حددت جميع الانماط البشرية «سواء كان الانسان مجذفا، او حالما خائب الرجاء، او عاشقا...».
لدى تاسيسه في الـ 1947 فرقة مارسيل مارسو، قدم ريبرتوارا عريضا منه «المعطف» لغوغول، «عازف الناي»، «السيرك الصغير» و«باريس الضاحكة، باريس الباكية». في هذه الفترة تعرف على الفنان التشيلي اليجاندرو جودورفسكي، الذي ادخل الايماء على الفيلم السينمائي في فيلم «فاندو و ليس». اصبح مارسو خلال مسيرته من اكبر فناني العالم، خصوصا بعد ان ذاع صيته في الجولات التي قام بها في الولايات المتحدة، حين احدث ثورة فنية في الخمسينات، عندما ابتكر مشية «عكس الريح» التي اداها على خلفية موسيقى «مون ووك» لمايكل جاكسون. كان عضوا في اكاديمية الفنون. له اعمال مكتوبة ك «قصة بيب» و «الـ 7 خطايا الاساسية»
في الـ1968 مثل في السينما في فيلم «بارباريللا» مع روجيه فاديم حيث سمع صوته للمرة الاولى، عاد وكرر التجربة في الفيلم الصامت، في الـ,1976 «الحماقة الاخيرة لميل بروكس» للمخرج ميل بروكس.
من اقواله
«
اليس، في اكثر اوقات حياتنا حركة، نجد انفسنا عاجزين عن الكلام؟».
«
صممت اسلوب البانتوميم خاصتي كنقطة حبر بيضاء على خلفية سوداء، لاظهر اقدار الناس كخيط ضائع في دوامة لا متناهية، حاولت ان اعكس ومضات نور على ظل الانسان بدءا من الامه»
«
من المفيد ان تخرس احيانا»
«
الموسيقى والصمت يمتزجان بقوة، لان الموسيقى قائمة على الصمت والصمت مليء بالموسيقى»
«
لا تدعوا ايمائي يتكلم. فهو لن يتوقف»

السفير

****

دفاتر