الرسام ضياء العزاوي ...
العصيان على التصنيف
خالد خضير الصالحي

بعد اربعة عقود من ممارسته لفن الرسم مازالت عناصر لوحات ضياء العزاوي تظهر، وتعاود الظهورضمن تكتيكات متنوعة: اشكالا لمجتزءات الحروف، تلك الحروف التي هيمنت على تجربة العزاوي في الثمانينات، ثم اشكالا للعيون السومرية التي تعود الى بدايات الرسام في الستينات، فأشكالا لمساحات اللون الخالص ذات الثراء الزاهي؛ كل عنصر من عناصر لوحات العزاوي الان يمكن رده الى مرحلة تختلف اسلوبيا عن المراحل الاخرى؛ فبدا كأن منجزه الان يشكل تجربة تجتمع فيها كل عناصر تجربته السابقة لتشكل كرنفالا اسلوبيا مزدحما (بقصاصات) لونية بعشرات الالوان التي لا حصر لها والتي اعتبرها بعض نقاد الفن اثرا من تأثير (جماعة الانطباعيين) التي انتمى اليها العزاوي يوما وتتلمذ على يد مؤسسها الرسام حافظ الدروبي الذي درّس العزاوي ايام دراسته في مرسم كلية الاداب، فالوجوه السومرية ذات العيون المفتوحة على وسعها تعود الى اتجاه هيمن على تجربة الرسام العزاوي في الستينات وهيمن على الرسم التشكيلي العراقي ذات يوم في بداياته في اربعيناتوخمسينات القرن الماضي حينما كانت دعوة (التعبير عن الروح المحلية) والعودة الى التراث تشكل لازمةلا مفرّ منها لتحقق صفة الرسم فكان ان ظهرت في رسوم العزاوي وقتها مفردات الحياة الشعبية العراقية والزخارف والموتيفات الاسلامية، وفن السجاد المحلي وتأثيرات المنحوتات العراقية القديمة، بينما كان يمكن بسهولة تمييز بقع اللون وكأنها قصاصات تفاريق حروف تعود لمرحلة تالية هيمنت هي الا خرى على الرسم العراقي طيلة عقد الثمانينات وقد كانت تجربة العزاوي تشكل في ذلك الاتجاه ثقلا واضحا، بينما كان الثراء اللوني يطبع كل مراحل العزاوي بطابعه الحاد والواضح حينما كانت التأثيرات الاوروبية قد بدأت بالتغلغل وقتذاك الى تجربته مع بقايا مخلفات الشرق التي بقيت راسبة في لاوعي الرسام ضياء العزاوي، وقد فارق اولئك الرسامين الحروفيين الذين "كانوا يستندون الى جمالية مسبقة الصنع يقدمها لهم الحرف العربي، بينما كان ضياء العزاوي يهتم بالحرف كقيمة وشكل من الاشكال التشكيلية الممكنة على شكل الانسان او الطبيعة الصامتة ... فيتخلص الحرف من علاقاته باللغة وحقل الكتابة ويغدو صورة".
لقد هيمنت الاعمال الطباعية في معارض العزاوي الاخيرة فكانت واضحة التاثير في تجربته، بعددها ، وحجمها؛ فكانت تجربة اشكالية تستلزم جوابا على سؤال هام: الى اي حدّ يمكن استخدام التكنولوجيا وبرامج الكومبيوتر للرسم في انجاز الاعمال الفنية دون ان يخل ذلك باشتراطات الرسم باعتباره عملا مهاريا يدويا لا يستنسخ فيه عمل فني تماما، بينما لم يترك الكومبيوتر ليد الرسام الا هامشا ضئيلا؟ كما صار من الممكن ذات العمل مرات لا حصر لها، تماما كالتصوير بنمطيه: الفوتوغرافي والرقمي .. وبذلك اتخذت الاعمال صبغة (آلية) لا مفرّ من الاحساس بها.

لقد هيمن سؤال مماثل فيما يخص دفاتر الرسم التي يعد العزاوي من اكبر المتحمسين لها، وقد ساهم بفاعلية في اقامة معارضها وفي اقتناء العديد منها، وهي تطرح سؤالا: هل يمكن تغيير بنية اللوحة التقليدية الى شكل دفتر رسم او كتاب مرسوم، وتبقى لوحة بكل اشتراطات النسق المتواطأ عليها؟.
لقد قدم العزاوي ايضا في اخر معارضه كذلك عددا من اعماله النحتية التي طرحت اشكالية ان يكون اللون احد العناصر الاساسية في النحوتة؟، فبدت تلك الاعمال وكأنها ماكيتات (مصغرات) لمنحوتات متناهية الكبر تعيد للاذهان تجربة الفنان الفرنسي (جان دوبوفيه) في النحت التجريدي ولكن بأبسط الاشكال هذه المرّة وبثراء لوني لا نظير له.
يمكن القول اذن ان تجربة ضياء العزاوي هي تجربة عصية على التصنيف، وان الرسام ضياء العزاوي دائما، رساما متفردا عصيا على التصنيف حيثما كان في مراحل تطوره المختلفة، وواحدا من ابرز الرسامين العرب.
****