«حظر تجوال» :
التكــرار سيـد الموقـف
اروى
عيتاني
بعد
عرضها في الجزائر
ودمشق، شاهدنا على مسرح مركز دوار الشمس العرض العراقي «حظر تجوال»، تقديم دائرة
السينما والمسرح، الفرقة الوطنية للتمثيل، تأليف وإخراج مهند الهادي، تمثيل رائد
محسن وسمر قحطان.
في حضرة العراق...
ماسح أحذية وماسح سيارات، في بقعة ما
من العراق. كائنان معلقان في مكان ضيق، وثالثهما شيطان بانتظارهم في الخارج. يكفي
بأن نعلم بان العرض عراقي الهوية لنتخيل ما قد يحدث على الخشبة. مهند الهادي أشبع
نصه بعبارات جميع البقع المظلمة من بلده العراق، عبارات عن السنة حال الذين لا
زالوا أحياء هناك، والنافدون من بين رصاصة وانفجار، ولهذا السبب اتخذت الجمل طابع
السخرية الجميل، ذلك المتعارف عليه بين الشعوب كافة الخاضعة للظروف المماثلة تلك
التي لا زالت صامدة من قلة الموت، والتي باتت تغمس كلماتها في صلصة مذاقها يتراوح
بين الحلو والمالح، لكي يتسنى لها هضمها او علكها أو لفظها في الوقت المناسب . لكن
السخرية والحوارات السهلة لم تبعد طابع البلاغة والخطابة، الصفتين الأساسيتين او
الثغرتين الاساسيتين الذين يقع بهما اكثر الكتاب العرب، حين يعمدون الى المبالغة،
لإضفاء أهمية على كلماتهم. وهذا ما حصل في «حظر تجوال». فالعرض لم يخل من بعض
الوقفات «الكليشيه» للممثلين، حيث يقف الواحد منهم تحت الضوء، منفرداً وخطابياً في
تلاوة نصه، وهي أسهل طريقة إخراجية في المواقف المماثلة. في الحقيقة، العرض كان
سردياً في المقام الأول، أشبه بغصة تريد ان تخرج بأية طريقة، لكن الممثلين كانا على
قدر المسؤولية.
ممثلين في حالة انسجام
من الواضح ان الممثلين سمر قحطان
ورائد محسن، وصلا الى درجة عالية من الانسجام والتآلف الممتع على الخشبة، فكانا،
طوال مدة العرض، يسيران على إيقاع واحد، وشكلا النقطتين المضيئتين في عرض سوداوي
حزين. شعرنا احياناً بثقل أجسادهما وكأنهما يجران انفسهما جراً، لنلمس هذا الإنهاك
والتعب والشقاء المسكون بداخلهما منذ زمن طويل. لكن في العديد من المشاهد، كان
التكرار هو سيد الموقف، حيث لم نلمس فيما بعد أي تطور في الشخصيات ولم يستجد ما
تقنا اليه وهو نقلة نوعية. نقلة كنا بحاجة إليها بعد ان تعمقنا في مأساة شخصيات
العرض، وبعد ان اصغينا الى قصص واقعية، بتنا مستعدين لما هو مختلف، فخلف المأساة
التراجيدية العراقية، ثمة الكثير ليقام على المسرح، أكثر من الكلمات والضجيج
والصراخ. المخرج لم يخلق لنا سوى صور متواضعة من مخيلة ممثليه، و حبذا لو وضع هذه
الصور في طابع تنفيذي، حركي وتعبيري، وترجمها على المسرح، كما وردت على لسان
الممثلين. بعض المشاهد افتقدت للمسرحة، وفي المقابل هناك مشاهد شعرنا خلالها ببصمة
المخرج، وكانت مسلية، حتى ولو كانت موجعة. لاحظنا تفاوتاً بين الجزء الأول للعرض
والجزء الثاني، حيث أتى الثاني لافتاً وتعبيرياً، لنلحظ القليل من الحركة المرافقة
للكلمات، جعلتنا نستأنس وننسجم بدورنا مع الممثلين، لأننا بشكل عام وجدنا صعوبة في
فهم الكلمات كافة، نظراً لعامل اللغة، لذا كانت المشاهد المعتمدة على السرد، هي
الأضعف. فبعد أن اجتهدنا لاستيعاب الحوار، خفت ردات فعلنا، حتى عندما كان يجدر بنا
الضحك في أماكن معينة، كنا نأخذ وقتاً لاستيعاب النكتة، فتفوت دون أي تجاوب منا،
وهو الأمر المؤسف، فالحوارات كانت في أمس الحاجة الى دعم تعبيري وجسدي، لإيصالها
الينا في شكل مناسب.
عرض «حظر تجوال» عرض نحيي فيه روح العراق، و نحيي مخرج
وممثلين، أشركانا ولو بشكل بسيط، في ليلة عراقية من ليالي الخوف النموذجية.
السفير
****