جواد الأسدي و"نساء السكسو... فون"
الخشبة هي وطن الأسئلة الحقيقي

هشام زين الدين     

تمشي في شارع الحمراء، وانتَ تفكّر، قاصدا"مسرح بابل" في ليلة افتتاحه الرسمية: مجنون هذا التائه الحالم جواد الأسدي. تسأل نفسك: في أي زمان وأي مكان وأي ظروف يهبط بمشروعه هذا على الحياة الثقافية والمسرحية اللبنانية؟ لكنك تدخل إلى المسرح وتجلس في مقعدك وتمسح بنظرك أرجاءه وكراسيه، خشبته، حميميته، ديكور المسرحية الذي ينتظر نبضة حياتها الأولى، فيتأكّد لك جنون هذا الرجل الممزوج بالتحدي وبإرادة البقاء والاستمرار وبإرادة الحياة. تبدأ بطرح الأسئلة المعذِّبة على نفسك، أنت اللبناني المسرحي المثقف، المنزوي في بيتك أو في عملك، المستقيل من واجباتك الثقافية، المستسلم لسوداوية السياسة والسياسيين وجهالتهم. تفكِّر في هذا كله وأنت تنظر إلى المشاهدين الداخلين إلى الصالة وفي عيونهم  تساؤلات مشابهة ربما، أو على الأقل هكذا تظن.
افتتح جواد الأسدي مسرحه"بابل" في بيروت بمسرحية"نساء السكسو... فون" المقتبسة من"منزل برناردا ألبا" للشاعر الاسباني فيدريكو غارثيا لوركا. يؤدي شخصياتها كل من  جاهدة وهبة ورفعت طربيه وعايدة صبرا ونادين جمعة وإيفون الهاشم.
لا يمكن الحديث عن المسرحية بمعزل عن صاحبها، فهي تشبهه إلى حد الانصهار، ففيها الجنون الساحر المتفلت من كل اشكال التأطير والتقييد والأسلبة، وفيها العبثية المعبّرة عن الواقع بصدق وبعمق، وفيها السخرية التي ترتفع إلى مستوى"الغروتيسك" المضحك المبكي، وفيها الاسقاطات السياسية على الواقعين اللبناني والعراقي المتشابهين، وفيها الفرجة المسرحية والمتعة والسحر والحميمية، وفيها – ربما الأهم- البناء الدرامي المتماسك النابض بالايقاع وبالفعل الداخلي وبالانفعالات وبالحوادث الدرامية وبردود الأفعال الدقيقة، كأنها مثبَّتة بـ"المسامير" في بنية العرض.
يطرح جواد الأسدي في هذه المسرحية مجموعة من الأسئلة التي تحمل في داخلها الاجابات عنها. هي تساؤلات حية نعيشها في لبنان ويعيشها هو معنا اليوم، كما يعيشها الشعب العراقي. تساؤلات سياسية ووجودية بامتياز، لكن الأسدي يطرحها من الزاوية الانسانية. يطرح أمامنا على خشبته اختلافاتنا ويفجرها فتصلنا شظاياها. يبرز الصراع الذي نعيشه بين التحرر والتقوقع، بين جهالة السوداوية وجمال اللون، بين تمجيد الموت وتقديس الحياة، يخترق الممنوعات ويدعونا إلى حفلات الانعتاق من"التابوهات"، يدخلنا إلى عالمه السحري المكتظ بالنساء والجنس، فكأن المرأة بالنسبة إليه هي محور الوجود، يكسِّر الحدود كأنه يدعونا إلى عالم آخر مختلف عن عالمنا الكئيب العاجز المستسلم، يضع أصبعه في داخل الجرح ويحركها لكي نصرخ بأعلى صوتنا: كفى لا يجوز الاستمرار هكذا، ثم يقول أن لا خلاص لنا إلا بالحب.
هذا هو الجو الذي يشم المشاهد عطوره في"مسرح بابل". جو مأزوم يشبهنا جميعاً، والخشبة هي المشرحة، هي المختبر، هي المرآة. وعلى الخشبة يلعب جواد الأسدي لعبته المفضلة التي لطالما تكلّم عنها في كل أحاديثه، هو الفنان التائه في أرجاء هذا البلاد العربية الكبيرة، خشبته هي وطنه الحقيقي.
في النص، استوحى الأسدي من لوركا موضوعه وشاعريته ثم انقلب عليه ونسفه بحرفية وإتقان، ليتقدَّم بشاعريته هو، الغارقة في الدراما وفي الوجع، فبدا المشهد من خلال النص كعصفور جريح يرقص من شدة الألم. فشاعرية لوركا الهادئة والراقية والمحكومة بالعقل ربما، لا تناسب إحساس الأسدي الشرقي المتفجر والغاضب والساخط والمكبوت، لذلك جاء النص"أسدياً" بامتياز.
أما الممثل فهو العنصر الأكثر فاعلية في العرض. فمسرح جواد الأسدي هو مسرح الممثل على الرغم من بروز المشهدية والسينوغرافيا بدلالاتها المعبرة والمستخدمة بشكل يدعم السياق العام للعرض، وعلى الرغم من وجود بعض الفلتات الإخراجية البحتة المستقلة عن الممثل. فجواد الأسدي يترك الهامش مفتوحاً أمام حركة الممثل وانفعاله وتعبيره، لكن هذا الهامش المفتوح لا يودي بالممثلين إلى الخروج من روحية المسرحية وجوّها وعمقها الدرامي، ذلك لأن الأسدي يعرف كيف يثبّت الأسس الذي ينطلق منها الممثل ويرسخها في أساس بنية العرض، وبعدها يترك للممثل الانطلاق إلى حيث يمكنه أن يصل. لذلك تجد أن أداء الممثلين في"نساء السكسو... فون" لا يشبه بعضه  بعضاً، فلكلٍّ منهم سياقه ورمزية شخصيته وتدرّج صعوده الانفعالي وسقفه الذي يقف عنده، وفي الوقت ذاته هم متآلفون ومتفاعلون في ما بينهم كأجزاء متعددة لجسم  حي واحد.
في هذا المجال لا بد من الإشادة بجهود هؤلاء بدءاً من المطربة جاهدة وهبة (في دور برناردا) التي جازفت في  المشاركة في لعبة قائمة على تسخير جمالية الصوت الأوبرالي الذي تحيا به والذي يختصر صورتها الفنية ووجودها في الحياة الفنية ربما،  لصالح إشكالية الموقف الدرامي الساخر إلى حد الكاريكاتور والمناقض لصورة المطرب الكلاسيكي الذي يمشي على الصراط الغنائي المستقيم. إنها تجربة تستحق الثناء وخصوصاً أنها تنجح في أداء دورها كممثلة مسرحية وليس كمطربة تمثل على المسرح.الممثل العتيق رفعت طربيه الذي يقدم شخصية الجدَّة العجوز، وبالرغم من حرفيّته في الأداء وإقناعه المستمر لنا وبحضوره السلس في المسرحية، لم نفهم  مغزى اختياره كممثل رجل لأدء دور امرأة. مع عدم تسجيل أي اعتراض على ذلك الاختيار أو تحفظ عنه، انطلاقاً من انسجام ذلك مع رؤية المخرج
تتألق عايدة صبرا في دور الخادمة ويبدو واضحاً مدى فهمها للعبة المسرحية على طريقة الأسدي، فهي الأقرب من بين الممثلين إلى شخصيات مسرح جواد الأسدي العام. فمن يسترجع بذاكرته مسرحيات الأسدي السابقة، وبالرغم من الاختلاف في الشخصيات بين مسرحية وأخرى، يدرك أن هناك روحاً ورؤية ولوناً وانفعالاً مصدرها المخرج نفسه، وتجدها في شخصيات مسرحياته، فكأنها ممهورة بختمه الفني. إلى هؤلاء تنتمي الخادمة التي تؤدي دورها عايدة صبرا، ومما لا شك فيه أن قدراتها التمثيلية الكبيرة وإتقانها فن الايماء الذي يبدو واضحاً من خلال حركة الجسد والتعبير بالايماءات والاشارات المرافقة للنص، مما يسهَّل عليها فهم رؤية المخرج وتجسيدها بدقة وحيوية حيث تنجح في تقديم  دور تمثيلي مميز على صعيد الخشبة اللبنانية، نادراً ما نشهد له مثيلاً.
الممثلة الشابة نادين جمعة (في دور أديلا) وبالرغم من حداثة تجربتها تبدو متمكنة من ضبط انفعالاتها حيناً ومن إطلاق عنانها حيناً آخر، ما يعكس التوتر الداخلي للشخصية التي تلعبها. وهي تتمكن من أن توحي بالرمزية التي تحملها شخصية أديلا من دون الوقوع في المباشرة. تتحرك على الخشبة بحرية وثقة فتثبت أنها صاحبة حضور مسرحي. إنها تمثل نموذجاً للشباب المسرحي اللبناني الذي يبحث عن انطلاقة مسرحية صحيحة وراسخة، ولعلها توفّق في ذلك.
إيفون الهاشم (في دور مجدولينا)، هي الأخرى صاحبة تجربة حديثة في مجال المسرح، تتحرك بإقناع وحرفية أكاديمية، وتنجح كما زميلاتها في خلق الجو العام للعرض وتساهم فيه بقوة. هي الأخرى تنطلق من مسرح جواد الأسدي انطلاقة سليمة وثابتة.
"
نساء السكسو... فون" عمل مسرحي مضبوط، يجيء في هذا الزمن الرديء ومثله"مسرح بابل"، ليضيء شمعة جديدة على طريق الثقافة والفن، وليضيف نوراً وأملاً جديدين لكل محبي المسرح والفكر والثقافة.

تستمر "نساء الساكسو... فون" الى نهاية الشهر الجاري على خشبة "مسرح بابل"، الحمراء

 ****

النهار

دفاتر