نساء جبر علوان يشتعلن بالأحمر في "مسرح بابل"
لور غريب
يعرض الفنان العراقي جبر علوان في بيروت، مجموعة أخّاذة
من اللوحات المشتعلة إيروتيكية وجمراً في مسرح بابل، شارع
الحمراء، سنتر مارينيان،
قرب مستشفى الجامعة الاميركية. والمعرض متواز مع عروض مسرحية
المخرج جواد الاسدي،
نساء السكسو... فون (من الخميس الى الاحد من كل اسبوع).
في اللوحات قامات انثوية
سابحة بلون احمر، لا ينأى كثيرا عن اللون الذي يميز السهرات
الصاخبة داخل علب
الليل. قلت لنفسي: هذا معرض يدعو الى التفاعل والى التصادم
في آن واحد. وايقنت اني
على موعد مع شيء يختلف عما نشاهده حاليا في صالات العرض.
خيِّل اليَّ ان تلك
القامات لا تخرج من مدونات لسهرات راقصة في مناخات اسبانية،
حيث الرشاقة تظهر من
خلال دوران الجسد والتفاف الثوب حوله كلما اقتربت القدمان من
الارض. هذا الكعب
البنّي المحروق ينتظر الوصول الى الارض عندما يسمح الايقاع
بالدعسة السريعة، ثم
الانطلاق بالحركة التي تكشف عن عري الكاحلين، وربما عن عري
اعلى من الركبتين. خلف
الشعر القاتم واليد القرمزية المرفوعة والملتفة حول الرأس،
ثمة مساحة حمراء تميل
الى لون الكرز، وتنبسط افقيا من يمين اللوحة الى شمالها، من
دون توقف، او من دون
تحريك اشارات تكسر سيرها المستقيم. هذا الخط يجعل سطح اللوحة
خلف الجسد، منفصلاً
الى عمقين: في الاعلى ومن فوق نزولا نحو الاسفل، يلعب اللون
الاحمر بكل تموجاته على
السطح ويدوّخه. انه بنّي محروق وبنّي فاتح، حتى ليصبح بلون
الكرز، مستريحاً عند
حدود الخصر الانثوي، ثم يغمق من جديد ليخرج الى العين
المتلقية حرارة الجسد،
فينسينا اننا نتوجه نحو الفناء.
هذه اللوحة تستضيف كلمات ومعلومات واسماء
وارقاماً، كلها موجهة الى من ينظر الى الملصق الخاص
بالمسرحية التي تتماشى مع روح
المعروضات في المساحة السفلى، حيث ثمة ما يقارب 15 لوحة
كبيرة تقريباً، ومربعة،
فكأنها صفحات ملونة لنموذج واحد هو المرأة - الحلم والمرأة -
اليقظة في الوقت نفسه.
والعنوان:بالاحمر.
ما همّ إن كانت الانثى خارجة من رحم سابقة، وها هي بعد ان
تستفيق، تتلون بألوان الحياة من الازرق الى الاصفر والاخضر،
وحتى الى البياض. يريد
الفنان اعادةالسيلويت الرومنطيقية الى الظهور، انما بنبرة
وملامح ولوك تتماشى مع
المعاصرة. يتأرجح الرسام بين الحنين والرفض في الآن نفسه.
فتياته يُدرن ظهورهن
للزوار ويلملمن وحشتهن وعزلتهن، فلا نرى سوى الايحاءات. وقد
انعتها بالسرية لانها
لا تروي ولا تبوح ولا تحزن ولا تفرح. انها بين بين دائما. لا
هوية لها ولا مكان
اقامة. انها من دون جذور ونسل واستمرار. ما يتراءى لنا من
حولها ليس ديكورا ولا
منظرا ولا حتى مكان اقامة دائمة. هو الغموض مهما تغيرت وقفات
المرأة وفساتينها
وحركاتها وحتى استرخاءاتها التي تزيد في غموض صيرورتها او في
غموض صفحات مصفرة من
ماضيها.
اعود الى كليمت، ولا اعرف لماذا. انه المناخ الذي هو في جوهر
اللوحات،
وقد يستمر في الذهن حتى عندما تتحول العين عن تلك الأعمال
التي تسرد اخباراً بلغة
نجهلها. عن صبية لا نعرف كيف نضع اسما على وجهها، وملامحها
ليست لأحد. وميضها ليس
للدلالات الانية، وتلاوين ملابسها والابعاد التي تشكل
ارضيتها هي من اسرار الفضاء
الذي تتحرك الغريبة عنا فيه، وكأن اللوحة هي لوحة تذكارية
تروي بالتقسيط ما كان
ماضيها، من دون ان تظهر لنا حاجة ماسة للوصول الى عالمنا
والتكيف والتأقلم معنا
ومعه.
عندما ينظر الفنان الى لوحاته الان، سيجدها مثيرة وغامضة
ولماعة ونظيفة
وجميلة، لكنه قد يخرج يوماً عليها ليجد نصا تشكيلياً يقول
لنا اكثر مما تقوله
اللوحات المعلقة فيمسرح بابل، رغم كونها محيّرة وتسبح في
فضاءات لها جذور كثيرة هنا
وهناك.
***
النهار