التعزيـة والمسـرح الدينـي فـي إيـران
من التعزية التراجيدية إلى التعزية الكوميدية

لوحة عاشوراء للفنان الإيراني محمود فرشجيان
فاطمة برجكاني*
الأشعار الملحميّة
الدينيّة التي تروي قصص أهل بيت النبي واستشهاد الإمام الحسين كانت
من المصادر الأساسيّة لمسرح التعزية منذ أيّام التيموريّين1
في السنوات الممتدّة بين سنة 782 وسنة 907 للهجرة. وتطوَّر
إنشاد الأشعار الدينيّة وكتابة مأساة الكربلاء بشكل منظوم
في أيّام الصفويّين التي كانت تشهد تناغمًا بين الدين والحكومة. وبدأت فِرق التعزية
تسير في الأزقّة ويشارك فيها الناس وهم يضربون على صدورهم أو
ظهورهم وينشدون أشعار العزاء. يمكن القول إنّ إيجاد الشكل
المسرحي للتعزية بدأ من خلال هذه الطقوس، لأنّ الأشعار
المتحدّثة عن مأساة كربلاء مهّدت لهذا الشكل الدراميّ من الناحية الأدبيّة.
من هذه الأشعار يمكن الإشارة إلى مجموعة «خاوران
نامه» التي نظمها «محمّد بن حسام الدين»
المعروف بـ«ابن حسام» وهو من شعراء القرن التاسع. موضوع أشعار ابن حسام
تتمحور حول أسفار الإمام علي وحروبه في منطقة الشرق والحرب ضدّ
الملك «قباد». «الهجمة الحيدريّة»
لـ«ميرزا محمّد رفيع خان باذل» أيضًا قصّة منظومة عن بعثة النبي
حتّى نهاية خلافة الإمام علي واستشهاده. هذه المجموعة أُكملت بعد
وفاة رفيع خان على يد «ميرزا أبو طالب فندرسكي» المعروف
بـ«أبو طالب الأصفهاني».
وهناك الكثير من
الشعراء والكتّاب الذين تركوا آثارًا عن مأساة كربلاء مثل «محتشم
كاشاني» و«كمال غياث الشيرازي» و«وصال الشيرازي» و«كاتبي
ترشيزي»، وكذلك «ملاّ حسين كمال واعظ كاشفي سبزواري» الذي
ألّف كتابه المعروف «روضة الشهداء» وساهم بشكل كبير في تكوين
نواة مسرح التعزية من حيث خلق القصّة، وهذا الكتاب الذي أُلّف سنة
908 للهجرة أشهر كتاب عن مأساة الكربلاء التي كانت تُقرأ في
المنابر في فترات عديدة، لذلك سمّيت قراءة التعزية بقراءة
الروضة، أو «روضه خواني».
أمّا نصوص التعزية فكان معظمها
شعرًا، خاصّة الشعر العامّي، لأنّه لم يكن من كتابة الشعراء
المختصّين بل كتبها أهل المسرح، ولذلك فيها أخطاء لغويّة
وأدبيّة وصرفيّة ونحويّة، لكنّها استطاعت بسبب بساطتها
وحيويّتها واحتوائها مصطلحات عامّيّة أن تُستخدم في التعزية كلغة قويّة
ودراميّة، وتجعل صلة بينها وبين المشاهدين. وبالنسبة إلى عدد هذه
النصوص، فهو كثير جدًّا، خصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار
التعازي باللغات واللهجات المختلفة كالتركيّة والكرديّة
وحتّى العربيّة. ولكنّ العديد من هذه النصوص لم تصل إلينا.
ويُقال إنّ نصوص التعازي الأصليّة تصل إلى أكثر من
مئة، لكن عدد التعازي بشكل عامّ أكبر من
هذا العدد بكثير.
وتجدر الإشارة إلى أنّ معظم كتّاب نصوص التعزية كانوا
يعرضون نصوصهم من دون توقيع، لذلك ليس لدينا أسماء كثيرة في هذا
المجال. وكتّاب النصوص هم من الشعراء الذين يتلون المراثي
وهم كتّاب مسرحيّون في عصرهم.
من هؤلاء
الكتّاب في عهد ملوك القاجار «خواجه حسين علي خان»، «ميرزا تقي تعزيه ردان»
وابنه «ميرزا باقر» الموسوم بـ«معين البكاء»، سيّد
«عبد الباقي بختياري»، سيّد «مصطفى مير
عزا» وابنه «آقا سيد كاظم مير غم».
كان لكتّاب التعزية إلمام
بالموضوعات القرآنيّة والأحاديث، وكذلك لهم علاقة بعلماء الدين في
عصرهم، لذلك كانوا يكتبون نسخ التعزية بناء على معلومات
يختزلونها، وبناء على مشورة علماء الدين. والاختلاف الموجود
في نسخ التعزية، ناتج عن اختلاف الأشعار. وعادة يكون
الموضوع واحدًا لكنّ الأشعار متفاوتة.
وأمّا الموسيقى فلها أهمّيّة بارزة في
مسرح التعزية أيضًا، وربّما لهذا السبب سُمّيت التعزية «أوبرا
تراجيديّة». كتب عبد الله مستوفي عن هذا الموضوع في كتابه
«شرح زنداني من» (شرح حياتي): «كان الممثّلون يقرأون
أدوارهم من النسخة الشعريّة التي كانت بأيديهم، ولكلّ دور موسيقى معيّنة.
«عبّاس» يجب أن ينشد نغمة «هاراه»، و«الحرّ» ينشد
نغمة «عراق»، وممثّل «عبد الله بن حسن»
الذي استشهد في حضن أمير الشهداء، يمسك يده المقطوعة بيده الأخرى وينشد جزءًا
من نغمة «روك»، ولذلك عُرفت بـ«روك عبد الله». ويجب أن يكون الأذان
بنغمة «كردي». وفي السؤال والجواب ينشد
الإمام نغمة «شور»، وعلى عباس أن يجيب بنغمة «شور» أيضًا.
لكن الذين يمثّلون دورًا معارضًا للأولياء، مثل قائد
الجيش والأفراد والأمراء وأتباعهم
ينشدون أشعارهم بصوت عال وبغضب...».
بعض علماء الموسيقى في إيران
يعتقدون أنّ التعزية ساهمت بشكل كبير في حفظ الموسيقى وانتشارها في
إيران. فكانت التعزية إحدى أهمّ الوسائل التي ساعدت في
حماية بعض الأجزاء من النغمات الوطنيّة وحفظها. وكان
للموسيقى دور مهمّ عن طريق الأداء، لأنّ المغنّي ذو صوت جميل يستطيع
أن يؤثّر في المشاهدين بشكل أفضل، لذلك كانوا يختارون الشباب الذين
يتمتّعون بصوت جميل لأداء الدور في التعزية، وهم كانوا
يتدرّبون عند أساتذة
الموسيقى. وهكذا خرج
من مدرسة التعزية مغنّون وصلوا إلى درجة عالية في فنّ الغناء.
وتجاوز عدد آثار
التعزية الألف، وشملت نسخًا متعدّدة من بعض النصوص الأصليّة
للتعزية، منها إضافة إلى مجموعة «خوتشكو»، مجموعة «بلي ـ
Pelly Collection» التي تشمل سبعًا وثلاثين
تعزية جَمَعها «لويس بلي» عن طريق السمع، ومجموعة «ليطن ـ
Litten Collection» التي
تشمل خمس عشرة تعزية، ومجموعة «تشرولي ـ Cerulli
Collection» التي تشمل ألفًا
وخمسًا وخمسين تعزية جمعها السفير الإيطالي في إيران «انريكو
تشورلي».
ومجالس
التعزية كان يديرها الرجال فقط، ولم يكن فيها دور للنساء. وكان الشباب والمراهقون
يقومون بأدوار النساء، لكن كانت البنات قبل عمر التاسعة يشاركن
فيها.
تطوّر
مسرح التعزية في عهد القاجار2 بسبب حمايته من قِبل الملوك والطبقة المرفّهة
التجاريّة والسياسيّة. لكن هذا الدعم لم يكن حماية صرف بل كان
وسيلة للحصول على مكانة وطنيّة، وكان هناك بعض الناس الذين
تجنّبوا تمثيليّة التعزية جرّاء بعض التفاسير المخالفة
للعلماء، فاهتمّوا ببناء المساجد. على كلّ حال بعد هذه الفترة
عُرضت التعازي في أماكن مختلفة كالساحات والمقابر والمسارح
المؤقّتة التي سُمّيت بـ«التكية» أو «الحسينيّة». وكان
المسرح عبارة عن خيمة كبيرة تُضرَب على أركان خشبيّة فيمكن
نصبها بسهولة أو توضيبها ونقلها.
أقيمت بعد فترة مسارح ثابتة يشبه
بناؤها بناء النوادي الرياضيّة التقليديّة في إيران، وحولها غرف
للمشاهدين ومنصّة في الوسط للتمثيل. سنة 1821 للميلاد شاهد
«غاسبار دروفيل ـ Drouville» تعزية في
طهران عُرضت في الهواء الطلق، وفيها أربعة آلاف ممثّل فرعي.
في المراحل الأولى
لانتشار التعزية انضمّ العديد من الحكواتيّين الدينيّين وغير
الدينيّين إلى هذا المسرح الجديد، في البداية من أجل قراءة
الوقائع في المواكب، ومن ثمّ للتمثيل في المسرح. وهكذا
استفادت التعزية من أسلوب الحكواتيّة عند تكوينه.
«نادر شاه
أفشار» الذي كان من أهل السنّة ويرغب بالعلاقات الإيرانيّة والعثمانيّة، حاول منع
توسيع هذه التمثيليّة الخاصّة بالشيعة ونجح في ذلك إلى حدّ ما، لكن
بعده وفي عهد الزنديّة3 استمرّت هذه المسرحيّات بين عامّة
الناس، وتطوّرت في عهد القاجار أيضًا كظاهرة مذهبيّة
للطبقات المتدنّية وكوسيلة للتسلية عند طبقة الأعيان، حتّى وصل إلى
أوجه أيّام حكم ناصر الدين شاه القاجار.
كانت هناك تكايا صغيرة في العاصمة
طهران تَسَع ثلاثمئة مشاهد وبعض التكايا الكبيرة تشمل ثلاثة آلاف
مشاهد، وهناك بعض التكايا في أصفهان تَسَع عشرين أو ثلاثين
ألف مشاهد. كذلك كان لناصر الدين شاه تكيه في العاصمة
الموسومة بـ«التكيه الشاهيّة» وتكيه أخرى صيفيّة في شمال طهران. وفي سنة
1869 للميلاد تمّ بناء مسرح بأمر من ناصر الدين شاه،
وهو «تكيه دولت» التي تَسَع عشرين ألف
نسمة.
يقال إنّ منافسة الأعيان أدّت إلى أن يحاول كلّ منهم
تزيين حجرته في المسرح بآثار قديمة
جمعوها من البلاد المختلفة. وكان معظم الأعيان والتجّار
يأخذون على عاتقهم نفقات التعزية أو يوصون بصرف قسم من أموالهم في سبيل
التعزية أو يهدون ملكًا لإنشاء مسرح أو تكية للتعزية. أمّا المسارح
المؤقّته فكان يقيمها الناس ويفرشونها ويزيّنونها
ويحضّرونها لعرض التمثيليّة، وهم كانوا يجمعون نفقات
التعزية في ما بينهم.
أمّا الهدف من التمثيل في التعزية فكان في البداية
مجرّد الحصول على الحسنات، رغم أنّ الممثّلين كانوا يحصلون على
هدايا لتشجيعهم وتقديرهم. لكن مع انتشار التعزية ورواجها
وكثرة العروض المسرحيّة في المسارح المختلفة، أصبح التمثيل
فيها شيئًا فشيئًا مهنة مؤقّتة، وكان معظم الممثّلين يتركون
أعمالهم العادّيّة في شهري محرّم وصفر ويعملون في مجال التمثيل في التعزية مقابل
أجر، والممثّلون الشباب الذين كانوا يتمتّعون بشكل وسيم وجميل،
يحصلون على أجور مرتفعة، خصوصًا أنّهم يمثّلون في عدّة
تمثيليّات في يوم واحد، ويتمّ التنافس لجذبهم. والبعض منهم
يحصلون على مزايا من قِبل الدوائر الحكوميّة، كتقليل ضرائبهم
أو حتّى يحصلون على أجور من الحكومة.
تحوّل التعزية إلى مسرح غير مذهبي أو
التعزية المضحكة
نقرأ في أحد المستندات الموجودة عن التعزية في أيّام
ناصر الدين شاه أنّه كان يخترع وسيلة
للتسلية، وفي مجال التعزية أيضًا حاول أن يجعلها أداة
لإظهار رفاهيّة قدرتها وعظمتها، وهكذا أوصلها إلى مكانة عالية. كان الأمراء
ورجال البلاط يقلّدونه كذلك، ويهتمّون بإقامة التعازي. وهكذا
انتشرت التعزية بشكلها الجديد الذي فيه طابع ترفيهيّ. في
الأيّام العشرة الأولى من شهر محرّم كانت تُقام حدود مئتين
أو ثلاثمئة من مجالس التعزية في بيوت الأشراف و«تكايا» طهران. وبعد
تطوّر التعزية كعمل ترفيهيّ فاخر تمّ تعديل بعض نسخ التعزية، إذ
طرأت عليها بعض التعديلات التي لم تكن موجودة فيها أصلاً
كتعزية «درّة الصدف» وتعزية «الأمير تيمور» وتعزية «يوسف»
و«زفاف بنت القريش». وكي لا تفقد التعزية طابع العزاء تمامًا،
كانوا يضعون في مقدّمتها بعض الحكايات المسلّية ذات المغزى
الأخلاقي وفي النهاية يعرضون إحدى وقائع «يوم الطف».
هذه التعديلات والمقدّمات التي دخلت في التعزية
منذ أيّام ناصر الدين شاه والتي انتشرت فيها التعزية وغلب عليها
طابع التسلية على طابع العزاء، سمّيت بـ«يش واقعه» أي «حدث
قبل الحدث». والشخصيات في هذه المقدّمة عبارة عن شخصيات
أسطوريّة إسلاميّة أو ناس عاديّين في عهد الكاتب. تتذكّر هذه
الشخصيات أحداث كربلاء كي تُشفى آلامها، ومن ثمّ يبدأ الحدث
الرئيسي. مثلاً في إحدى هذه المقدّمات، عندما عرف «الأمير
تيمور» بعد فتح الكوفة ما حدث في كربلاء، أمر بإقامة تعزية.
وهكذا أصبحت التعزية تشمل العصور البشريّة كلّها منذ خلق آدم حتّى
يوم القيامة.
وبعض هذه المسرحيّات لها طابع غير ديني كقصّة «ليلى
والمجنون» المعروفة في الأدب الإسلامي،
فالطابع المذهبي الوحيد فيها يكمن في طلب المجنون من
الإمام جعفر الصادق أن يرشده.
بعد فترة من نشوء هذه المقدّمات أُدخل الهجاء
وتحقير أعداء الدين إلى التعزية التي زاد فيها الجانب الهزلي ممّا
أدّى شيئًا فشيئًا إلى ظهور نوع من التعزية المضحكة سمّيت
بـ «وشه» وتعني بالفارسيّة «الزاوية».
هذه المقدّمات الهزليّة استقلّت عن التعزية الرئيسيّة
وتمّ عرضها في الاحتفالات الدينيّة
والمذهبيّة أو في احتفالات شهرَي محرّم وصفر قبل الحدث الرئيسي
وفيها عناصر كوميديّة.
وساهمت هذه العوامل في تحويل التعزية إلى دراما غير
مذهبيّة وأدخلت مضامين كوميديّة ـ تراجيديّة على المسرحيّات
وأحيانًا كوميديّة صرفا. وربّما التعرّف على الكوميديا
الغربيّة أثّر في هذا الأمر.
التعزية النسائيّة
هذا النوع من التعزية ظهر في عهد القاجار، وكان
بمثابة نوع من ردّة فعل أمام موانع
دينيّة لظهور المرأة على الخشبة، ومحاولة لاستعادة حقوقهنّ المسلوبة
في العروض المسرحيّة. لأنّه بسبب المعارضات كان الرجال يقومون
بتمثيل دور النساء في المسرحيّات، ولم يكن للنساء مجال
للدخول إلى المسرح.
لقد بدأ مسرح التعزية
النسائي بواسطة «قمر السلطنة» ابنة فتح علي شاه وفي منزلها،
وإقامتها كانت استمرارًا لمجالس التعزية حيث كانت النساء
يقرأن قصّة كربلاء أو مدح الأئمة. وبعد ذلك أقامت «عزة
الدولة» أخت ناصر الدين شاه بعض مجالس التعزية في منزلها أيضًا.
لكنّ هذه التعزية لم تنتشر تمامًا بين عامّة الناس،
لأنّها كانت تتمتّع بطابع خصوصي وتُقام
في بيت الأثرياء الذين بإمكانهم توفير الإمكانيّات لهذه التعزية.
وقد سُمّيت النساء اللواتي قمن بتعزية نسائيّة
بـ«مُلاّ»، وهؤلاء النساء كنّ يقمن
بتلاوة التعزية في مجالس نسائيّة من قَبل، أو كنّ تعلّمن التمثيل في هذه
المجالس. ووردت أسماء بعض الممثّلات في عهد القاجار كـ«ملاّ نبات»،
و«ملاّ فاطمة» و«ملاّ مريم». وكانت
«حاجية خانم» ابنة فتح علي شاه إحدى أهمّ النساء
اللواتـي كنّ يقدّمن عروض التعزية.
كانت التعزية تُقام في الهواء الطلق في فناء البيوت
أو في بهو كبير فيها. وكان موضوع
التعازي يشبه سائر التعازي، لكن في هذه التعزية يكون
الأبطال عادة من النساء. كما تؤدّي النساء دور الرجال ويحاولن تغيير أصواتهنّ كي
يقترب من أصوات الرجال، ويلبسن ثياب الرجال ويستخدمن أدوات خاصّة
بالرجال كي يشبهن الرجال في مظهرهنّ. وبما أنّ المشاهدين من
النساء فلا داعي لإخفاء وجوههنّ.
من أهمّ
التمثيليّات التي كانت سائدة وموضع اهتمام المجالس النسائيّة، نذكر «شهربانو»
أو «زفاف ابنة القريش» وغيرها من التمثيليات التي
أبطالها من النساء.
هذا النوع
من مسرح التعزية استمرّ حتّى أواسط عهد «أحمد شاه القاجار» وانتهى تدريجيًّا.
ركود التعزية
بعد عهد ناصر الدين شاه انخفضت أهمّيّة التعزية
وعظمتها، وأزيلت معظم التكايا، وبقيت
التعزية كنشاط بين عامّة الناس، إذ كانت الفِرق المختلفة
تدور في عدد من المدن على مدار السنة وتعرض مسرحيّاتها، وحتّى بعض المراكز
المهمّة للتعزية مثل طهران وكاشان وأصفهان وأذربيجان احتفظت
بأساليبها في التعزية إلى الفترات الآتية.
مع بداية النهضات الجديدة الفكريّة المستوردة من
الخارج إلى إيران، واستقرار النظام
الدستوري، فقدت التعزية اعتبارها أكثر من ذي قبل. ووصلت
التعزية في أيّام محمد علي شاه وأحمد شاه القاجار إلى درجة فقدان حماية الأعيان
بسبب رغبتهم في الانتماء إلى عصر التجدّد. والتغييرات الاجتماعيّة
والسياسيّة جعلت الأعيان يتخلّون عن دعم التعزية. كذلك ظهور
الثورة الدستوريّة والنفوذ الأوروبّي ودخول ثقافتها إلى
إيران، وترجمة المسرحيّات الأجنبيّة وعرضها من العوامل التي
ساهمت في ركود التعزية.
وفي عهد «رضا شاه الهلوي» اعتقدت القيادات أنّ العنف
الموجود في معظم مواكب العزاء، من الممكن أن يُترجم عند الأجانب
كنوع من الهمجيّة، لذلك قرّروا منع أيّ نوع من المظاهرات
المذهبيّة منها مسرح التعزية، وذلك سنة 1920 للميلاد. ولذلك
لجأت فِرق التعزية إلى القرى البعيدة على أمل أن تتمكّن من استمرار
حياتها. لذلك في هذه الفترة بدأت أيّام ركود التعزية وتأخّرها.
وبالرغم من أنّ هذا المسرح الديني كان يتحوّل إلى دراما غير
دينيّة، اضطرّ إلى أن يعود إلى أصله.
بعد انتهاء عهد رضا شاه سنة 1941 للميلاد وفي عهد
ابنه، عادت التعزية التي كانت قد فَقَدت
عظمتها إلى المدن من أجل السعي إلى إعادة حياتها، لكنّ التقاليد والأعراف
في المجتمع كانت قد تغيّرت، وكانت السينما والمسرح الجديد
الأوروبّي ووسائل التسلية الجديدة قد انتشرت بين الناس،
ولذلك لم تحظَ التعزية بترحيب الناس، ولم تستطع استعادة
عظمتها السابقة. وسنة 1948 تمّ تدمير مسرح «تكيه دولت» الذي كان أعظم وأضخم
مسرح للتعزية. ومُنعت التعزية في كلّ سنة عن طريق إصدار بيان رسمي،
وانحصرت التعزية في بعض القرى والمدن في البلد.
المسرح
الديني بعد انتصار الثورة الإسلاميّة
بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران بقيادة الإمام
الخميني سنة ,1979 عاد التركيز على
التعزية والاهتمام بها. ويجب أن لا ننسى أنّ التحرّكات الأولى ضدّ
الاستبداد والاستعمار التي أدّت إلى الثورة، كان لها جذور في تعزية
الإمام الحسين والمواكب المذهبيّة، وهذه التحرّكات كانت
تصادف عادة أيّام محرّم.
كانت التعزية
وإحياء ذكرى العاشوراء من العوامل التي ساهمت في تعزيز الروحيّة
الثوريّة والاستشهاديّة والبحث عن الحقيقة ومواجهة الظلم.
تعلّم الشباب ومحبّو الإمام الحسين ومناهضو الظلم
والاستبداد دروسًا متنوّعة من العاشوراء ممّا قام به الإمام، وما
واجهه في كربلاء، كالعمل بالواجب، والقبول برضى الله، وضرورة إحياء
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواجهة الظلم، والتضحية
في سبيل الدين، وعدم الخوف أمام كثرة عدد الأعداء، وانتصار
الدم على السيف، وعدم الخوف من الحصار الآتي من العدوّ.
هذه المفاهيم وهذا الإيمان بعاشوراء الذي تجذّر بين
الناس، استمرّا إلى ما بعد انتصار
الثورة وتعزّزا. وبسبب اهتمام الدولة الإسلاميّة في إيران بإحياء عاشوراء
وإقامة التعازي، انتشرت المجالس الدينيّة والمذهبيّة في المساجد
والتكايا، وعاد الاهتمام بالتعزية كعمل تمثيليّ.
اعتبر الناس والمسؤولون إقامة مجالس التعزية
العاشورائيّة والتجليل للشهداء الذين قضوا في سبيل الثورة
الإسلاميّة، والمحاولة لإظهار عدم التمسّك بالدين من قِبل
أعدائهم، إعلانًا للوفاء للمظلومين ومعارضة للظلم، ووسيلة
لإحياء فلسفة نهضة عاشوراء وإعادة الحياة لهذه النهضة الحسينيّة،
واستمرار القواعد والقيم العاشورائيّة.
واقع
المسرح الديني المعاصر في إيران
استمرّت التعزية في القرى والمدن الإيرانيّة، والتزم
المقيمون بمسرح التعازي بالقواعد
الأساسيّة الموجودة فيها كتصاميم الثياب، ولونها، والموسيقى، والحوار
وكيفيّة إلقائه، والأشعار، والحكايات، والشخصيّات المسرحيّة وما
إلى ذلك.
وتُقام التعزية اليوم في معظم القرى والمدن
الإيرانيّة بأشكال وموضوعات مختلفة
متفرّعة عن الموضوع الرئيسي وهو تراجيديّة عاشوراء. وإقامة معظم مسارح التعزية تتمّ
بمبادرة من عامّة الناس مباشرة وأحيانًا برعاية مؤسّسات حكوميّة.
وعادة يتمّ جمع الأموال الضروريّة لإقامة التعزية وإعداد
أدواتها من المتبرّعين، ويحضّر الناس في الأحياء والمساجد
والحسينيّات احتفالات عاشوراء قبل فترة من بداية شهر محرّم.
وهناك آراء متنوّعة ومختلفة عن التعزية، إذ يؤكّد
خبراء الأمر وعلماء التاريخ والدين على
ضرورة عدم تحريف الوقائع المذهبيّة وتجنّب إسناد بعض الأعمال والكلام
غير الصحيح أو المبالغة أو الخرافات إلى الأئمّة خلال احتفالات
العزاء وعروض التعزية.
يدعو هؤلاء إلى قراءة صحيحة لتاريخ عاشوراء وتبيين
عظمة ثورة الإمام حسين، ويؤكّدون على
أهمّيّة إحياء عاشوراء، لأنّ عاشوراء وثقافتها استمرّت حتّى
يومنا هذا بواسطة التعزية وباقي الاحتفالات والتقاليد.
وبعض الأدباء يرون أنّ
إعادة كتابة قصّة عاشوراء والتعازي أمر ضروريّ في إطار حفظ أصل
القضيّة وحقيقتها.
وباعتقاد هؤلاء إذا استخدمنا البُعد التاريخي لحياة
الأئمّة، فهذا يعني أنّنا جعلناها
محدودة في مجال الفنّ. لذلك يجب أن يكون المسرح الديني مبدعًا مع التركيز
على التحقيق والدراسة التاريخيّة.
كما أنّهم يرون أنّ المسرح الديني المتطوّر
هو الذي يتمتّع ببعد فنّي إلى الجانب المذهبيّ، وأنّه يدفع إلى طرح
السؤال في ذهن المشاهد ويشغل باله بإيجاد جواب عن الأسئلة
المطروحة، ولا ينحصر بالبعد العاطفيّ ولمجرّد البكاء.
*(كاتبة إيرانية)
29/2/2008
السفير الثقافي