تعليقاً على مقترح الفنان فيصل لعيبي بخصوص جدارية محمود صبري
جدارية موطني والموقع المقترح الجديد
عبد الخالق كيطان
للمرة الثانية أقرأ للفنان فيصل لعيبي في الثناء على تجربة الفنان الرائد محمود صبري، وهي كتابة نحن أحوج ما نكون إليها، وقد تناهى إلى سمعنا، في هذا الصدد، عزم مؤسسة المدى للثقافة والفنون والاعلام تكريم صبري في أسابيعها الثقافية المقبلة، وهو تكريم يستحقه بجد هذا الفنان الكبير الذي غيبته سنوات الديكتاتورية وابتعاده القسري عن أرض بلاده، وهو الغياب الذي ألقى بضلاله على تجربته الفنية التي أمتدت لحوالي النصف قرن.. كتابة من هذا النوع تضع القارئ والمثقف العراقي على السواء بأزاء مسؤولية الالتفات لنتاج المبدعين العراقيين الذين قضوا أجمل وأكبر سنوات أعمارهم في المنافي والمنائي، والحاجة الملحة لأعادة الاعتبار إليهم في وطنهم وبالتالي الإفادة من منجزاتهم الحضارية والثقافية.. والعراق يمتلك العديد من الأسماء البارزة اليوم على المستوى العالمي نحن أحوج ما نكون لعقد الصلح معها ومحاولة استقطابها ودعمها وتبني نتاجاتها، ناهيك عن الفنانين العراقيين الذين يشكلون حضوراً أقليمياً وعربياً بارزاً.
في مقال الأستاذ فيصل لعيبي ( من أجل تنفيذ (جدارية وطني) للفنان الرائد محمود صبري... جريدة المدى 5 أبريل 2008).. ثمة مسرد بأعمال الفنان محمود صبري أجتهد كاتبه بالاحاطة بمجمل تجربة صبري وبمختلف التواريخ، وهو مسرد مهم حقاً ويعطي تصوراً لقارئ جاهل بنتاج هذا الفنان العراقي البارز.. ولقد تضمن المسرد حديثاً عن جدارية كبيرة كان محمود صبري قد أنجزها قبل عقود آملاً بأن يكون مكانها في ظهر جدارية الحرية للفنان جواد سليم في ساحة التحرير ببغداد.. وبسبب من حاجة البلاد الماسة للجداريات الضخمة، على شكل جدارية جواد سليم هذه، فلقد وجدت في جدارية محمود صبري بعض العزاء والأمل لهذا الفن الجمالي الحضاري الذي نحن بأحوج ما نكون إليه..
لقد أثبتت الدراسات التاريخية والحضرية أن بلاد وادي الرافدين قد تبنت على الدوام فكرة إقامة جداريات ضخمة تمثل كفاح أبناء هذه البلاد في الثورة والرغبة في الحياة الكريمة الحرة.. ومن المؤكد أن بغداد المعاصرة بحاجة إلى إدامة الصلة بتلك الحضارة العريقة من خلال نصب أكثر من جدارية تعبر عن تلك الأفكار وما يمت لها بصلة.. هكذا كانت جدارية جواد سليم، وما زالت، تمثل هوية عراقية رافدينية خالصة، وهكذا نبحث ونأمل في نصب جداريات مماثلة أخرى في بغداد..
ما يلفت الانتباه في دعوة الأستاذ فيصل لعيبي في مقاله آنف الذكر ليس الجدارية وإنما المكان المقترح لإقامتها، وهو مكان، في تقديري الشخصي المتواضع، لم يأخذ في نظر الحسبان التوسع الحضري لميدنة بغداد المعاصرة (يذكر المقال أن نصب موطني كان مراداً له أن يوضع في ظهر نصب جواد سليم وذلك في العام 1962)، فبغداد العام 1962 ليست هي بغداد 2008 ومن المؤكد أنها لن تكون بغداد 2050.. استراتيجية النصب التي ندعو إليها عليها أن تأخذ بنظر الاعتبار التطور الحضري والتوسع المضطرد في مدينة بغداد.. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن من الظلم لجدارية بحجم الجدارية التي يتحدث عنها الأستاذ لعيبي وأفكارها الجريئة أن توضع في زاوية قاتلة يهيمن عليها، تاريخياً على الأقل، النصب العملاق لجواد سليم، وهكذا يصبح من الأجدى، والأجمل أيضاً، أن تفرد للجدارية الجديدة ساحة أخرى غير ساحة التحرير، على أن تكون الساحة المقترحة مكاناً بعيداً جداً عن مكان ساحة جواد سليم... وما المانع في ذلك؟ أقصد إنشاء ساحة عراقية جديدة وجدارية عراقية جديدة تتصدر واجهات الصحف والتلفزيونات ويتغنى بها الشعراء والعشاق تماماً كما هو الحال مع جدارية المعلم جواد؟
وفي الحديث عن هذا الموضوع يحضر النقاش الدائر، والذي صار قراراً على ذمة الصحف العراقية، بتحويل أراضي معسكر الرشيد الضخمة إلى مجمع سكني متكامل يضم إلى جانب الوحدات السكنية ملاعب رياضية ومستشفيات ومتنزهات ومدارس ألخ... وهنا يحضر محمود صبري وجداريته.. حيث نقترح أن تتوسط جدارية موطني هذه المدينة الجديدة أو أن تكون على باب المدينة الرئيس.. مشروع بهذا الحجم ، ونقصد مشروع مدينة معسكر الرشيد، وليكن عنوانها مدينة موطني على أسم الجدارية، بحاجة حقاً لنصب عملاق يخلد كفاح الشعب العراقي ضد الديكتاتورية وتطلعه لنيل الحرية، ومن المؤكد أن مدينة موطني المقترحة/ المقرّة، التي تمثل وجهاً للعراق الجديد الذي خرج وللأبد، كما نزعم، من أسوار الديكتاتورية، بحاجة لجدارية بحجم وفكرة جدارية الفنان محمود صبري.
المكان الجديد المقترح لجدارية محمود صبري سيمنحها مفاتيح جديدة للنجاح ويخرجها من ظلم المقارنة والتبعية الذي ستتعرض له إذا ما نصبت في ظهر جدارية جواد سليم، وسيمنح الجدارية الجديدة قدرة على المنافسة وأيضاً المزيدج من البهاء والجمال.. كما سنحصل في مدينتنا الأحب بغداد على رمز حضاري وجمالي جديد.
المشروع الحضاري الذي كشف عنه فيصل لعيبي نحن بحاجة ماسة إلى مشاريع مشابهة له، ومن المؤكد أن في حوزة فنانينا الكبار من نحاتين ورسامين العديد من المشاريع الجبارة التي هي ملك للعراق وشعبه اليوم، وعلى العراق أن يتبنى تلك المشاريع ممثلاً برئاسة الجمهورية أو رئاسة مجلس الوزراء واعتبارها جزءاً من المشاريع الاعمارية الطموحة التي يجري التخطيط والحديث عنها ليل نهار وفي مختلف الأقنية الرسمية والاعلامية، وهي، أخيراً، مشاريع تليق بالعراق وبأهل العراق بعد عقود القهر الطويلة.
بقي أن نطالب الفنان محمود صبري بنشر صور جدارية موطني في مختلف الوسائل الاعلامية ليطلع عليها أبناء شعبنا وكذلك المسؤولون عن تنفيذ مثل هذه الأعمال العملاقة.
****
عبد الخالق كيطان: شاعر من العراق مقيم في أستراليا