المسرح العاشورائي في لبنان جلبه الإيرانيون وبدأ باللغة الفارسية
الأسـود والأحمـر قطبـا الخيـر والشـر
فاطمة
برجكاني
لا توجد هناك وثائق
مكتوبة قديمة عن التعزية في لبنان وتحديداً في النبطيّة، وأحد
الأسباب في ذلك أنّ الشيعة في جنوب لبنان كانوا غالباً عرضة
للاضطهاد من قِبل السلطات العثمانيّة، ولذلك كانوا يتناقلون
تقاليدهم شفهيّاً خوفاً من أن يتمّ استخدام نصوصهم المكتوبة
ضدّهم يوماً ما. ولذلك وصلت معظم المعلومات عن الموضوع عن طريق المراجع الشفهيّة،
منهم شيوخ المدينة.
هناك روايات متناقضة، لكنّ الجميع متّفقون على نقطة
واحدة، وهي أنّ الاحتفال بعاشوراء يعود
إلى الفترة التي جاء فيها الإيرانيّون إلى النبطيّة.
فسنة 1918 عندما أنهى الشابّ الإيراني «إبراهيم
ميرزا» دروسه في الطبّ العامّ في
الجامعة الأميركيّة في بيروت، وأقام في النبطيّة، عَلِم بدهشة
كبيرة أنّ شيعة النبطيّة مُنعوا من أيّ ممارسة دينيّة بمناسبة
عاشوراء من قِبل السلطات العثمانيّة.
على إثر ذلك قرّر الشابّ تقديم شكوى لدى السلطات
العثمانيّة في بيروت وكذلك لدى السلطات الإيرانيّة فيها، وجرت
اتّصالات بالسلطات العثمانيّة في إسطنبول، ليستوضح الأمر عن
طريق وزارة الخارجيّة. وأخيراً نجح الشابّ، إذ تمّ إصدار
مرسوم ورد فيه بأنّ الإيرانيّين المقيمين في النبطيّة الذين
كان يصل عددهم إلى عشرين عائلة آنذاك، لديهم كامل الحرّيّة للاحتفال بممارساتهم
الدينيّة في عاشوراء. لكن السلطات العثمانيّة ظلّت تمنع غير
الإيرانيّين من المشاركة في الممارسة الدينيّة التي كانت
تقضي بتنظيم مسيرات لطم.
في العام
التالي تمّ الاحتفال بعاشوراء في النبطيّة وبدأ الشيعة المحلّيّون ينضمّون إلى
الإيرانيّين. وربّما السبب في ذلك، هو ضعف السلطة العثمانيّة، إذ
كانت هذه الفترة تقارن مع الحرب العالميّة الأولى التي
تحالفت فيها الدولة العثمانيّة مع ألمانيا وانهزم هذا
التحالف في الحرب، وأصبحت الدولة العثمانيّة ضعيفة وعلى وشك السقوط.
وهكذا بدأ عدد الشيعة المشاركين في التعزية يتزايد،
فانتقلت الممارسات الدينيّة لعاشوراء من
الإيرانيّين إلى سكّان النبطيّة، ولاحقاً إلى كافّة شيعة جنوب لبنان.
ووصل الأمر إلى أن نُظِّم احتفال عاشورائيّ في
النبطيّة، وخلال الأيّام التسعة الأولى
لمحرّم كانت تطوف مسيرة في شوارع المدينة، كاشفين عن صدورهم، وهم يلطمون
صدورهم بأيديهم مردّدين جملاً بالإيرانيّة تندب الحسين، وكان ميرزا
على رأس هذه المسيرة.
وفي اليوم العاشر، كان الحشد يشهر السيوف ويضرب رأسه
صارخًا: «يا حسين»، «يا عبّاس»، وقبل
ساعة من ذلك، تمّ تمثيل قتل الحسين بشكل مبسّط، لكنّها كان
في البداية بالإيرانيّة، حتّى استمرّ وتحوّل إلى التمثيل بالعربيّة. والشخصيّات في
التمثيل كانوا: الحسين والشمر، وكذلك نساء يرتدين الأسود يمثّلن
أعضاء من عائلة الحسين.
وكان يتمّ القتال بين الحسين والشمر وهما الشخصيّتان
الوحيدتان اللتان يواجهان بعضهما البعض،
وكانت المبارزة تجري من على ظهر حصانين، قبل أن يُجرح الحسين
ثمّ يُرمى أرضا ويُقتل على يد الشمر. فالحوار الذي دار أثناء
المبارزة والذي نسّقه إبراهيم ميرزا، هو الذي أعطى تمثيليّة
عاشوراء الشكل المسرحيّ الذي عُرفت فيه في ما بعد.
في العام ,1926 أُدخِل عنصر جديد في قراءة التعزية،
فقامت مجموعة من الشباب بإلباس أحدهم
رداء ملطّخاً بالدماء، ووضعوه داخل تابوت خشبيّ، وعندما وصل
قارئ التعزية إلى سرد قصّة موت قاسم بن الحسن، دخل الحسينّية، وقام الجميع بشكل
عفويّ وبدأوا بالصراخ مردّدين «الله أكبر». وهكذا تمّ إدخال أوّل
عنصر دراميّ في قراءة التعزية، لم يكن مستوحياً هذه المرّة
من العرض الإيرانيّ.
سنة 1927
استعاد الشخص نفسه تمثيل هذا المشهد، إنّما عند التعزية بقصّة موت الرضيع علي
الأصغر نجل الحسين، دخل الحسينيّة ووجهه مغطّى بوشاح يحمل بين يديه
طفلاً ملفوفاً بالقماش الملطّخ بالدم. وكان ردّ فعل
الحاضرين أكثر قوّة من العام الماضي، فصرخوا وبكوا، حتّى
أنّهم نتفوا شعورهم ومزّقوا ثيابهم.
وبقيت الأمور على حالها حتّى
العام ,1934 عند ما قرّر الإيرانيّ «يوسف العجميّ» الإقامة في
النبطيّة، وبما أنّه كان يجيد ركوب الخيل فاختار أن يلعب
دور شمر، وأدخل بعض المستحدثات، كتوحيد زيّ فرقة شمر وهو
عبارة عن
عباءة بنّيّة فاتحة وكوفيّة حمراء؛ وكذلك ارتدى أعضاء فرقة
الحسين العباءة السوداء. أمّا الاستحداث الآخر فهو إدخال الخيم حيث
سيتمّ وضع القشّ الذي سيحرقه الأعداء بعد قتل الحسين وأسر
نساء العائلة وفتياتها.
سنة 1936
اشترى بعض سكّان النبطيّة المقيمين في بيروت درعاً حديديّة وخوذة وسيفا لاستكمال
بذلة شمر.
وفي هذه السنة عمد الشيخ «عبد الحسين صادق» إمام
مدينة النبطيّة إلى كتابة نصّ
للتمثيليّة يضبط دور شخصيّات المسرحيّة الأساسيّة، ويضيف إليها عدداً من
الشخصيّات التاريخيّة الأخرى، وهكذا بدأت التمثيليّة تعتمد على نصّ
مكتوب يتميّز بتماسك كبير بحبكة مسرحيّة لافتة.
وفي العام ,1971 قام رسّام من النبطيّة برسم
مشهد صحراويّ على القماش، وكذلك عرض مصمّم ماكياج شابّ من النبطيّة
خدماته على المنظّمين. قبل ذلك كان الماكياج بسيطًا، فكانوا
يستخدمون فلّينات محروقة لرسم اللحى والشوارب. وبعدها تمّ
اللجوء إلى استخدام لحى اصطناعيّة، وأصبح الماكياج يُستخدم
بصورة أكبر وأفضل.
وكان جمع من الشباب يقوم بعرض التمثيليّة، ويمثّل
فريق منهم قومَ الحسين وفريق آخر يمثّل قوم الشمر وعمر بن سعد،
وكانت التمثيليّة أشبه ما تكون بالتمثيليّات الصامتة
المقتصرة على المبارزة من على ظهور الخيل والجِمال، وكان
التمثيل يقتصر على أقوال معظمها باللغة العامّيّة أو بلغة عربيّة
مشوّهة.
ثمّ بدأت تغييرات في التمثيل بتوجيه من الشيخ «عبد
الحسين صادق»،
ووُضِع نصّ تمّ بموجبه تنقيح الأدوار، وصار المشاهد يعرف هويّة
الإمام الحسين وهويّة أعدائه، وسبب استشهاده والغاية منها
ومعلومات أخرى عن الحادث. وكانت المسرحيّة تُقام في الهواء
الطلق وفي حلقة ضمن المشاهدين. وكان التمثيل في التعزية
يستمرّ في عائلة بعض الممثّلين، إذ يورث الممثّل دوره إلى أحد أولاده.
سنة 1970
ومع إعلان يوم العاشر من محرّم عطلة رسميّة، تزايد عدد المشاهدين والزوّار وتعاظم،
ممّا جعل المهتّمين بالأمر يقومون بإنشاء مسرح في الطرف الشرقيّ من
موقع التمثيل الذي أصبح وقفاً معروفاً بوقف الإمام الحسين.
ومن ثمّ تأسّست جمعيّة سميّت
بـ«جمعيّة لجنة عاشوراء» أخذت على عاتقها تنظيم الذكرى في لياليها
العشر.
تمثيليّة عاشوراء ,2004 نموذج لتحديث التعزية
طلبت لجنة النبطيّة سنة ,2004
ولأوّل مرّة منذ بداية إقامة مسرح التعزية في هذه المدينة، من مخرج
مسرحيّ من خارج أبناء المدينة أن يقوم بإخراج تمثيليّة
عاشوراء. وهكذا أخذ المُخرج «رئيف كرم» على عاتقه إخراج
التمثيليّة وبدأ عمله بمساعدة طاقم مؤلّف من مئة وعشرين شخصاً تقريبًا،
وعُرض في يوم العاشر من محرّم في ساحة النبطيّة، وتُعتبر هذه
التمثيليّة أبرز نموذج لتحديث التعزية في لبنان.
لقد اعتمد المُخرج رئيف كرم النصّ السابق في
تمثيليّته، لكنّه أدخل فيه تعديلات من إضافة وحذف وتلخيص، إذ أضاف
إلى النصّ مشهدين أساسيّين، وكذلك أدخل إلى المسرح شخصيّتين
بارزتين لم تكونا في النصّ الرئيسيّ.
أمّا المشهدان فهما دخول موكب الخليفة «يزيد بن معاوية» إلى الساحة، والثاني حضور
«زينب» أخت الحسين. هذا، إضافة إلى وجود جوقة
النادبات وجولات الفرسان، ووجود مشهد عن
حفلة زفاف رمزيّة أقيمت لقاسم بن الحسن.
استند المخرج في إضافة المشاهد، إلى
النصوص التاريخيّة، وكذلك إلى خياله. إذ لم يرد في التاريخ أنّ
يزيد حضر شخصيّاً في ساحة كربلاء. أمّا بالنسبة إلى حضور
زينب في كربلاء، فهو موجود في التاريخ، إذ كانت قد حضرت إلى
جانب جثمان أخيها، ومن ثمّ تمّ أسرها مع بقيّة أهل بيت الحسين حيث
نُقلوا إلى الشام.
والسبب في إضافة مشهد يزيد ودخول موكبه ساحة كربلاء،
أنّ المُخرج أراد أن يوازن بين شخصيّات
الطرفين المتنازعين أي الحسين وأعدائه، وأن يُظهر العنف
بتأثير أكبر. كانت التعزية سابقاً تركّز على إدخال «شِمر» كرمز من جانب
العدوّ، لكنّ المخرج في المسرحيّة الجديدة يرى أنّ الشمر ليس إلاّ
لاعباً صغيراً في الحدث، وشخصيّته لا توازي شخصيّة الحسين.
بينما المشكلة الأساسيّة هي الخليفة.
لذلك، ومن أجل التأكيد على شدّة العنف بين الطرفين أدخل المخرج موكب يزيد إلى ساحة
كربلاء إلى جانب عسكر ابن سعد. ويظهر يزيد سكراناً يلعب بقردة.
وجود الخليفة
يزيد شخصيّاً في ساحة المعركة، والكلام الذي قاله، هو بمثابة تحدٍّ
كبير للحسين، ممّا يزيد من التناقض الموجود بين طرفي
النزاع، ويساعد على التركيز على محوري الخير والشرّ أمام
البعض مباشرة، ومن دون أيّ واسطة التي هي «شمر» الموجود في بقيّة نصوص
التعزية.
أمّا إدخال زينب إلى المسرح، فيزيد من دراميّة
المسرحيّة، ويُضفي عليها كثيراً من
الحزن ويركّز على عمق الفاجعة. وتظهر زينب في مشهدين، الأوّل في
مشهد مقتل الرضيع علي الأصغر، نجل الحسين، والثاني في مشهد مقتل
الحسين.
تظهر زينب
قبل مقتل الرضيع وتطلب من أخيه أن يطلب الماء للطفل البريء، لكنّ الجواب من
العدوّ لا يأتي إلا بإطلاق سهم إلى الرضيع وقتله.
تظهر زينب مرّة أخرى عند ذهاب
أخيها الحسين إلى القتال الذي يؤدّي إلى استشهاده. تأتي زينب
بالفرس وتقدّمها للحسين، ويدور حوار مُفجع بينهما. وبعد أن
سقط الحسين عن ظهر جواده إلى الأرض صريعًا، خرجت ومعها
النساء يتصارخن إلى جهة المعركة.
وتصل زينب إلى جثمان أخيها
تزيح عنه الحجارة والركام والنصال تجثو على ركبتيها وتبسط يديها
تحت بدنه وترفعه نحو السماء وهي تقول: «اللهم تقبّل منّا
هذا القربان...».
أمّا عن السبب في
إدخال زينب إلى المسرحيّة، فيرى المُخرج أنّ زينب كانت حاضرة غائبة
دائما، إذ كان دورها متجاهلاً في المسرحيّة، لكن في الواقع
كانت موجودة، ولها وزن كبير في أحداث عاشوراء.
في التعازي السابقة كان يُحكى عن زينب على لسان سائر
الشخصيّات الموجودة في المسرح، والسبب
في عدم وجود دور لها في المسرح، هو أنّه لم يكن هناك دور
للنساء في المسرح. لكنّ اليوم أزيلت الموانع أمام حضور المرأة على خشبة المسرح،
ولم يبق سبب في تجاهل دور زينب الذي كان كبيراً في عاشوراء.
إضافة إلى
المشهدين، هناك عنصر آخر مهمّ دخل في النصّ الجديد لم يكن في النصّ الذي سبقه، وهو
إدخال الفرسان في التمثيليّة. هذا الأمر زاد من حركة التمثيليّة
وحيويّتها، وأخرجها من مجرّد الحوارات، وكذلك ساعد على
تأثير التمثيليّة في الجمهور جرّاء رؤية مشاهد العنف
والتوتّر الموجودة في الواقعة. وتبدأ التمثيليّة مع دخول فرسان العدوّ إلى
الساحة، لما يشير هذا المشهد منذ بداية التمثيليّة إلى البُعد
الملحميّ لها.
أمّا جوقة النادبات التي يتكرّر دورها في كلّ مشهد،
فعليها تقع وظيفة زيادة الطابع الدراميّ
للنصّ. فهذا العنصر الذي هو في صلب حدث عاشوراء، وله مكانة بارزة
في التمثيليّة، كان قد تعرّض للتجاهل سابقًا، لكنّه عاد ليظهر من
جديد.
كذلك مشهد
صغير عن عُرس قاسم ابن الإمام الحسن، بعد إعادة جثّته من ساحة الحرب، فهو طقس
خياليّ
مأخوذ من تاريخ عاشوراء؛ فبما أنّه كان غير متزوّج، فلذلك تقوم النساء
النادبات بإقامة حفل زفاف رمزيّ، وينثرن الورود فوق رأس عروسه
النادبة. إذ إنّ المشهد إضافة إلى الإشادة بتضحية قام بها
قاسم في سبيل الدفاع عن الإمام يتمتّع بطابع جماليّ يزيد من
دراميّة مشهد استشهاد شابّ في ريعان شبابه.
إضافة إلى
ذلك، هناك مشاهد من بعض الخلفيّات التاريخيّة لواقعة عاشوراء، وبعض الحوارات
التقليديّة التي تتعلّق بما قبل حادثة عاشوراء قد حُذفت. واكتفى
المُخرج بمقدّمة نسمعها من صوت خارجيّ، تصف سبب واقعة
كربلاء وخلفيّتها.
وبشكل عامّ نرى في
التمثيليّة تركيزاً على الجانب الملحميّ والدراميّ من واقعة
عاشوراء، وكذلك البُعد المشهديّ والاحتفاليّ لها. لذلك
حُذفت معظم الحوارات التي لا تحتوي على وظيفة مشهديّة.
وهكذا نشاهد أنّه في هذه التمثيليّة لم يعد يهمّ
الحدث كواقعة يوميّة، بل يهمّ كحدث
كونيّ يحتاج الى أن يرتقي بالعمل من مستوى الواقعة إلى مستوى أكبر
منها، يسمّيها المُخرج «الوقع الجلل». ومن هنا جاء التركيز على
العناصر الطقسيّة من ندب ولطم بشكل أساسيّ، كي تأخذ عاشوراء
طابعاً احتفاليّاً كبيرًا.
والأمور
السياسيّة التي مرّت في واقعة عاشوراء، لم تعد تهمّ، بل الأهمّ هو الطقس الذي أصبح
جزءاً مهمّاً من العرض، وكذلك البعد الدينيّ والميتافيزيقيّ.
والعنصران الجسديّ والصوتيّ أخذا بُعداً ملحميّاً وطقسيّاً
للتركيز على البُعد الميتافيزيقيّ للعرض.
وقد حُذفت المقدّمات التاريخيّة، وحلّت محلّها حركة
الفرسان والرايات التي تزيد من الطابع
الاحتفاليّ للتمثيليّة. كذلك، تواترت مشاهد الشهداء التي أصبحت ذات
احتفاليّ طقسيّ؛ فالمقاتل يطلب الإذن من إمامه، ثمّ يرتجز بطولاته،
ومن ثمّ يقاتل ويستشهد، فيأتي الإمام ويندبه، وتتدخّل
النساء للبكاء عليه. هذه الدائرة تتكرّر في كلّ مشهد، مع
بعض الاختلافات في كلّ مشهد.
تشمل التمثيليّة خمس عشرة شخصيّة
يقوم بتأدية أدوارها ممثّلون من المحترفين والممثّلين الذين كانوا
يأخذون التمثيل على عاتقهم سابقًا. وهناك بعض الممثّلين
الذين يؤدّون أدوارهم في التعزية منذ سنين طويلة، منهم
الرجلان اللذان أديّا دور الشمر وحبيب.
أمّا بالنسبة إلى التركيز
على الشخصيّات، فهو على نماذج بشريّة «Pattern»
وعلى أدائهم الحركيّ، وأسلوب أدائهم
وليس على كونهم ممثّلين أو الأمور المضمرة في شخصيّتهم. وهذا أمر
داخل الإطار الكلّيّ للتمثيليّة، إذ الأولويّة للأداء
والعرض والحركة أكثر من الكلام. وهذا الأداء يأخذ بُعداً
دينيّاً عند الحسين، ويأخذ بُعداً شرّيراً ومعربداً عند يزيد.
ويبدو لنا أنّ الشخصيّات بمعناها الحقيقيّ في المسرح
الواقعيّ لا تتواجد هنا، إذ يتمّ
التركيز هنا على نماذج من البشر في مواقع مختلفة، نراها في ثياب ملوّنة عند
يزيد وأعوانه، وفي ثياب بيضاء وسوداء عند الحسين وأصحابه، وهذا ما
يجعلهم قريبين من شخصيّة ألوهيّة غير دنيويّة إنّما
ملائكيّة.
حتّى النادبات، لا يهمّ من هنّ،
ولا تهمّ ميزاتهنّ الفرديّة أو كلامهنّ الذي هو ميزة خاصّة
للشخصيّة في مفهوم الشخصيّة في المسرح الواقعيّ، بل المهمّ
ما يرمزن إليه، وما يلبسن، وما يفعلن.
هكذا تتجلّى النماذج والعيّنات البشريّة في الحركة
والصوت والملابس أكثر ممّا تتجلّى
ميزاتهم الفرديّة. وهناك بعض الحوارات فقط، تأخذ أيضاً طابعاً احتفاليًّا.
والرجال الذين يستأذنون إمامهم للذهاب إلى ساحة
الحرب، يمارسون الطقس أكثر من أنّهم
يخبروننا بأنّهم يقومون بالاستئذان. هذا الطقس وهذا الاحتفال، هما احتفال الشهادة
يبدأ من الوداع وتقبيل القرآن، ويختم بشهادتهم.
الملابس
تتميّز الملابس في
التمثيليّة بطابع خاصّ، ولها معان ومفاهيم مميّزة. فما يلفت النظر
من حيث الملابس أنّ الرجال من آل بيت الحسين وأصحابه يلبسون
ثياباً باللون الأبيض، مع عباءات سوداء، وهذا ما يعطيهم
بعداً روحيّاً يجعلهم قريبين مما وراء الطبيعة. والأبيض كما
درج في التراث، هو لون الطهارة والبراءة. كذلك في الاحتفاليّات العاشورائيّة يلبس
بعض المشاركين البياض ويتقدّمون موكب المضحّين الذين يمتثلون
للدعوة «الحسينيّة».
إضافة إلى ذلك، يضع الحسين عمامة سوداء اللون
والعبّاس عمامة خضراء اللون في
التمثيليّة. وعند ظهور رجل من رجال الحسين في ساحة القتال، يظهر اللون الأبيض بشكل
أبرز.
أمّا الرجال في صفوف العدوّ، فثيابهم ملوّنة ممزوجة
بألوان حامية كالأحمر والأزرق، هذه
الألوان التي توحي نوعاً ما بالعنف وبالفوضويّة لديهم.
والنساء من
أهل بيت الحسين، يرتدين الثياب السوداء والبيضاء اللون، ووجوههنّ
غير مغطّاة ماعدا وجه زينب الذي يبقى مغطّى. وهكذا يأخذ
اللباس بُعداً تراثيّاً ورمزياً، إذ مع الأبيض والأسود يكون
الاقتراب من الألوهيّة أو البُعد الماورائيّ، ومع الألوان يكون
الاقتراب من الأرضيّة.
اللون الأبرز في ثياب النساء منذ بداية التمثيليّة،
هو الأسود الذي يمكن أن يُقال إنّه لون
الحزن. لكن عندما يتصاعد الحزن ويصل الحدث إلى أوج الفاجعة،
تشقّ النساء ثيابهنّ السوداء، لتتحوّل إلى اللون الأبيض. ويمكن تفسير
ذلك بأنّهنّ يخرجن في هذه الحال من البُعد المادّيّ إلى الطهارة
والبعد الميتافيزيقيّ. هذا المشهد مأخوذ إلى حدّ كبير من
التراث العربيّ، إذ ورد في هذا التراث أنّ الكثير من النساء
العربيّات كنّ يقمن بشقّ ثيابهنّ ونكش شعرهنّ عندما يُفجعن،
وهذا ما نشاهده اليوم أيضاً في العديد من البلدان العربيّة، إذ تقوم المرأة
بهذا النوع من الحركات من شدّة لوعتها.
هذا المشهد يتمّ على مستوى العرض بتصميم
ثياب ذات وجهين من القماش الأسود والأبيض ـ للنساء والرجال ـ، فعند
مقتل الرضيع علي الأصغر الذي يزيد شدّة الحزن، تخرج النساء
من اللون الأسود ليدخلن إلى الثياب البيضاء.
هذه الميزة المتعلّقة بالألوان نشاهدها في
الاكسسوارات أيضا، على سبيل المثال يدخل
موكب يزيد وهو مليء بالألوان المتنوّعة كالحمراء والزرقاء والذهبيّة.
أمّا الاكسسوارات المستخدمة، فمتنوّعة وتتمثّل في
الرايات الملوّنة بألوان مختلفة، وأنواع
الأسلحة التقليديّة كالسيوف والرماح والسهام، وقليل من الدروع. أمّا
الخوذة بمعناها العسكريّ، فشبه معدومة، إذ يضع أهل بيت الحسين
عمامات على رؤوسهم، وجنود العدوّ يضعون قبّعات تشبه في بعض
الأحيان الخوذة، وتغطّي الأذنين.
كذلك تمّ
استخدام دمى في عدّة مشاهد، منها مقتل مسلم وهاني، إذ يجرّهما الجنود الأعداء
بعد قتلهما. كذلك الأمر بالنسبة إلى مشهد مقتل الرضيع الذي
استُخدمت فيه الدمية بدلاً من الطفل.
ومن حيث الديكور، تُعرض التمثيليّة في أرض ترابيّة
توحي بأرض كربلاء، وُضع فيها النخيل،
وهذا مستوحى من الروايات التي تصف أرض كربلاء بأنّ فيها
أشجار النخيل. وكذلك نهر فرات الذي جُسِّد بقماش أزرق فاتح يوحي بلون
إضافة إلى ذلك وُضعت أقمشة بيضاء اللون من حول المسرح، رُسِم عليها باللون
الأحمر الذي يوحي بالدم.
تُسمع الأصوات جميعها من حوار وخطاب وندبة، بشكل
مسجّل، وهذا الأمر يزيد من البعد الاحتفاليّ والطقسيّ للتمثيليّة.
أمّا الكلام الإيقاعيّ والملحَّن، فهو الغالب على الصوت
المسجّل.
هذا الانفصال بين الصوت
وأداء الممثّلين يعطي بعداً غير واقعيّ وغير مألوف للتمثيليّة،
ويزيد من البُعد الماورائيّ للحدث. لأنّ الكلام الذي نسمعه
يوميّا، أو كما نجده في المسرح الواقعيّ، يخفت اللحن لمصلحة
التغييرات الجزئيّة في النبرات، لكن هنا ما نسمعه هو صوت غير
مألوف، يوهمنا بأنّه صوت غير أرضيّ أو سماويّ، خاصّة في ما يتعلّق
بأصوات الحسين وأهل بيته وأصحابه.
(كاتبة إيرانية)
28/3/2008
السفير الثقافي
****