الجمالية في مسرح الصورة
قطيعة رؤيوية وبحث عن فضاءات مفتوحة

رائد محسن وسمر قحطان في مشهد من مسرحية حظر تجوال
ياسر عبد الصاحب
البرّاك
إن أهم ما أفرزته تجربة مسرح
الصورة لمخرجها الدكتور صلاح القصب في عديد
تجاربه الإخراجية وبياناته
التنظيرية من الناحية الإسلوبية إتخاذها( القطيعة
الرؤيوية) إستراتيجية خاصة في
صياغة وبناء المشهد المسرحي سواء بالنسبة للمشهد
المسرحي العراقي أو العربي. نجد
هنا أن التجارب المسرحية العربية التي إنطلقت منذ
جهود مارون النقاش الأولى قد
إعتمدت...على
الملفوظ الحواري كبؤرة مركزية في
الخطاب المسرحي إنطلاقاً من
الإيمان بالجانب التعليمي أو الوعظي والخطابي للعرض
المسرحي، وبالتالي فان الإهتمام
باللغة بإعتبارها قناة الإتصال الرئيسية مع المتلقي
كان منصبّاً على ما تحققه هذه
اللغة من وقع موسيقي في إذن المتلقي فسمعنا دعوات
كثيرة
ومتنوعة إلى إستخدام لغة الشعر أو
لغة النثر أو الإعتماد على
اللغة الفصيحة أو العاميّة، أو
بالمزاوجة بينهما، أو بالإعتماد على لغة وسيطة
أسماها توفيق الحكيم بـ(اللغة
الثالثة) وهي لغة تجمع بين الفصيح/ العامي و العامي/
الفصيح (لغة الجرائد)، وقد شغلت
هذه الدعوات حيزاً كبيراً من التفكير المسرحي
العربي، لأن الإهتمام كان مقتصراً
على ما يمكن أن تحققه اللغة من أثر طيّب في
المتلقي، وهذا يعني أن النظام
السمعي في العرض المسرحي العربي هو الذي كان متسيّداً
لعقود طويلة من عمر التجربة
المسرحية العربية بالنظر لإحتفال مؤسسات الثقافة في
المجتمع العربي باللغة وفقاً
لمرجعيات خاصة مثل (القرآن معجزة النبي) وهو معجزة
لغوية/ سمعية، و(الشعر ديوان
العرب)، ومع إهتمام العرض المسرحي العربي بمكملاته
الفنية مثل (الأزياء/ الديكور/
الإضاءة/ ...... الخ)

المخرج المسرحي العراقي صلاح القصب صاحب مسرح الصورة
إلا أن هذا الإهتمام بقي في حدود التشكيلات الطرازية ذات الصيغة المتحفيّة وهي موروثات غربية كلاسيكية إعتقد بعض المسرحيين العرب أنها الشكل الوحيد أو النموذجي للعرض المسرحي، وهذا ما ظل مهيمناً على عقود المسرح العربي حتى أواخر الستينيات من القرن الماضي، وربما كان مرد ذلك إلى مؤثرات أيديولوجية خارجة عن بنية الخطاب، حيث تم الإحتفاء خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين بالتجارب المسرحية ذات المنحى اليساري الذي يهدف إلى تثوير الجماهير وتحريضها للثورة ضد أنظمة الحكم الفاسدة أو ضد الإستعمار العالمي، فنجد شيوع المسرح السياسي والتسجيلي والملحمي، وغيرها من الأنماط المسرحية التي ركزت على الخطاب السياسي/ اللغوي بإعتباره هدفاً تثقيفياً للجماهير، ولم يكن الحضور الجمالي في بنية المشهد المسرحي واضحاً إلا مع تبني التيارات المسرحية الحديثة في العرض المسرحي العربي والعراقي كمسرح اللامعقول والمسرح التعبيري والمسرح التجريبي ومسرح الصورة، وهذه التجارب برغم محدوديتها إلا أنها شكّلت قطيعة رؤيوية مع السائد والمتداول لأنها تجارب حاولت إيجاد لغة جديدة قائمة على تفعيل الجانب البصري في بناء المشهد المسرحي وتحقيق أنساق تواصلية مع المتلقي عبر إستثارة حاسة البصر لديه، ولم يتم ذلك إلا عبر إستحداث لغة جديدة تعتمد على ( المشهدية الصورية ) في بناء المشهد عموماً أو حركة الممثل أو تأسيس الفضاء المسرحي الذي بدأ –ولأول مرّة – يتسم بديناميكية علامية لم تكن سائدة قبل هذا الوقت، ولاشك أن هذه اللغة الجديدة قد أربكت جميع الأطراس المسرحية السائدة والمؤسسة على ثقافة سمعية كان المتلقي فيها مستسلماً فقط ، وباحثاً عن جوانب معيارية وقيمية في الحكم على العرض المسرحي وجودته إنطلاقاً من قدرته على توظيف العناصر السمعية في بنية المشهد المسرحي، لذلك وجدنا أن أغلب العروض المسرحية التي قدّمت خلال تلك العقود كانت تتسم بالإنشائية الواسعة، والإهتمام الواضح بالصيغ البلاغية اللغوية، التي تحقق الوقع الشعري في ذهن المتلقي بغض النظر إن كانت لغة الحوار في العرض المسرحي معتمدة على اللغة الفصيحة أو اللهجة العاميّة، ولعلّ تجارب الكثير من الكتّاب أمثال : توفيق الحكيم والفريد فرج وصلاح عبد الصبور، ومن ثمّ نعمان عاشور ونجيب سرور وآخرون كانت تتراوح فيها مستويات الجودة بين القدرة في صياغة الحبكة المسرحية، وبين الشكل الأبرز في توظيف لغة الحوار، ولكن مع تطوّر مفهوم الصورة في الفنون البصرية وعودة البعثات المسرحية العربية خلال عقد السبعينيات من القرن المنصرم إلى أوطانها وبضمنها العراق، بدأ المشهد المسرحي العربي يتخذ أشكالاً جديدة في صياغة وبناء الصورة المسرحية، وقد برز إتجاهان أساسيّان: الأول ، حاول إيجاد نوع من الموازنة بين لغة الحوار (السمعي) وبين لغة السرد المشهدي (البصري) في سعي واضح لتشغيل حاستي السمع والبصر عند المتلقي المسرحي في آنٍ واحد، والثاني: تجاوز تلك الحدود في البحث عن صيغ جمالية تعتمد الصورة كبؤرة مركزية للعرض المسرحي بإعتبارها نسقاً إتصالياً عالي الجودة في عمل المتلقي، وكما هو واضح أن جميع الإنقلابات الرؤيوية في المشهد المسرحي العربي أتت بتأثير الآخر/ الغربي، ومع أن دعوات تفعيل العنصر البصري في العرض المسرحي جاءت مع بواكير القرن العشرين مع التيارات الفنية الحديثة (التعبيرية/ السريالية /المستقبلية/ ... الخ) التي رفضت جميع المذاهب الفنية السابقة لها كالكلاسيكية والرومانسية والواقعية والطبيعية بإعتبارها مذاهب تغلّب منطق الكلمة على منطق الصورة ، إلا أنها لم تصل لنا إلا مع بدايات السبعينيات بحيث أثرت بشكل واضح في المشهد المسرحي العربي، ويقيناً أن سبب ذلك هو القطيعة التاريخية بيننا والآخر الذي مازال العديد من المسرحيين العرب ينظر للعلاقة التأثرية معه بإعتبارها نوعاً من (الإتباع) المجرّد من الإبداع)، في حين نجد أن القصب وعبر تجاربه الجمالية العديدة أراد أن يخلق نوعاً من الصياغة المشتركة لفعل الإبداع بإعتباره مولّداً للفعل الجمالي بغض النظر عن جغرافيته ، لذلك نجد أن الوعاء الجمالي العالي الذي نشاهده في عروضه لا ينبع من إشتراطات بيئية محلية ، إنما ينطلق من المفاهيم الفلسفية الجمالية القائمة على نظرية معرفة محددة تقودنا بإتجاه إعادة النظر في مفهوم (العرض المسرحي) أولاً ، وفي بناء (المشهد المسرحي) ثانياً، وعبر (الوظيفة التداولية) لفن المسرح ثالثاً، إذ يرى القصب في عروضه المتكررة أن النسق الجمالي الذي يُنشئه خطابه المسرحي لابد أن ينبع من مرجعيات شعرية وشعائرية، وسيميائية وسينمائية خالصة تنصهر مع بعضها لتكوّن مفهوماً جمالياً جديداً للصورة المسرحية قائم على رؤى وأحلام سريالية وأخرى عدميّة تفسر الوجود الإنساني في علاقاته بالمؤثرات الكونية الخارجية ، وفي الوقت نفسه تغوص بنا في رحلة جوّانيّة داخل الشخصيّات، مداها معرفة الطبيعة الإنسانية في تحولاتها الدراماتيكية فيختلط لديه الذاتي بالموضوعي ليكوّنا نسقاً جمالياً فريداً من نوعه قائم على جدلية (الهدم / البناء) المتكرر في إنشائية الصورة المسرحية، وهو ما يخلق لها إيقاعها العام الذي يعبر عن زمن الصورة في تغيرها المستمر، وهذا الإيقاع يختلف عن الإيقاع الواقعي المؤسس على التراتب المنطقي للحدث أو لإنشائية بناء الصورة، لأن القصب في تصوراته الجمالية للصورة، لا يجعل منها مكتملة الأجزاء، فعندما تكتمل الصورة لديه فان ذلك يعني موتها، لذلك نراه يقوم بعملية إحياء متكرر للصورة عبر توليد أخرى رديفة للأولى قبل إكتمال وجودها، وهذه الآلية تحقق صيرورة ديناميكية للمشهد المسرحي ومن ثمّ الخطاب ككل، فالتغير المستمر هو الذي يخلق الإيقاع المتدفق للصور، وهو ما يؤهل المتلقي في مسرح الصورة لأن يكون متيقظاً دائماً، وهذا يستدعي توتراً دائماً على مستوى الذهن والتفكير والتأمل بعيداً عن حالة الإسترخاء والقمعية التي نجدها في المسارح التقليدية، فإكتمال الصورة من حيث شكلها البنيو– رؤيوي يتم في مخيلة المتلقي وليس على خشبة المسرح، وهذا يعني أنه – المتلقي– يُسهم في بناء الصورة المسرحية بما يُشابه عمل الممثل أو المفردات السينوغرافية المكوّنة لفضاء العرض ومشاهده العامة.
***
المنارة