البحث في التجارب الإخراجية

الصورة في مسرح الصورة
 

 

*خالد ايما


الآن شيء جلب إلي سراً، وأذني استوعبت قليلا منه ثم مرت روح أمام وجهي من شعر ولكن لم أستطع أن أرى الشكل لذلك كانت صوره أمام عيني وكان صوتاً، المبدعون , المفكرون , الجماليون , يستطيعون  ان يرسموا  كما يشاوؤن ــ والأ فأن الأسواق ستخترق كل مقاييسنا.
-
صلاح القصب
احتفال واستيقاظ مفضوح الشكل ، وطقسيه تتخفى مضامينها  او تحاول ان تتخفى عبر رموز وترميزات . الممثل جرب كل الأمور...

وصار حكيماً (عارفا )ً  المخرج مجنون ومتهم بالغموض والإيهام  والسلطنه الغر ائبية (السينوغرافية) .حقل مسرحي تجريبي ملغوم بأمونيا فكريه. انفجار النص بشظايا القراءات المشاكسة .ضوء /موسيقى /ديكور لا يستقر ولا يهدأ وأزياء لايمكن حصر طرازيتها .حقائب تعلن عن رحلتها . استقراء .ابتكار .تخيل ,دعاة قتل النص يخرجون من  أكاديمية المقهى بدراجات نارية وسيارات إسعاف يبحثون عن شكسبير ...شكسبير في (المطبخ) خائفاً يستبدل قصائده بعكازة خزعلية ويكتب بها على الأرض شعراًُ بلا كلمات (أقدامه معطله) فوضى تثير السخرية لحشد من العازفين والممثلين والأشرطة السينمائية والألآت الموسيقية الضخمة. تصفيق حاد .تضجر .خروج طارىء ) أراء وادعاءات وخلط في المفهوم وعدم وجود رؤية واضحة للصورة , واختلطت  واختلفت الآراء والمفاهيم , وأكتنف الغموض طبيعة المسرح عبر العصور الطويلة حول ماهية أصول المسرح الأولى أو حول الأولوية للكلمة أو ألصوره.والغريب ان الجميع يردد( في  البدء كانت الكلمة ) بينما نجد إن الكلمه حتمية عن مجموعة حركات ، ومجرد سقوط حركه واحده يعطينا دلاله أخرى وكلمه مضاده ، التعامل مع الحركة هو  تعامل حذر وقاس ـــــــ الحركة هي الأساس في كل فعل وبذا تكون الكلمه في مسرح الصورة كما تكون في الحلم  عمليه افتراضيه لومضات ضعيفة لم تكتمل بعد . . أفرزت في لحظه خاطفه معتقه من السلطة نحو حرية الصورة .... وهي في الواقع صوره .. فهي عند (صلاح القصب) أداة عاجزة  وقاصرة عن وضع المتلقي  في المنطقة التي يريدها والتي يمنح المتلقي فيما بعد الامتياز الذي يجعله يرى الأفكار بوضوح ويسمع همسات الاستيطان الخافتة ، وهذا لاشك بحاجه الى متلق واع يستطيع تنظيم الحقيقة  ويصادق على معانيها  ،فالكلمة في مسرح الصورة رديفاً للمفردة البصرية  وليس بديلاً عنها .إن الصورة تخاطب العين  أكثر مما تخاطب الأذن ، والمسرح البصري الذي يبني تقاليده على الحث البصري يمكن أن ينقذ المسرح من ثرثرة الكلمات ، والتأكيد على الصورة في المسرح أنما هو محاولة لإعادة اكتشاف فنتازيا الجسد ، فالصورة في المسرح علامة كبرى ارتبطت مع الصورة في الفلسفة والشعر لتمثل شكلاً فنياً فهي في مجال الفلسفة تمثل علامة دالة مفسره للظاهر والإشكالات ، وفي مجال الشعر حملت عبء  أنتاج المعنى ونقله من كلمات الى قيمة ذهنية ... كذلك   يرمي إلى استنهاض المجهض والمنسي من الحياة ويحث على تقويم الحياة البشرية تقويماً جمالياً لكي يشغف الروح والعين ويعيد أليهما صلاحيات دورهما في الرؤية والتميز فهو مسرح ينحو منحى تصادمياً في رسم الحركة لأنه يأخذ العنف  كبيان استرشادي. والعنف والقسوة منهج (أرتو) المقدس علاج بصري يريح العين ويقدم لها موروثها وحاضرها على هيئة صورة مستفزه ساخطة تدفع نحو اتخاذ أجراء داخلي وخارجي  وهي محاولة لاقتلاع ذوق الفرجة العتيق . فالشكل كان في مسرح الصورة  وأجزائه ينقل إلى المتلقي شكلاً تركيبياً ولهذا فأن الصورة في مسرح الصورة ذاتها  كالحركة والإضاءة  والكتل في الفراغات تتميز  باحتوائها على أثر للإشارات  التي سبقتها وهي بدورها مهيأة للصورة التي تعقبها، وأن الزمن الذي يربط  هذه الصورة والتكوينات هو أيضاً مهشم ،كل شيء غائب /المكان، الزمان، اللون، الموسيقى ، هي (الذاكرة) المفضية الى عالم مسرح الصورة والتي تعمل بصوره لاأراديه وهي وحدها التي تفترض معنى لكل تلك  الأجزاء المفككة. فجذور مسرح الصورة في الصورة عميقة تعود إلى بيانات (أندريه بريتون/السريالية) وإلى (التمثيل الصامت/البانتومايم) وألى أفكار المخرجة الرومانية (كاترينا بوزيانو) التي تنفرد بمصطلح (زيغ الصورةـــــ عدم ثبات الصورة ) والى المخرج البولوني (كانتور /مسرح المستقبل) وإلى تجارب (بيرو البرازيلي /مسرح القهر ) الذي حاول أن يجعل من الجسد وسيطاَ تعبيرياً ولغة للتواصل  .كذلك  تعود الصورة الى( أنطوان أرتو) صاحب مسرح القسوة . وإلى محراب المسرح العراقي رائد الحداثة في مسرحنا (حميد محمد جواد) وهي موجودة في كثير من الدول الأسيويه التي تضع لها طقوساً وتحيطها بهالة من القدسية وتقيم  لها احتفالا خاصاً يعبر عن المناسبة بطريقة غير مألوفة وغير تقليدية، ولهذا يطالب( أرتو) بأن يتصف المسرح بصفة الاحتفال السري والصوفي وان تكون المعالجة عبر الاتصال والعلاج بالقسوة ن وهو الذي يبحث عن شعرية الفضاء بديلاً عن الشعر في الفضاء جاعلاً من الكلمة رديفا للمفردة البصرية. فالكلام ً في رأي  (أرتو) يعد من أدوات التعبير المسرحي، ومن ثم  فأنة لامكان له في المسرح، وأن كل ما أدخل على المسرح منذ بدء الإغريق حتى الآن قد أستند إلى وجهة النظر التي يرى أصحابها أن وظيفة المسرح هي الاتصال بالآخرين عن طريق الكلام، لكن عملية نقل الآراء عن طريق الكلام هي الشيء الذي يميز المسرح عن غيرة ، وليس في أمكانها أن تفعل هذا فهي باختصار تجعل من المسرح مجرد فرع من فروع الأدب، ويقرر" أرتو "  أنه لا يكون هنالك  معنى على الإطلاق  لتحمل المشقة الهائلة والتكاليف  الباهظة التي يتطلبها إخراج مسرحية ما . فمن الواضح أن قراءة المسرحية يعد عملا كافياً في هذه الحالة ، أن في أمكان الواحد منا أن يفهم الكلمة المكتوبة بالسهولة نفسها التي تفهم بها الكلمة المنطوقة، ولقد أوضح "أرتو" أن المسرح لآبد أن يكون له طابعة المسرحي ، ومن رأيه أيضاً أن الكلام  ليس من وسائل  التعبير المسرحي وإنما هو من وسائل التعبير الأدبي ، ومن ثم فأنه من الواجب أن نركز  تركيزاً كاملا على العناصر التي يختفي بها المسرح  وحدة دون غيرة من وسائل التعبير الأخرى. لذا فالكلمات يمكن ان تستخدم في المسرح بوصفها صوتاً قائماً بذاته بوصفها ترانيم وكفى بحيث لا يكون الهدف منها نقل الأفكار وإنما استحضار نوع من التأثير العاطفي ، ويمكن ان يقال  ان الصوت الأجش يمكن أن يدل على الخوف والفزع. أما وظيفة اللغة في المسرح عند "أرتو" فهي تشبه الى حدما فكرة (الأستاذ) الذي قدمه "يونسكو" في مسرحية (الدرس) فالكلمات المحملة بدلالة معينة تسقط مثقلة بما تحمل من دلالة وأخيرا" تتهالك على نفسها ثم تتهاوى على "اذان صماء"  لذلك  فأن صلاح القصب  اذ ما أراد أن يكون فاعلاً ومتفاعلاً في رؤيته ...فهو لا يفسد فعل اللغة فحسب بل يفسد المعاني أيضاً ليحررها من طغيان المنطق والعقل وليتجاوزها الى أبداع وتشكل صوري ــ  حركي قد يكون حاملاً لما هو  فوق اللغة لينقل المتلقي الى مكان أخر بعيداً غير مطروق، ومن استحضار الحلم  الى الواقع ، يتفق "صلاح القصب"  مع"جوزيف شاينا" على العرض المسرحي أولاً  بوصفة (رؤية بلاستكية ــ  تشكليه) شكلت السنوغرافيا منها السمة الغالبة في أعماله . فالمسرح عند شاينا يبدأ  عندما  تنتهي الكلمة  لكنه لا يلغيها تماماً فهو يستعين بالكلمة في أحاديث كثيرة ، وبعد ذلك  يشعر بالملل منها كون اللوحة والحركة تسيطران على العالم المعاصر ويتفق أيضاً على الطريقة الأخراجيه التي أخذها من ألمخرجه الرومانية (ساندا مانو) وبدأ بتطبيقها منذ هاملت ، وأسس لها وترجم أسسها العملية  والجماعية والفلسفية في البيان والتبيان الذي تضمنه بحثه الموسوم  " ب(مسرح الصورة بين النظرية , والتطبيق) " وبياناته الخمسة التي أصدرها خلال تجربته المسرحية الطويلة الموزعة بين بغداد ورومانيا والكويت  والقاهرة والدوحة . فجاء البيان الصوري الأول الذي تحدث عن التكوين الفلسفي لمسرح الصورة، والذي جاء بعد تجارب مسرحية مثل (جلجامش، الملك لير ، عزلة الكريستال ، حفلة الماس،  الحلم الضوئي، العاصفة .وغيرها ................. وجاء البيان لرابع بعد عام 1998 بعنوان (كيمياء الصورة)ليتوقف عند بيانه الخامس (ما ورائية الصورة ) وهذه البيانات هي محطات تأسيسية متجددة يقظة ومتمردة على المؤسسة المسرحية  التقليدية والتي تأسست بجمالية فلسفية ، لذا نجد الصورة عند القصب مأخوذة من فضاء القصيدة وتمتعها بخلق التضاد في ا لصورة ’ك(بكاء السماء، وصراخ البحر، وأنين الأرض، وتوقف (الساعة الرملية )، والارتجاج الذي يصيب المكان والكائنات من صدمة التوقف الكبيرة وانطلاق أصوات الغربان والعواصف والسماء التي تمطر حروفاً وكتباً، وأسطوانات ألآت  موسيقية، وملائكة والسرب التائه في الأبدية ، و(الكفن)* ، وسقوط راقصة البالية من السماء في أحلام "هادي المهدي "  المؤجلة )* هي تأملات فلسفية ميتافيزيقية جديدة نوعاً ما على مسرحنا وما يقوم به (صلاح القصب) يعد تنظيراً في نظر الكثير ـتنظيراً يدفعه الى تغييب النص الأصلي واللجوء الى الشعر كشعر( "أدجا ر ألن بو, وخز عل ألماجدي في عزلته الكرستاليه ، وحفلته الماسية ) فالشعراء هم الأقرب لمخيلته وفضاءاته المسرحية وهو يحول الصورة الشعرية الى بصرية يغيب فيها الكلام  ليعتمد الإنشاء الصوري الذي يشكل الأساس أو الجوهر في رؤيته الإخراجية ما نشاهده هذيانات تهدم  ثم تبنى وتشكل ثم تخرج  من جديد لتثير الاستغراب والدهشة في تجريب مفرط واقع  تحت تأثير الفهم  الجدلي لبنية النص. فالذي يسلك طريق مسرح الصورة  هذا الطريق الصعب والشاق لابد أن يصنع لنفسه محطات تأسيسه كي يستعيد في كل واحدة منها أنفاسه ويجدد حيويته ويتأمل أثاره التي تركها خلفه لا بعين السائح المنبهر , وإنما ببصيرة وخبرة وعقل عالم الآثار والشاعر والفيلسوف أذاً هنالك رؤية شمولية تتحرك  في فضاءات الإبداع التي لاتحدها حدود, أو نهايات  لذا  يكون بحث المخرج المسرحي في فضائه الدرامي يستند أولاً: على الإنسان  ومعنى وجوده وسط  ضجيج تكنولوجي وأيدلوجي مزدحم يحاول تغييب الذاكرة الأنسانيه ويهمش الإنسان خارج نطاق فعله /شرطه / الإنساني  وهذا  ما يحدث  مع أنسان القصب المجرد من الانتماء الزمكاني والمحاط  بقوانين الوجود وإرهاصاته, وبالتالي يصير الإنسان عنده كونياً ومتعالياً على وجودة الواقعي, ومشاركاً فاجعته الكونية منشغلاً بسؤال الموت وما بعد الموت, وكيفية تحويل السؤال الى قوه دافعه لصنع الحياة, فإنسانه يناضل من أجل الإلمام  بفاجعته الكونية. كذلك  شخصيات بكيت ـــ  كانت هي الأخرى  تنظر الى الموت بترقب شديد لأنها فقدت الأمل في الحياة  والعيش بسلام مع الإنسان (لاشي يأتي ...لاشيء يحدث) مثل هذه الجذور من الوعي دبت الى مفاصلنا وعلى وجه التقريب  بعد السبعينات وأصبحت الأرض خصبه لتفجير الكثير من التجارب  في تقديم أنفسنا بشكلها الذي يجب أن تكون عليه  فما عادت المفردات قادرة على التعبير عن كوامننا ولا عدنا نستطيع اختصار مشكلاتنا كما لم تعد الموضوعات ألمسطحه بل الموضوعات ذات البعد الواحد ذات أثر لدى المتلقي . بدأنا  ننشد الى النص الشعري أو القصة او المسرح الذي يستطيع أن يقدم  شتاتنا ومتنا قضاتنا وضعفنا أمام  صراخ الحديد وخرق الطلقات .....لذلك  فأن عروض الصورة يعسر فهمها شأنها شأن عروض التجريب في العالم لما فيها من كثافة الصورة والصوت ..... عموماً فجديد (صلاح القصب) تجربه لا تمتلك مسوغاتها الفكرية لاسيما ونحن في  مجتمع لا يستطيع استيعاب  طروحات مفرطة بالتجريبية على العكس من المجتمع الأوربي الذي مكنته رؤيته الحضارية المتقدمة وممكنات التكنولوجيا من استيعاب أي  تجريب حتى الغريب منه بل يعد التجريب هناك موازياً لاتجاهات الثقافة والصناعة والاجتماع . لذا أن أحدى أهم  الأسباب  الموضوعية في عدم تطور تجاربنا المسرحية هو اعتمادها المطلق على الذاكرة السمعية وعدم السعي لتأسيس أو التأكيد على البصريات المسرحية التي يعتبرها البعض وهماً بل لعباً دون جدوى...

*      khIdema@ yahoo com

المنارة

دفاتر