«أوراق ملونة من الفن العراقي» حوارات مع نوري الراوي

تمجيد السذاجة

انور محمد

 

الكتاب: أوراق ملونة من الفن العراقي.
المؤلف:نوري الراوي.
الناشر: وزارة الثقافة دمشق/2007


ركامٌ من معلوماتٍ؛ من معارف إجرائية يتأبَّطُها ثمانيةُ من الكُتَّاب والصحفيين بصيغة أسئلة، يواجهون بها الفنان نوري الراوي. وكأنَّهم يسألون راقصةً، أو مغنيةً، أو بائعَ خردوات، وليس فناناً يُعتبر من رواد الفن التشكيلي العراقي. فيسمِّمون الفكر، ويُفسدون المعرفة.
أسئلة من مثل: ما هي وظيفة الفن؟ وأين أنت الآن؟ ما هو مفهومك لللوحة؟ كيف تُجسِّد المرأة في لوحاتك؟ هل يمكن أن يصير الفنان مؤرخاً جغرافياً؟ وهل تستطيع بكلماتٍ موجزة أن تُلخِّص لنا معنى الجمال في الفن التشكيلي؟ وهل تُحدِّثنا عن الفلسفة في لوحاتك؟ وما هي طقوسك الخاصة في عملية الخلق قبل وأثناء الرسم!!!؟.
هو تمجيدٌ للسذاجة، سعيٌ لتسطيح الفكر؟. تمنيت على أيٍّ من سائليه وليس محاوريه، أن يسأله سؤالاً واحداً يُعلي من شأن العقل، باعتبار أنَّ للعقل سلطةُ النظر والعلم والعمل. طبعاً نوري الراوي في إجاباته حتى ولو كانَ محاوره (سارتر) وليس فاروق يوسف، ومنى سعيد، هدية حسن، ماجد السامرائي، أموري الرياحي، سعد هادي، سوسن الجزراوي، سهير السلمان ـ فلن يأتي بمعجزة؛ لن يُحوِّل الماءَ إلى خمر، ولا الحجارةَ إلى أرغفةِ خبز. لكنَّه الحوارُ الذي يُثير مشاعرنا؛ أو يهزَّنا فيقلقنا. الحوارُ الذي يُحقِّق في الفكرة الموضوعة في اللوحة فنراها قبيحةً أو جميلة، الحوارُ الذي فيه انفتاحٌ على العقل والمستقبل، الحوارُ الذي لا يسعى إلى إجاباتٍ وقتية، بقدر ما يكشفُ عن تجربة «الراوي» الإبداعية بأسئلةٍ تتَّسمُ بالجرأة والتفرُّد. فيوقظُ؛ يستخرجُ منه الفكرة قبل أن تنامَ أو تموتَ دون أن نكشفها أو يكشفَ عنها.
لماذا جمع الحوارات
مع ذلك لا أعرف ما الذي دفعَ نوري الراوي ليجمع مثل هذه الحوارات وينشرها في كتاب؛ هل لتأكيد ذاته أم لتفكيكها وبعثرتها. مع أنَّنا ما نزال نغرق في حالة تمزُّق الوعي، ونعيش على ثقافة الاستهلاك؛ على إنتاجِ موضوعاتٍ استهلاكية سواء في الفكر أو الفن أو السياسة.
الشاعرُ أو الرسام أو الأديب أو المفكِّرُ عندما يشتغل عملاً ـ أو على عملٍ، فإنَّه يقوم باكتشاف ما هو مخفيٌ، فلا يُحِلُّ السلطةَ التقليدية مكان السلطة العقلانية. فيمارس تفكيراً علمياً، تفكيراً مادياً وطبيعياً.
نوري الراوي في أوراقه الملوَّنة/حواراته؛ لم يمارس هذا التفكير، لم يمارس جاذبيته كما في رسوماته، كأنَّه لم يرَ الانقلابات التي تحدث، لم يرَ كيف صرنا ننتقلُ من الحسِّي إلى الصوفي، ومن الصوفي إلى الحسِّي.. إلى السياسي؛ إلى صنع ثقافةٍ مُتطرِّفة، ثقافة مسعورةٍ لا تسمحُ للعقل أن يتغلَّبَ على الغرائز فيسودها. حواراتٌ؛

أوراقٌ ملوَّنة لا تقيمُ جسراً بين المبدعِ والمستهلك ـ على سبيل أنَّ القرَّاءَ مستهلكون. فنستمدُّ، نأخذُ منها جرعتنا الثقافية ـ ليس دواءً بل على أن نستمتع بها، فإنْ لم نتذوقها/ نذقها؛ فتكون لنا حلية. لوحات ليوناردو دافنشي، فإن غوغ، غوغان، رينوار. وكذلك لوحات جواد سليم، رفيق شرف، فاتح المدرس، وجيه نحلة، لؤي كيالي، وكثيرين غيرهم.. كانت ملعونةً لحظةَ إبداعها. لكنَّها في ما بعد تحوَّلت إلى مصادرَ شرعية للفن، وثُمِّنَتْ على أنَّ لها قيمة نقدية؛ أغلى و أثمنُ من قيمة الجواهر والذهب. وصارتِ الحاجةُ والطلبُ عليها يتزايد، وأصبحَ هؤلاء الفنانون أبطالاً أسطوريين. غير ذلك؛ انقسمت النخبُ عليهم إلى قسمين؛ واحدٌ يمتلك المال فاشتراها ليُروِّح بها عن نفسه على أنها زينة وتفاخر. وآخر يمتلك الفكرَ رأى فيها تجربته الجمالية والروحية، وعلى إنَّها ثروة، على إنِّها جزءٌ من الرأسمال الثقافي لأُمَّته.
نوري الراوي من حقِّه أن يكتبَ وأن يحكي ، وأن ينشرَ حواراته، لكن على أن لا ينسى أنَّه حين يرسمُ يثيرُ أسئلةً ليست شرسة، ولكنَّها تقوم على البحث، على التداعيات والاستعارات والمجازات، فيمارسُ الحلم ذاته، ويشوف حاله علينا، هذا إذا لم ننس أنَّ الرسم حقيقةً هو حلمٌ للعقلِ كيْ يبقى يقظاً. 
(
حلب)

السفير

دفاتر