مذكرات تنيسي وليامز بقلمه: الصدق يرتجل

عناية جابر

 

الكتاب: مذكرات تنيسي وليامز
الكاتب: تنيسي وليامز
المترجم: أسامة منزلجي
الناشر: «دار المدى»
تتداعى الى ذاكرتك، لدى قراءتك مذكرات الكاتب المسرحي الأميركي الكبير تنيسي وليامز، كل السير الذاتية التي تكون قرأتها لكتاب مشهورين. همنغواي، أخماتوفا، أناييس ين، جان جينيه، وسواهم الكثيرين، سوى أن في هذه المذكرات تحديدا، أي كتابة السيرة الشخصية جدا لويليامز، ما يكاد يفوق أي سيرة ذاتية كتبت بيد صاحبها، من عدم إغفالها أي تفصيل ولو بالغ الادانة، للكاتب نفسه، بسبب من صدقيتها العالية، والرغبة في التطهر من ماض، كان فاتنا بقدر ما كان مدمرا أيضا، وربما بسبب من فتنته.
تبتعد مذكرات تنيسي وليامز، المسرحي والممثل والشاعر الذي شغلت مسرحياته الأوساط الفنية والثقافية وما زالت: «عربة اسمها اللذة» و«صرخة» و«داخل بار في فندق طوكيو» وسواها الكثير، عن أن تكون سردا أدبيا معتنى به، على غرار سرد الروائي الياباني كاواباتا في «اعترافات قناع» أو سرد الكاتب الفرنسي جان جينيه في «يوميات لص» وكلاها تلقي كشفاً بالغ الحميمية على حياة هؤلاء الكتّاب، سوى أنها سواء عند كاواباتا او عند جينيه كتبت بشاعرية عالية، وحرفية أدبية بالغة، بينما جُعلت لدى وليامز، على طريقة السرد كيفما اتفق، سردا لا يحكمه التسلسل لا الزمني ولا المكاني، ولا حتى الغاية في كتابة أدب رفيع. مذكرات وليامز غايتها حفظ ماضيه من الضياع والاندثار، بلملمة شذراته من هنا وهناك، لكن بكل الصدق اللازم، الصدق الذي لا يُطاق أحياناً.
إذن، عبر عشرات بل مئات السير الذاتية، التي يتفرد أصحابها بكتابتها، كل بحسب أسلوبه ومكانته الأدبية، يأتي وليامز ليكتب عن حياته المسرحية، نجاحاته وعثراته، خصوصا عن ميله الجنسي الشاذ، الأمر الذي يجمعه مع بعض هؤلاء الكتاب أمثال جان جينيه وكاواباتا وميشيما وأندريه جيد وباول بولز... والقافلة تطول، بأسلوب أقل تقليدية، وأقل جلد للذات، وأقل طلبا للغفران من أحد، وأولا وقبل كل شيء، وباعترافه الشخصي، ان السبب لكتابتها، مادي بالأساس، ليعود وليامز بعد مباشرته الكتابة بقصد الربح، الى الانغماس في هذا النمط الجديد ـ بالنسبة له ـ من التأليف، والاستمتاع بإضرار في البوح الذاتي السافر.
مذكرات تنيسي وليامز، كتاب مكتوب بأكمله بطريقة تشبه عملية التداعي الحر، الذي تعلم الكاتب ممارسته خلال خضوعه لجلسات عديدة من التحليل النفسي. المذكرات تُعنى بتدوين كل الأحداث التي جرت في حياته، التافه منها والهام، وهي تقاطع أحيانا، خاصة وهي تتحدث عن ذكريات الماضي، بسرد عما يهم الكاتب في حاضره، ذلك ان من عديد الأشياء التي كانت تهمه في الماضي، ما زالت تشغله في حاضره، حتى في شيخوخته وإبان وفاته.
خلال سياق الكتاب الذي حوى حياة مسرحية لمؤلف شاب عرف الشهرة والمجد، وعرف مشاهير التمثيل: بتي ديفيز، آنا مانياني، غريتا غاربو، مارلون براندو، آفا غاردنر، في سرد مشوق عن علاقته بهم، وعما تمخضت عن تلك العلاقة من معرفة بطبائعهم الشخصية والفنية، يتحدث تنيسي وليامز مطولا عن الحب، الحب الذي كان يكنّه «للغلمان الجميلين» بحسب الكاتب، الحب الشهواني الذي لم يحل دون الحب الوجداني الذي جمعه في علاقات طويلة نسبيا مع بعض عشاقه. يقول وليامز «لقد عشت حياة محظوظة جدا، بالنسبة الى رجل كثيرا ما اقترب من شفا الدمار، تضمنت عددا هائلا من لحظات الفرح النقي «تلك الموسيقى الحسية... لا أزال أسمعها بجلاء».
وليامز الذي لم يكن لديه مرة خيار في أن يكون غير كاتب، يتساءل في كتابه «مذكرات»، هل هذا الكتاب، ببنائه الغريب، هو مادة حرفية؟ هل لأي من أعمالي صفة المادة الحرفية؟ لطالما كتبت لضرورات أعمق مما تتضمنه كلمة حرفة، وأعتقد ان هذا أضر بمسيرتي المهنية، ولكنه في أغلب الأوقات كان لصالحها. هل قلت مسيرتي المهنية؟ انها عبارة خاطئة. كلا، لا شيء أكثر ادعاء من عبارة «نداء باطني».
سواء كانت المذكرات بقلم تينسي وليامز، على حرفة أدبية عالية او غير عالية، سوى أنها الأكثر نزاهة، في كشفها القاس عن حياة الكاتب الخاصة، وعن حياته الحميمة الأكثر إذهالا. يسجل وليامز صاحب أكثر المؤلفات المسرحية ديمومة على مسارح العالم، مثل: «مجموعة الحيوانات الزجاجية» و«حافلة اسمها الرغبة» وقطة على سطح من القصدير الحار» وأعمال عظيمة أخرى للمسرح الأميركي، يسجل في مذكراته، حياة لا تقل درامية عن عوالمه المسرحية، لكائن بشري شبق، صادق بشكل مؤلم، يدعو الى الاعجاب. ذلك انه يعرف كيف يسيء السلوك بشكل مسل، ويعطي صورة كاملة لنجوم عالم الاستعراض، وحياة الكسل الناعمة مع غاربو التي كانت موجودة في حياته، وكذلك كابوت وتالولا وبان وكثيرين لا نعرف غير أسمائهم الأولى التي ذكرها وليامز في مذكراته. كتاب هام، في تفاصيله الكثيرة الخاصة والمهنية، حيث معظمها مذهل عن رجل تمتع يوما بحيوية
هائلة.  

****

السفير

دفاتر