خضير ميري في أيام العسل والجنون..

أخذت من الجنون ما ينقصني من الحرية

 

هدية حسين 

 

  إنه خطاب الجنون.. ثانية وثالثة يكررها خضير ميري، يمزج الجنون بالأدب في مصهر إبداعه، يحكي عن الأيام التي ضاعت هناك، وراء الأسوار العالية، عن حكايات لم يفهمها المجانين في شوارع بغداد، لكنه، هو، الرجل الذي فهم اللعبة الخبيثة للسياسة وأراد أن يلعبها بطريقته الخاصة ليحمي جسده النحيل من سياط الجلادين، هو من حوّل غضبه وصراخه الى إبداع من نوع خاص، هو المجنون العاقل، أو العاقل المجنون الذي عاش في دهاليز الشماعية وخرج بكامل لياقته ليسخر من جلاديه، هو من كشف لنا ما خفي وراء تلك الأسوار في نصوص عدة عن علاقة الجنون بالإبداع.. وعن الأيام الصعبة أثناء حرب العام 1991 وما تعرض له المستشفى ومرضاه حينما قُصف بالصواريخ الأميركية.
 أيام العسل والجنون آخر كتاب صدر لخضير ميري عن مكتبة مدبولي في القاهرة، وبالتأكيد لن يكون الأخير.. الكتاب يقع في أحد عشر فصلاً مع شهادة للدكتور باهر سامي بطي الذي كان مديراً لمستشفى الأمراض العقلية في تلك الفترة ورافق خضير ميري في رحلة الجنون أو اصطناع الجنون، يحكي د.باهر في شهادته عن لحظة توحد الزمان والمكان في تلك البقعة التي تسمى الشماعية وعن أشد الأوقات التي مرت على المجانين، حيث حاصر الموت أكثر من 1500 مريض لا يدركون ماذا يحدث من حولهم.
يُعد الكتاب وثيقة مهمة لإدانة الأنظمة الفاشية والحروب بكل أشكالها، وهو إضافة نوعية لأدب فريد كتب فيه القليل من الكتاب في العالم عبر حقب مختلفة، وها هو خضير ميري يعيد الى هذا اللون من الأدب جذوة الانطلاقة نحو كتابات توثق للعقل البشري حين يُستباح.
إنه يعيدنا إلى رماد الذاكرة الذي حاول مراراً طمره في قاع الروح، إلا أنه لا يدري من أين تتوهّج جمرات العقل لتعيده إلى أيام الجنون.. تنفتح الذاكرة على جميع الممرات المعتمة لذلك المستشفى الكئيب لتضيء ظلماته، فنقف أمام لوحة سوريالية لا عنوان لها، هي خليط من جنون بأكثر من لون، لكنها تؤرخ لزمن واحد هو زمن القصف الأميركي للمستشفى، حيث كانت النفوس القلقة وراء تلك الأسوار تواجه هولاً من نوع مختلف، وكان خضير ميري يومها هناك، يختبئ وراء جنونه الأبيض الذي يعرّفه بأنه ذهاب العقل قليلاً خارج جدار الحياة ليصرخ: أخذت من الجنون كل ما ينقصني من الحرية (ص 10).
ويقول خضير ميري عن هذا الجنون، بأنه جنون مسالم بسيط ولا يؤلم غير صاحبه، كما أنه جنون يرتدي نفسه ولا يرتدي دولاً ولا يسمح بابتلاع حضارات (ص 11).
أما الجنون الأسود فهو الذي يشن الحروب على أي جنون آخر دون أي تحسّب أو تردد (ص 12). وقد مثل هذا الجنونَ الطيارُ الأميركي في العام 1991 حينما أطلق صواريخه نحو ذلك المكان الذي يقبع في منطقة مهملة من مناطق بغداد، وهرب حراس المكان فبدأ العد التنازلي للبقاء على قيد الحياة، مرضى بلا طعام، بلا ماء، بلا دواء.. وبلا أمان.
يقول خضير ميري عن مشاعر المجنون في تلك اللحظات: إنه لا يعرف للموت معنى، إلا أن هذا لا يعني بأن المجنون لا يستشعر الخطر أو لا يؤدي رد فعل إزاءه (ص 14)، وهكذا يأتي الموت معبأً في صاروخ، موت لا مزحة فيه، موت لا معقول، إذ ماذا بإمكان مجنون ذهب عقله أن يفعل إزاء عقل طيار أميركي يعرف ماذا يفعل؟.
أرشيف المستشفى احتفظ بتقرير لم يُنشر وقتها على الملأ ( هناك أكثر من 400 مريض ماتوا خلال فترة العدوان العسكري)، وهناك كما يعلم البغداديون، وكما أشار إليه خضير ميري أيضاً، ضعف هذا العدد شُرّدوا خارج المستشفى حين انفتحت الأبواب وامتلأت شوارع العاصمة بالمجانين: لقد تنافس المجانين على أخذ حصتهم من الموت بالشظايا والقنابل وهم يرقصون على الأرصفة وكأن شيئاً لم يكن (ص 15).
لا نبالغ إذا قلنا إن ما حدث في مستشفى الأمراض العقلية، لو حدث في أية بقعة من بقاع الدول المتحضرة لقامت الدنيا ولم تقعد، ولسارعت هوليود الى صناعة أكثر من فيلم ينافس أفلام الرعب التي صنعتها خلال مسيرتها الطويلة الحافلة بالأفلام.
إنه موت لا يشبه أي موت، ومن الصعب تصوره إلا لمن عاش المحنة أو سمع بها من قرب أو كان له قريب طاله الموت في ذلك المستشفى، حيث تكدست الجثث في الغرف أو في الشوارع، كان ذلك في الشهر الثاني من العام 1991.
لقد كتب خضير ميري تقريره عن ذلك الموت وهو يأمل أن تصل نسخة منه الى استعلامات البيت الأبيض الأميركي ليتسنى لأي رئيس جمهورية حالياً أو في المستقبل مطالعته والنظر فيه كلما تناول قهوة الصباح بهدوء وعقلانية.
حفل الكتاب بالعديد من حكايات النزلاء المكتوبة داخل وخارج الزمن الضائع في الشماعية.. حكايات بين فوضى العقل المضطرب والصحو الذي لا يدوم سوى لحظات.. كلام لا رابط له يأتي على لسان المرضى، كلام في السياسة وآخر عن الموت والحياة، وأسئلة لا إجابات عنها، وصدمات كهرباء مع ارتعاشات أجساد هزيلة، حروب لا جنود فيها، وجنود بلا ملامح ينتظرون إشارة الموت ليستريحوا في الأبدية، قرص رغيف غائب وذاكرات معطوبة وأفكار مشوشة، أمواج كلام لا شفاه تستوعبها وشفاه تبحث عن معنى لما يجري، لا فرق بين مكنسة كهربائية وشجرة يوكالبتوس وموت يشبه ضحكة بلا صوت، طائرات أميركية تقصف المستشفى ومجانين يعتقدون أن الطائرات ما هي إلا أسراب من البط.. ووسط هذا الخراب يدرّب خضير ميري حواسه لكي لا تضيع منه البوصلة، ولذلك فهو يقول (ص 60): هناك ما لا يختلف عليه مجنون ولا عاقل، حق التراب تحت قدميك وحفنة الهواء وجرعة ماء وظلك الصغير تحت سماء لا تتكرر، ومهما كبرنا أو صغرنا، صعدنا أو نزلنا، هربنا مذعورين أم صمدنا، فإن هذا لا يزيد قلبك ولا ينقصه دَقة .
سنقف على الكثير من تفاصيل تلك المأساة دوّنها خضير ميري في ليل مثقوب بالقنابل ومصنوع من جحيم الحروب، بذاكرة استطاع الحفاظ عليها بشجاعة نادرة بين المجانين مفتعلاً الجنون لكي يهرب من أتون الحرب من دون أن يدري أو ربما يدري بأنه يدخل حرباً أكثر قسوة وبشاعة من جميع الحروب.
* كاتبة عراقية مقيمة في عمّان

 الرأي الأردنية

***

دفاتر