عباس بيضون: «الموت يأخذ مقاساتنا»

 

حضور الموت والألم وعائلة التعابير التي تحمل وجوه الحزن المتعددة ليس قليلاً في قصائد المجموعة الشعرية الجديدة لعباس بيضون، بل إن عنوان «الموت يأخذ مقاساتنا» يختصر كل هذه المعاني، وليس أدل على ذلك أكثر من افتتاح القصائد بقسم من أصل خمسة تجمع قصائد الكتاب، أتى تحت عنوان «فيلم قصير عن مي غصوب» يدور الشعر فيه حول شخصية غصوب التي رحلت منذ سنة ونيّف. لم تحتكر أجواء الحزن كلَّ قصائد المجموعة، إذ يفسح الشاعر لمزيد من الحياة والضحك والغزل والسخرية، بل إن الأخيرة، بكل ما فيها من ألوان، تمتد من الأبيض إلى الأسود، تشكل كلمة السر في النصوص عموماً.
ليست السخرية سمة جديدة في شعر بيضون، إنما نجدها في المجموعة الجديدة أكثر تبلوراً وانتشاراً، بل أكثر انفلاتاً واتجاهاً نحو اللعب «المحرّم»، حتى أن رائحة السخرية التي تنتشر في النصوص جميعاً نجد لها في العنوان معادلاً، إذ استخدم الشاعر الأسطورة اليونانية الشهيرة، التي تتحدث عن قاطع طريق اسمه بروكست، كان يمسك بالمارة ويضع كلاً منهم على سرير بمقاس ثابت، إذا زاد مقاس أحدهم على مقاس السرير قطع من رجليه، وإذا نقص هشّم أطرافه ليمطها فتغدو بالطول المطلوب... هكذا يأخذ الموت مقاساتنا كما يعبر بيضون.
الحضور البارز أيضاً في كتاب بيضون كثرة الموضوعات العامة، التي يدخل بعضها من قريب أو بعيد إلى السياسة، لا سيّما حال لبنان، بدءاً مما حدث في الضاحية الجنوبية خلال عدوان تموز 2006 من دمار وقتل، مروراً بالتظاهرات، وصولاً إلى الاغتيالات. وفي الإطار نفسه تحضر عذابات بغداد في القسم الأخير من الكتاب، الذي حمل عنوان «رباعية بغدادية» وضمّ أربع قصائد.
مجموعة عباس بيضون، مالت هذه المرة إلى الشكل الأساسي لقصيدة النثر، أي شكل السطر الكامل، ولم يتبع شكل القصيدة الحرة، التي يتبعها شعراء قصيدة نثر عديدون، إلا في قصيدتين اثنتين فقط.
المجموعة الجديدة هي الثانية، بعد «ب ب ب» التي تصدر عن دار الساقي في بيروت، وهي تحمل الرقم 15 في مسيرة بيضون الشعرية التي تزداد حضوراً، ولم يصبها أي وَهْن.

****

دفاتر